رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التخارج الأمريكي: تداعيات قرار ترامب بالانسحاب من منظمة الصحة العالمية

الرئيس الأمريكي دونالد
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب- أرشيفية

أنهت الولايات المتحدة عقودًا من العمل المتعدد الأطراف بالانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وسط مشهد رمزي تمثّل في إزالة العلم الأمريكي من أمام مقر المنظمة في جنيف، إذ تأتي هذه الخطوة تنفيذًا لقرار الرئيس دونالد ترامب بفك الارتباط مع المنظمة التابعة للأمم المتحدة، بدعوى إخفاقها في إدارة جائحة كورونا عام 2020.

وعلى الصعيدين القانوني والمالي، فجّرت الإدارة الأمريكية أزمة جديدة برفضها سداد المتأخرات المالية البالغة 260 مليون دولار، بالمخالفة للعرف القانوني الذي يشترط تسوية الديون قبل المغادرة، وهو ما يضع المنظمة في أزمة مالية غير مسبوقة. وبينما تتعالى تحذيرات المدير العام، تيدروس أدهانوم جيبريسوس، وخبراء الصحة من تداعيات هذا الفراغ على الأمن الصحي العالمي، تشير التحركات الأمريكية الأخيرة في تفكيك الالتزامات الأممية إلى أن هذه الخطوة ليست مجرد إعادة صياغة للسياسة الصحية، بل هي بداية لعملية هدم ممنهجة للنظام الدولي القائم، لصالح نظام تقوده واشنطن بشروطها الخاصة.

وبين الالتزام بالقانون المحلي والتحلل من الواجبات الدولية، تبرز تساؤلات ملحّة حول قدرة المنظمة على الصمود، وحجم الفجوة التي سيخلّفها غياب القوة العظمى عن طاولة القرار الصحي.

تيدروس أدهانوم جيبريسوس
تيدروس أدهانوم جيبريسوس

التفاصيل الإجرائية

تمثّل لحظة إنزال العلم الأمريكي من ساحة "بلاس دي ناسيون" حدثًا لا يمكن تجاوزه، حيث غاب الرمز الذي ظل حاضرًا منذ تأسيس المنظمة عام 1948، ويحمل هذا الأمر رمزية تتخطى كونه إجراءً بروتوكوليًا، بل إعلانًا صريحًا عن انتهاء حقبة القيادة الصحية الأمريكية التي دامت لأكثر من سبعة عقود، بعد أن جمّدت واشنطن قنوات الاتصال الرسمية تدريجيًا، ورفضت المشاركة في صياغة معاهدة الجوائح الجديدة، مما مهّد الطريق لهذا الانسحاب.

ورغم محاولات إبقاء الولايات المتحدة بصفة مراقب، كحال الدول غير الأعضاء في المنظمة، فإن الموقف الأمريكي الحالي يتسم بالتشدّد؛ فهذا الغياب الكامل يعني أن الولايات المتحدة لن تطّلع على البيانات الأولية للأوبئة إلا عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية. وبالفعل، بدأت وزارتا الصحة والخارجية في تفكيك المكاتب التقنية المشتركة، حيث تم سحب الملحقين الصحيين الأمريكيين الذين كانوا يعملون كحلقة وصل مع خبراء المنظمة.

المعركة القانونية والمالية

تصرّ الإدارة الأمريكية على أن الانسحاب قانوني دون الحاجة إلى سداد المتأخرات، مستندة إلى قراءة جديدة لنصوص السيادة الوطنية التي تعلو فوق الالتزامات الدولية، ومع ذلك فإن هذا الموقف يتصادم مباشرة مع تشريع عام 1948، الذي يربط الخروج من المنظمة بوفاء كامل الالتزامات المالية والزمنية.

ويرفض ترامب بشكل قاطع سداد المبلغ المتنازع عليه، والبالغ 260 مليون دولار، ويمثّل هذا المبلغ شريان حياة للمنظمة التي تعاني أصلًا من ضغوط تضخمية، مما يهدد بتعثر برامج لوجستية كبرى في أفريقيا وجنوب شرق آسيا تعتمد على التدفقات المالية الأمريكية المنتظمة. كما يؤسس هذا الخروج لسابقة خطيرة، في حال استندت دول أخرى إلى موقف واشنطن في التحلل من التزاماتها المالية بذريعة الإخفاقات الإدارية للمنظمات الدولية.

وقد يؤدي هذا المسار في النهاية إلى إفلاس تدريجي للوكالات التابعة للأمم المتحدة واحدة تلو الأخرى، كما يُتوقّع أن يشهد الكونجرس معارك تشريعية بين أنصار الانعزالية المالية وبين من يرون أن عدم السداد يضر بسمعة الولايات المتحدة كدولة تحترم العقود الدولية. ومع ذلك، يبدو أن البيت الأبيض عازم على تحويل هذه الأموال لصالح مبادراته الصحية الخاصة بعيدًا عن جنيف.

الرئيس ترامب
الرئيس ترامب

تسييس الصحة

بعد الانسحاب الأمريكي، سيتأثر نظام الإنذار المبكر العالمي، وستصبح اللقاحات حكرًا على من يتفق مع سياسات واشنطن. بالإضافة إلى ذلك، سيفقد العالم جزءًا كبيرًا من قدرته على رصد التحورات الفيروسية بسرعة؛ هذا الفراغ التقني قد يجعل الاستجابة للجائحة القادمة متأخرة ومشتتة، في ظل غياب المختبرات المرجعية الأمريكية المرتبطة بالمنظمة.

أما على المستوى العلمي، فسيؤدي غياب الخبراء الأمريكيين عن اللجان الفنية للمنظمة إلى تراجع جودة المعايير الصحية الدولية، إذ يمثلون ثقلًا علميًا في اتخاذ قرارات مصيرية، مثل تحديد سلالات لقاح الإنفلونزا السنوية أو إعلان حالات الطوارئ الصحية.

وعلاوة على ما سبق، ستبرز الصين كمرشح أول لملء هذا الفراغ، عبر زيادة مساهماتها المالية وتوسيع نفوذها داخل أروقة المنظمة، ومن المتوقع أن يؤدي هذا التحول إلى إعادة صياغة السياسات الصحية العالمية بما يخدم الرؤى الصينية.

وعلى الجانب الآخر، تعاني الدول النامية من أكبر تهديد مباشر، حيث تعتمد برامج مثل استئصال شلل الأطفال بشكل شبه كامل على التمويل والخبرة الأمريكية عبر منظمة الصحة العالمية، وبالتالي فإن توقف هذا الدعم قد يؤدي إلى عودة ظهور أمراض كانت على وشك الاختفاء، مما يهدد الاستقرار الصحي العالمي ككل.

المقر الرئيسي لمنظمة الصحة العالمية - أرشيفية 
المقر الرئيسي لمنظمة الصحة العالمية - أرشيفية 

ردود الأفعال 

وصف المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم، اللحظة بأنها يوم حزين للصحة العامة، محذرًا من أن الفيروسات لا تحترم الحدود ولا تبالي بالانسحابات الدبلوماسية. في المقابل، احتفت التيارات القومية في واشنطن بالخطوة باعتبارها استعادة للسيادة، مؤكدة أن أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لن تذهب بعد اليوم لمؤسسة وصفوها بأنها أداة في يد قوى معادية. هذا الانقسام يعكس شرخًا عميقًا في الرؤية الأمريكية لدور الدولة في العالم.

كما أطلق المجتمع العلمي والأكاديمي العالمي صرخة تحذير، معتبرًا أن تسييس العلم هو الخطر الأكبر، وأن هذه الخطوة تكسر جسور التواصل التي بُنيت على مدار عقود، مما يجعل العالم في يناير 2026 أكثر انقسامًا وأقل قدرة على مواجهة التحديات الصحية المشتركة.

ختامًا:

يمثّل هذا الانسحاب الأمريكي المكتمل أكثر من مجرد خلاف إداري حول التمويل أو السياسات، بل هو نقطة تحول استراتيجية تُنهي حقبة اليقين الصحي الذي وفره العمل الجماعي منذ الحرب العالمية الثانية.

فبينما تراهن واشنطن على أن نموذج "مجلس السلام" والاتفاقات الثنائية سيمنحها مرونة أكبر وحماية أدق لمصالحها، يبقى العالم أمام اختبار حقيقي لمواجهة الأوبئة العابرة للحدود بصفوف ممزقة وميزانية منهكة؛ مما يضع البشرية أمام تساؤل مصيري: هل يمكن حماية الصحة العامة في عالم تغلّبت فيه الحسابات السياسية على التحالفات العلمية؟

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء