بين العقوبات وهندسة الانشقاق الداخلي.. خطة ترامب لإسقاط الشيوعية في كوبا
تسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إحداث تغيير جذري في نظام الحكم بكوبا، مستهدفة إنهاء الحكم الشيوعي في الجزيرة قبل حلول نهاية العام الجاري، بحسب تقارير نشرتها صحيفة وول ستريت جورنال يوم الأربعاء. تعتمد الاستراتيجية الأمريكية الجديدة على البحث عن شركاء محتملين وشخصيات نافذة داخل أروقة الحكومة الكوبية، للمساعدة في عملية انتقال سياسي تزيح القيادة الحالية، مستغلة في ذلك حالة الضعف غير المسبوقة التي تعصف بقبضة السلطة في هافانا.
وتتزايد التحركات الأمريكية مدفوعة بانهيار الدعم الاقتصادي الحيوي الذي كانت تتلقاه كوبا من فنزويلا، لا سيما بعد العملية العسكرية التي أدت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وتوقف إمدادات النفط والتمويل تمامًا.

وبحسب تقييمات الاستخبارات الأمريكية، فإن الاقتصاد الكوبي بات على حافة الانهيار الكامل في ظل نقص حاد في الأدوية والسلع الأساسية وأزمة طاقة خانقة، مما دفع البيت الأبيض إلى توجيه تحذيرات مباشرة لقادة الجزيرة بضرورة عقد اتفاق قبل فوات الأوان، أو مواجهة مصير مشابه لحليفهم الفنزويلي.
نموذج كاراكاس
تستند الإدارة الأمريكية في تحركاتها الراهنة إلى نجاح خاطف تمثل في عملية يناير 2026 التي أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهو الحدث الذي تعتبره واشنطن نقطة التحول التاريخية لخنق النظام الكوبي عبر قطع شريان حياته النفطي والمالي تمامًا؛ إذ تواردت تقارير عن البيت الأبيض تفيد بأن سقوط مادورو لم يكن غاية في حد ذاته، بل خطوة أولى ضمن رؤية أوسع لتصفية ما تسميه الإدارة محور الاشتراكية في الكاريبي.

فقدت هافانا، بتعطيل المساعدات الفنزويلية، نحو 50% من احتياجاتها النفطية التي كانت تحصل عليها مقابل خدمات أمنية وطبية. كذلك، وجّه ترامب رسالة صريحة عبر منصة "تروث سوشيال" إنذارًا نهائيًا للقادة في هافانا، قائلًا:"لن يكون هناك مزيد من النفط أو الأموال لكوبا – صفر"، داعيًا إياهم إلى إبرام صفقة خروج قبل أن تتوسع العمليات العسكرية أو الاستخباراتية لتشمل الجزيرة بشكل مباشر.
وبذلك، تتبع واشنطن الآن سياسة إدارة السقوط بدلًا من الانتظار، حيث يتم توظيف الضغط العسكري والنفسي الذي مورس في فنزويلا كنموذج تحذيري ملموس يهدف إلى إقناع النخبة الحاكمة في كوبا بأن الحماية الخارجية أو الإقليمية قد انتهت تمامًا.
خيار الانشقاق
تجاوز التكتيك الأمريكي الحالي مرحلة العقوبات الخارجية إلى محاولة اختراق البنية الصلبة للنظام الكوبي، عبر البحث عن شخصيات نافذة داخل الحكومة والجيش مستعدة للتفاوض على مرحلة ما بعد الحكم الشيوعي مقابل ضمانات أمنية وشخصية. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى إيجاد طرف ثالث من داخل السلطة يمكنه قيادة انتقال سلمي، لتجنب حدوث فوضى عارمة أو موجات هجرة جماعية قد تضر بالأمن القومي الأمريكي، وهو ما يفسر اللقاءات المكثفة التي تجريها واشنطن مع أطراف في ميامي لاستكشاف قنوات التواصل مع الداخل.

تراهن إدارة ترامب على حالة التذمر الصامت داخل الرتب الوسطى في القوات المسلحة الكوبية، التي باتت تعاني، مثلها مثل عامة الشعب، من انهيار القوة الشرائية ونقص الموارد، مما يجعلها أقل حماسة للدفاع عن أيديولوجيا لم تعد توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة.
ورغم عدم وجود خطة عملياتية معلنة حتى الآن لإسقاط الحكومة، إلا أن مجرد تسريب أنباء البحث عن شركاء في الداخل يهدف إلى زرع بذور الشك والريبة بين أقطاب النظام، وهو تكتيك استخباراتي يسعى لتفكيك التماسك القيادي للحزب الشيوعي من الداخل قبل حدوث أي تدخل خارجي.
الانهيار الاقتصادي
يعيش الاقتصاد الكوبي أسوأ أداء له منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث تسببت أزمة الطاقة في انقطاع التيار الكهربائي لمدة تصل إلى 20 ساعة يوميًا في معظم المقاطعات، مما أدى إلى شلل تام في المستشفيات والمصانع وتلف المخزونات الغذائية الضئيلة أصلًا.
وتشير تقييمات وكالة الاستخبارات المركزية إلى أن النقص المزمن في الأدوية والسلع الأساسية قد وصل إلى مستويات "حرجة"، وهو ما تعتبره واشنطن اللحظة الأضعف للنظام منذ 70 عامًا، حيث لم تعد الشعارات الثورية كافية لاحتواء غضب الشارع، الذي بات يرى في الحصار والفساد الإداري طريقًا مسدودًا.

وتعمل واشنطن حاليًا على تضييق الخناق على الموارد المتبقية للنظام، بما في ذلك البعثات الطبية التي تمثل مصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة، عبر فرض قيود تأشيرات مشددة، بهدف تجفيف آخر منابع السيولة التي يعتمد عليها النظام لدفع رواتب أجهزته الأمنية.
هذا الانهيار المتسارع يضع نظام الرئيس ميغيل دياز كانيل أمام خيارين، إما المضي قدمًا في سياسة التصلب ومواجهة انفجار شعبي غير محكوم، أو الاستجابة لعرض ترمب بإبرام صفقة قد تضمن خروجًا آمنًا للقيادات الحالية مقابل تفكيك القبضة الشيوعية على الجزيرة.
ختامًا:
تعيش العاصمة هافانا حالة حصار بسبب الضغط الأمريكي الذي يسعى إلى فرض واقع سياسي جديد قبل نهاية عام 2026، وانهيار داخلي متسارع جعل من خيارات الصمود التقليدية رهانًا خاسرًا. ومع غياب الحليف الفنزويلي وتصاعد حدة الأزمات المعيشية، لم تعد المعركة في كوبا مجرد صراع أيديولوجي، بل أصبحت سباقًا مع الزمن لتفادي انفجار اجتماعي شامل قد يعيد تشكيل خارطة النفوذ في منطقة الكاريبي بأكملها.

يبقى التساؤل الجوهري: هل ينجح ترامب في إنهاء سبعة عقود من الحكم الشيوعي دون الانزلاق إلى فوضى غير محكومة؟ فبينما تراهن واشنطن على انشقاقات الداخل ويأس الشارع كأدوات للتغيير، يظل النظام الكوبي أمام اختبار تاريخي لوجوده؛ فإما القبول بصفقة انتقال سياسي تضمن له خروجًا آمنًا، أو التمسك بالسلطة حتى الرمق الأخير في مواجهة إدارة أمريكية أثبتت في فنزويلا أنها لم تعد تكتفي بلغة العقوبات، بل تسعى إلى تغيير قواعد اللعبة بالكامل.



