رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التصدع الأطلسي: استراتيجية الكرملين لاستثمار التصدع الأمريكي–الأوروبي

بوتين وماكرون - أرشيفية
بوتين وماكرون - أرشيفية

وسط أجواء مشحونة في أروقة منتدى دافوس المنعقد في سويسرا، تراقب موسكو بصورة لافتة تصاعد الشقاق غير المسبوق بين ضفتي الأطلسي، محوِّلةً طموحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لضم جزيرة غرينلاند إلى سلاح دبلوماسي لتهشيم وحدة الناتو.

وفيما وصف المسؤولون الروس الأزمة بأنها الانهيار الفعلي للاتحاد عبر الأطلسي، أدلى نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري ميدفيديف بسلسلة من التصريحات الساخرة، معتبرًا أن شعار "أمريكا أولًا" بات يُترجم عمليًا إلى "إفقار أوروبا" وتقزيم سيادة حلفائها، وهو ما يمنح الكرملين فرصة ذهبية لإعادة طرح نفسه لاعبًا وحيدًا قادرًا على كسر الهيمنة الأمريكية في القطب الشمالي.

وعلى وقع التهديدات الأمريكية بفرض رسوم جمركية لإجبار الدنمارك على التنازل عن الجزيرة الغنية بالمعادن، لم يكتفِ الكرملين بالشماتة في تبعية أوروبا لواشنطن، بل ذهب ميدفيديف إلى حدّ التلويح بسيناريوهات ساخرة عن استفتاء لضم غرينلاند إلى روسيا إذا ما عجزت واشنطن عن حسم ملفها سريعًا، عبر تصريحات لمواقع إخبارية روسية.

هذا الاستثمار الروسي في أزمة الثقة الغربية بين بروكسل وواشنطن يهدف بالدرجة الأولى إلى مقايضة هذا الارتباك بفرص ميدانية في ملف أوكرانيا، مستغلًا حاجة ترامب لتحقيق انتصار جغرافي يخلّده في التاريخ، ولو كان الثمن هو تمزيق المظلة الأمنية الأوروبية التي صمدت لعقود.

 نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف
 نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف

التوظيف الروسي للتصدع الأطلسي

تستثمر الدبلوماسية الروسية في أزمة جرينلاند كفرصة تاريخية لضرب التماسك الأخلاقي والقانوني للغرب، حيث سارع وزير الخارجية سيرغي لافروف لوصف الجزيرة بأنها ليست جزءًا طبيعيًا من الدنمارك، بل هي إرث استعماري، في خطوة تهدف إلى شرعنة التدخلات الروسية السابقة عبر المقارنة مع الأطماع الأمريكية.

وتراقب موسكو حالة الارتباك داخل حلف الناتو، خاصة بعد نشر فرنسا وألمانيا قوات رمزية في الجزيرة لحمايتها من الضغوط الأمريكية، وهو ما تعتبره روسيا دليلًا قاطعًا على تحوّل الحلفاء إلى خصوم.

بالمقابل، وبينما يرفض الكرملين رسميًا فكرة الاستيلاء على الجزيرة، فإنه يدفع باتجاه تعميق الشقاق عبر السخرية من عجز أوروبا عن حماية سيادتها أمام أطماع واشنطن التجارية. هذا المشهد يمنح روسيا تفوقًا استراتيجيًا في القطب الشمالي، حيث تستغل انشغال واشنطن بابتزاز كوبنهاغن لتوسيع بنية طريق الحرير القطبي العسكرية.

إفقار أوروبا

تتحول السخرية التي أطلقها ديمتري ميدفيديف، رابطًا بين أن تكون أمريكا عظيمة وأوروبا فقيرة، إلى واقع جيوسياسي تستخدمه روسيا لتفتيت جبهة العقوبات؛ فمع تلويح ترامب بفرض رسوم جمركية انتقامية على الدول الأوروبية المعارضة لضم غرينلاند، تقدّم موسكو نفسها كملاذ بديل بعيدًا عن تقلبات البيت الأبيض.

وتراهن موسكو على أن الضغط الاقتصادي المزدوج – بين غلاء الطاقة والحروب التجارية الأمريكية – سيجبر العواصم الأوروبية الكبرى على فتح قنوات اتصال سرية مع الكرملين لضمان استقرار أسواقها.

هذا التوجه الروسي لا يهدف فقط إلى استعادة بريق الغاز والنفط، بل يسعى إلى ضرب وحدة القرار الأوروبي من الداخل عبر مخاطبة التيارات الشعبوية التي ترى في التبعية لأمريكا انتحارًا اقتصاديًا للقارة العجوز.

 الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
 الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

وترى روسيا أن "أوروبا الفقيرة" ستكون أكثر ليونة في التفاوض وأقل قدرة على تمويل جبهات صراع طويلة الأمد، مما يحوّل الأزمات المعيشية في باريس وبرلين إلى أوراق ضغط رابحة في يد المفاوض الروسي في دافوس وغيره.

مقايضة أوكرانيا 

تسعى موسكو إلى انتزاع تنازلات ميدانية مقابل غضّ الطرف عن التحركات الأمريكية تجاه غرينلاند، وتستغل روسيا رغبة ترامب الجامحة في إنهاء استنزاف الموارد في كييف لإغراء واشنطن بصفقة شاملة تضمن لروسيا نفوذها التاريخي في شرق أوروبا، مقابل ترك واشنطن تتعامل مع تمرد الحلفاء الأوروبيين بمفردها.

تعتمد هذه المقايضة الروسية على عزل القيادة الأوكرانية وتصويرها كضحية تالية للتخلي الأمريكي، تمامًا كما يتم التعامل مع السيادة الدنماركية حاليًا، ومن خلال تعزيز هذا الانطباع، تهدف موسكو إلى دفع كييف نحو استسلام واقعي تحت وطأة الضغوط الأمريكية، مستغلة حاجة ترامب لتحقيق انتصار جغرافي سريع في القطب الشمالي يعوضه عن تكاليف الانخراط العسكري المرهق في السهول الأوكرانية.

الحرب الأكروانية الروسية - أرشيفية 
الحرب الأكروانية الروسية - أرشيفية 

يعمل الخطاب الروسي الحاد، الذي يتزعمه ميدفيديف، على زرع سيكولوجية الهزيمة في الوجدان الأوروبي عبر تكرار وصف القادة الأوروبيين بالبلهاء والتابعين؛ وهي استراتيجية تهدف إلى زعزعة الثقة في المؤسسات الجماعية مثل الاتحاد الأوروبي.

هذه الحرب النفسية تمهد الطريق لنشوء نظام أمني "أورو-آسيوي" جديد تروج له روسيا، تكون فيه القارة العجوز شريكًا لموسكو وبكين بدلًا من كونها ملحقًا تجاريًا لترامب، ومع تزايد الشكوك حول بقاء الولايات المتحدة في الناتو، تظهر روسيا كقطب مستقر يعرض معادلة أمنية جديدة تقوم على احترام المصالح القومية لكل دولة، مما يغري الدول الأوروبية الصغيرة بالبحث عن حماية بديلة بعيدًا عن الابتزاز الأمريكي بالرسوم والضم.

ختامًا:

تتجه بوصلة الصراع في ربيع 2026 نحو سيناريو الانحلال الهيكلي لمنظومة الأطلسي؛ حيث تجد أوروبا نفسها مضطرة للاختيار بين تبعية مذلّة لعقيدة ترامب التوسعية التي لم تعد تقيم وزنًا للسيادة الوطنية حتى لحلفائها في غرينلاند، وبين مغامرة الاستقلال الدفاعي المكلفة التي قد تدفعها للارتماء في أحضان تسويات اضطرارية مع موسكو لضمان أمن طاقي واقتصادي مفقود.

ومع تلاشي الالتزام الأمريكي الصريح بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو، تستعد روسيا لحصد ثمار الانتظار الاستراتيجي، مراهنة على أن أوروبا المنهكة لن تجد مفرًّا من القبول بخرائط نفوذ جديدة تنهي حرب أوكرانيا بشروط الكرملين، وتفتح الباب لنظام أمني "أورو-آسيوي" تكون فيه واشنطن مجرد قوة إقليمية بعيدة، بينما تتحول العواصم الأوروبية من مراكز قرار عالمية إلى أطراف تسعى فقط إلى تجنّب الفقر الجيوسياسي الذي تنبأ به ميدفيديف.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء