رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

خروج هادئ من الناتو: واشنطن تفكك ارتباطها الاستشاري بأوروبا

دول حلف شمال الأطلسي
دول حلف شمال الأطلسي - أرشيفية

بدأ البنتاجون تنفيذ خطة لتقليص انخراطه في الهياكل الاستشارية والفنية لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، مستهدفًا سحب نحو 200 كادر عسكري من مراكز التميز المتخصصة، ولا تقتصر هذه الخطوة على كونها إعادة توزيع للموارد البشرية، بل تمثل رسالة سياسية حازمة للحلفاء الأوروبيين بضرورة تحمل مسؤولية العقل العسكري الذي يدير عملياتهم، بعيدًا عن الرعاية الأمريكية التاريخية التي باتت واشنطن تراها عبئًا استراتيجيًا لا يتماشى مع أولوياتها الجديدة.

واختارت واشنطن نهج الانسحاب التدريجي عبر آلية عدم استبدال الكوادر المنتهية فترات انتدابهم، ما يضمن خروجًا هادئًا يمتد لسنوات، لكنه يترك أثرًا عميقًا في بنية الحلف الدفاعية. هذا التحول يعكس رغبة البنتاجون في التحرر من المهام الاستشارية في أوروبا لتركيز جهوده على جبهات التنافس الكبرى في المحيطين الهندي والهادئ، واضعًا التماسك الفني للناتو أمام اختبار غير مسبوق في ظل تزايد التهديدات الروسية.

الجيش الأمريكي - أرشيفية 
الجيش الأمريكي - أرشيفية 

وبينما تبدو الأرقام للوهلة الأولى محدودة التأثير، إلا أن قراءة ما بين سطور هذا القرار تكشف عن دلالات أعمق ترتبط بمستقبل العقيدة العسكرية المشتركة بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

الانسحاب الناعم

يهدف القرار الأمريكي إلى تجنب حدوث فراغ مفاجئ قد ينهار معه العمل الإداري في مراكز التميز، لكنه في الوقت ذاته يضعف الكتلة الحرجة من الخبرات الأمريكية التي كانت تشكل العمود الفقري لهذه الهيئات، إذ يستغرق انسحاب الكوادر سنوات؛ ما يعني أن النفوذ الأمريكي سيتوارى تدريجيًا مع رحيل كل ضابط أو مستشار تقني دون بديل.

كما تعكس تلك الخطوة رغبة واشنطن في تقليل البصمة البيروقراطية العسكرية في أوروبا، حيث تعتبر الإدارة الحالية أن الانغماس في اللجان الاستشارية يستهلك موارد بشرية ثمينة يمكن استغلالها في مهام أكثر حيوية، ومن خلال هذا النهج يتحول الالتزام الأمريكي من الدائم إلى المؤقت.

ومن شأن هذا التآكل أن يؤدي إلى تغيير شكل القيادة داخل الناتو؛ فالمراكز التي كانت تُدار بقيادات أمريكية ستضطر للبحث عن كوادر جديدة. هذا التحول الإجرائي هو في حقيقته تمهيد لفك ارتباط استراتيجي أوسع، يمنح واشنطن مرونة أكبر في التحلل من التزاماتها التاريخية تجاه القارة العجوز.

الجيش الأمريكي - أرشيفية 
الجيش الأمريكي - أرشيفية 

غياب الخبرة الأمريكية 

تمثل مراكز التميز الـ30 التي يستهدفها التقليص العصب الفني للحلف، حيث يتم صياغة مفاهيم الحرب الحديثة وتوحيد العقيدة العسكرية بين الدول الأعضاء؛ لذلك يُعد غياب الخبراء الأمريكيين عن هذه المراكز مقدمة لفقدان الحلف للمرجعية الفنية الأكثر تطورًا في مجالات حاسمة كالقتال البحري، والعمليات الاستخباراتية، والحرب الإلكترونية.

ومن المحتمل أن تكون النتيجة المباشرة لهذا التراجع هي ضعف التوافق العملياتي؛ فبدون الإشراف الأمريكي قد تبدأ الجيوش الأوروبية في تطوير تكتيكات ومناهج تدريبية متباينة. هذا التباعد الفني قد يجعل من التنسيق الميداني في لحظات الأزمات الكبرى أمرًا بالغ التعقيد ويحمل مخاطر عالية.

كما أن هذه المراكز تُعد مختبرات لتطوير الردود على التهديدات الهجينة، والانسحاب الأمريكي الجزئي منها يضعف قدرة الحلف على استباق التطورات التكنولوجية في ساحة المعركة؛ فواشنطن لا تقدم مجرد أفراد، بل تقدم قاعدة بيانات ضخمة من التجارب الميدانية التي اكتسبتها في نزاعات عالمية مختلفة.

الجيش الأمريكي - أرشيفية 
الجيش الأمريكي - أرشيفية 

وبدلًا من أن يكون الناتو كتلة عسكرية متجانسة تقنيًا، قد يتحول إلى تجمع لجيوش تمتلك لغات عسكرية مختلفة. هذا الضعف في اللغة المشتركة للحرب هو الثمن الفني الذي سيتعين على أوروبا دفعه نتيجة لقرار البنتاجون، مما يجعل قدرة الحلف على الردع الجماعي محل تساؤل تقني قبل أن يكون سياسيًا.

الناتو "الوظيفي" 

وفق عقيدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن التحالفات الدولية مجرد شراكات وظيفية تخضع لمنطق الربح والخسارة وكفاءة الإنفاق. واشنطن لم تعد مستعدة لتقديم خدمات استشارية مجانية للدول التي لا تلتزم برفع إنفاقها الدفاعي إلى مستويات مرضية للبيت الأبيض، مما يحول الناتو إلى منظمة نفعية بامتياز.

تتلخص الرسالة الأمريكية من وراء تقليص المستشارين في إجبار الحلفاء على التوقف عن الاعتماد الكلي على المظلة الفكرية الأمريكية؛ فإدارة ترامب تسعى لتحويل الناتو من تحالف تقوده أمريكا بالكامل إلى تحالف يديره الأوروبيون بأنفسهم مع دور أمريكي داعم فقط، وهو ما تصفه بإعادة توازن الأعباء.

الجيش الأوروبي الموحد - أرشيفية 
الجيش الأوروبي الموحد - أرشيفية 

هذا التوجه ينهي حقبة الدعم العسكري الاستشاري اللامشروط، ويضع الدول الأوروبية أمام خيارين، إما زيادة استثماراتها البشرية والمالية في هذه الهيئات، أو القبول بتراجع كفاءة الحلف، إذ تستخدم واشنطن غياب الخبراء كأداة ضغط ناعمة لتحصيل مكاسب سياسية ومالية من شركائها الأطلسيين.

وبموجب هذه الرؤية، يصبح الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا مرتبطًا بمدى الفائدة المباشرة للأمن القومي الأمريكي، وليس لضمان أمن الحلفاء فقط. إنها عملية إعادة صياغة للعقد الأمني العابر للأطلسي، بحيث تكون أمريكا شريكًا لا حارسًا، وهو تحول جذري في فلسفة العمل داخل الحلف منذ تأسيسه.

التداعيات الجيوسياسية 

على الصعيد الجيوسياسي، يخلق الانسحاب الأمريكي من الهيئات الاستشارية فراغًا في القيادة قد تحاول قوى أوروبية مثل فرنسا وألمانيا ملأه، لكن بإمكانيات أقل شمولية؛ لذلك يُتوقع أن يخلق هذا التنافس المحتمل على قيادة مراكز التميز انقسامات داخلية بين الدول الأعضاء حول الهوية العسكرية الجديدة للحلف.

الجيش الأوروبي الموحد - أرشيفية 
الجيش الأوروبي الموحد - أرشيفية 

بالنسبة لروسيا، يمثل هذا التقليص إشارة ضعف في التماسك الأطلسي، وقد يشجع موسكو على اختبار حدود الحلف في مناطق النزاع الرمادية، فالتراجع الأمريكي، ولو كان في الجانب الاستشاري فقط، يُقرأ في الكرملين كدليل على تراجع الرغبة الأمريكية في الانخراط العميق في تفاصيل الأمن الأوروبي.

أما دول الجناح الشرقي للحلف، مثل بولندا ودول البلطيق، فستشعر بقلق متزايد من أن يكون هذا التقليص مقدمة لسحب القوات القتالية لاحقًا. وفي المحصلة، قد يؤدي هذا الفراغ إلى تسريع وتيرة الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، لكنه استقلال وُلد من رحم الاضطرار لا الاختيار.

النتيجة الجيوسياسية ستكون حلفًا أكثر أوروبية، لكنه أقل قدرة على التهديد بـ"المطرقة الأمريكية"، مما يغير موازين القوى في القارة بشكل دائم.

الجيش الأوروبي الموحد - أرشيفية 
الجيش الأوروبي الموحد - أرشيفية 

ختامًا:

يُشكل قرار البنتاجون بتقليص حضوره في مراكز تميز الناتو نقطة تحول مفصلية تتجاوز الإجراءات الإدارية لتطال جوهر التحالف الأطلسي؛ فهو يضع الحلفاء الأوروبيين أمام مواجهة حتمية مع واقع الاعتماد على الذات، ويؤكد أن واشنطن ماضية في إعادة تعريف التزاماتها الدولية وفق بوصلة المصالح القومية الضيقة وتحديات الشرق الأقصى، مما يترك الناتو في حالة من إعادة الهيكلة القسرية التي قد تغير هويته الدفاعية إلى الأبد.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء