الناتو في قلب الصراع: باريس تواجه أطماع ترامب في جرينلاند
بينما تتصاعد نبرة التهديدات القادمة من البيت الأبيض بخصوص جزيرة جرينلاند، سارعت فرنسا إلى نقل المعركة من ساحة التصريحات إلى الميدان العسكري، مطالبةً حلف شمال الأطلسي (الناتو) بإجراء مناورات رسمية فوق أراضي الجزيرة الدنماركية؛ لتتزامن هذه الدعوة الفرنسية مع نشر قوات أوروبية بقيادة دنماركية في محاولة ذكية لنصب مظلة قانونية دولية تحمي الجزيرة من أطماع الضم التي يلوح بها الرئيس دونالد ترامب، وتضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار قارس، إما القبول بقواعد الحلف أو إعلان القطيعة النهائية مع أوروبا.
يتجاوز هذا الصدام الجيوسياسي مجرد النزاع على قطعة أرض، ليصبح صراعًا وجوديًا حول مستقبل النظام العالمي وشرعية الحدود الدولية في القرن الحادي والعشرين، إذ ترى العواصم الأوروبية في تهديدات ترامب بضم الجزيرة بالقوة سابقة خطيرة تعيد إلى الأذهان عصور التوسع الاستعماري وتضرب ركائز التحالف الأمني الغربي في مقتل.

ومع بدء تحرك الآليات العسكرية الأوروبية في القطب الشمالي، يتحول "الناتو" من أداة لمواجهة الأعداء الخارجيين إلى حلبة صراع داخلي، حيث تسعى باريس لجر واشنطن إلى التزاماتها المؤسسية قبل أن يذوب الجليد الدبلوماسي تمامًا وتشتعل شرارة المواجهة.
الاستراتيجية الفرنسية
يمثل إعلان الرئاسة الفرنسية رسميًا، في الحادي والعشرين من يناير 2026، عن طلبها إجراء مناورات عسكرية موسعة تحت مظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في جزيرة جرينلاند، خطوة نحو تثبيت الشرعية الدولية للسيادة الدنماركية على الجزيرة عبر إشراك الحلف كمؤسسة ضامنة.

وتهدف باريس من هذا الطلب إلى وضع إدارة الرئيس دونالد ترامب في مأزق سياسي وقانوني؛ فقبول واشنطن بالمشاركة في مناورات رسمية للناتو في جرينلاند يعني اعترافًا ضمنيًا بسيادة الدنمارك، وهو ما يتناقض مع تصريحات ترامب حول ضرورة ضم الجزيرة كولاية أمريكية جديدة.
كما بدأت فرنسا بالفعل في تعزيز تواجدها العسكري في الجزيرة، حيث انضمت وحدات فرنسية خاصة إلى قوات من ألمانيا والسويد والنرويج للمشاركة في عملية الصمود القطبي التي تقودها الدنمارك، وتعتبر هذه التحركات رسالة ردع ناعمة مفادها أن العواصم الأوروبية مستعدة للذود عن وحدة الأراضي التابعة للاتحاد الأوروبي ضد أي محاولة لتغيير الخرائط بالقوة.

وفي كلمته التي ألقاها في منتدى "دافوس" الاقتصادي، شدد الرئيس إيمانويل ماكرون على أن أوروبا لن ترضخ للترهيب ولن تسمح بانتهاك القانون الدولي، واصفًا التهديدات الأمريكية بأنها تعيد العالم إلى قانون الغابة، وبهذا تتحول غرينلاند من مجرد جزيرة نائية إلى ساحة لاختبار قدرة أوروبا على فرض استقلالها الاستراتيجي في مواجهة أقرب حلفائها.
أزمة تصدع
يواجه الناتو أخطر أزمة في تاريخه منذ تأسيسه قبل 77 عامًا، حيث تحول من حصن للدفاع المشترك ضد الأعداء الخارجيين إلى حلبة صراع داخلي غير مسبوق، ولأول مرة، تجد دولة عضو الدنمارك نفسها مضطرة لطلب الحماية من حلفائها الأوروبيين لمواجهة تهديدات صادرة عن القوة القائدة للحلف، الولايات المتحدة.

ولم يبدِ الرئيس ترامب أي تراجع، بل تساءل في مؤتمر صحفي عما إذا كان "تفكك الناتو" ثمناً مقبولًا لتحقيق الأمن القومي الأمريكي في القطب الشمالي، مشيرًا إلى أن بلاده لم تعد مستعدة لتحمل تكاليف حماية دول تقف في طريق مصالحها الحيوية، حسب وصفه. هذا الخطاب دفع رئيسة وزراء الدنمارك، ميت فريدريكسن، للتحذير من أن أي اعتداء على جرينلاند سيعني النهاية الفعلية للحلف.
وتراقب القوى الكبرى مثل روسيا والصين هذا الشرخ الأطلسي باهتمام كبير، حيث سيفتح انهيار التماسك الغربي في جرينلاند الباب أمام إعادة تشكيل التحالفات الدولية، لذلك تحاول فرنسا لملمة شتات الحلف عبر بوابة المناورات المشتركة.
صراع الموارد
تعد جرينلاند مفتاح السيطرة على القطب الشمالي في عصر التغير المناخي، ومع ذوبان الجليد، أصبحت الجزيرة ممرًا لخطوط الملاحة الدولية الجديدة، الممر الشمالي الغربي، التي تختصر المسافات بين آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية بنسبة تصل إلى 40%.

بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي، تمتلك الجزيرة احتياطات هائلة من المعادن النادرة الضرورية للصناعات التكنولوجية والعسكرية، وهي الموارد التي تهيمن عليها الصين حاليًا، وتعتبر إدارة ترامب أن السيطرة على هذه المناجم تمثل أمنًا قوميًّا لكسر الاحتكار الصيني وتأمين سلاسل التوريد للصناعات الأمريكية المتقدمة.
أما البعد العسكري، فيتمثل في رغبة واشنطن في تحويل الجزيرة إلى قاعدة كبرى لنظم الدفاع الصاروخي (القبة الذهبية القطبية)، ومع تزايد التواجد العسكري الروسي في الشمال، يرى البنتاجون أن القواعد الحالية لم تعد كافية، وأن الضم الكامل سيتيح حرية مطلقة لنشر أسلحة استراتيجية دون الحاجة لموافقة كوبنهاجن أو نوك.

هذا التكالب الدولي على الموارد يجعل من جرينلاند مقياسًا للصراعات المستقبلية؛ فالمعركة هناك ليست على الأرض فحسب، بل على من سيمتلك مفاتيح الطاقة والتجارة في عالم ما بعد ذوبان الجليد. ومن هنا، يدرك الأوروبيون أن التنازل عنها يعني خسارة موقعهم في خارطة القوى العالمية الجديدة لصالح هيمنة أمريكية مطلقة أو توغل روسي-صيني بديل.
ختامًا:
تضع أزمة جرينلاند العالم أمام مفترق طرق خطير؛ فالمواجهة الحالية بين واشنطن وباريس ليست مجرد خلاف ديبلوماسي عابر، بل هي صدام بين رؤيتين للعالم: رؤية أمريكية ترى في القوة والسيطرة على الموارد أساسًا للأمن، ورؤية أوروبية تتمسك بسيادة الدول والمؤسسات الدولية كضمانة للاستقرار؛ لذلك ينذر تحول الجزيرة القطبية إلى ساحة مناورات متداخلة بصيف ساخن ديبلوماسيًا قد يغير ملامح النظام العالمي للأبد.

وفي نهاية المطاف، يبقى سكان الجزيرة والدنمارك أكثر المتضررين من تحول أرضهم إلى جائزة في لعبة بين الكبار، وإذا فشلت الجهود الفرنسية في كبح جماح التطلعات الأمريكية عبر بوابة الناتو، فإن المجتمع الدولي قد يستيقظ على واقع جديد تُمحى فيه حدود الدول القديمة لتُرسم بدلًا منها خرائط المصالح بقوة السلاح والجمرك، مما يجعل من عام 2026 عامًا مفصليًا في تاريخ العلاقات الدولية.

