رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حروب الظل: الحوار السيبراني البريطاني الصيني وموازنات الأمن القومي

العلاقات الصينية
العلاقات الصينية البريطانية

في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها في مسار العلاقات الأمنية بين الشرق والغرب، كشف تقرير لشبكة بلومبرج عن تأسيس منتدى الحوار السيبراني بين مسؤولين أمنيين من بريطانيا والصين، بهدف إدارة التهديدات المباشرة للأمن القومي لكلا البلدين. وتأتي هذه الآلية الجديدة كقناة اتصال استباقية تسعى لتجاوز حالة الجمود الدبلوماسي التي فرضتها موجات متتالية من الاتهامات المتبادلة بالقرصنة والتجسس الرقمي، والتي ألقت بظلالها على استقرار العلاقات الثنائية في السنوات الأخيرة.

ويمثل هذا المنتدى تحولًا من الصدامات العلنية إلى النقاشات التقنية الخاصة، حيث يركز على صياغة تفاهمات حول إجراءات الردع ومنع التصعيد العسكري أو الدبلوماسي الناتج عن الهجمات السيبرانية. ومن المتوقع أن يشكل نجاح لندن وبكين في مأسسة هذا الحوار نموذجًا دوليًا جديدًا للتعاطي مع "حروب الظل" الرقمية، مما يمنح الطرفين مساحة للمناورة الدبلوماسية بعيدًا عن ضغوط البيانات الإعلامية التصعيدية، ويفتح الباب أمام تحسين القنوات الاقتصادية والسياسية الأخرى.

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر 
وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر 

الخلفية التاريخية 

محاولة توصيف أهمية الحوار السيبراني لا يمكن أن تتم بمعزل عن مسار التدهور الحاد في العلاقات البريطانية الصينية خلال العقد الأخير؛ فبعد مرحلة "العصر الذهبي" التي بشّرت بها لندن عام 2015، تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة معركة رئيسية للمصالح المتضاربة. وقد بلغت التوترات ذروتها مع اتهامات بريطانية مباشرة لبكين بشن هجمات منظمة استهدفت مفوضية الانتخابات وبيانات ملايين الناخبين، فضلًا عن استهداف البرلمانيين والمنظمات غير الحكومية، وهي التحركات التي وصفتها لندن بأنها "تهديد منهجي" لقيمها الديمقراطية وبنيتها التحتية الحيوية.

في الجانب الآخر، رفضت بكين هذه الاتهامات باستمرار، معتبرة إياها مناورات سياسية مدفوعة بضغوط من حلفاء بريطانيا في تحالف "العيون الخمس" الاستخباري. هذا التراكم من العقوبات المتبادلة، وحظر شركة "هواوي" من شبكات الجيل الخامس (5G) البريطانية، والتحذيرات الأمنية المتكررة من جهاز الاستخبارات الداخلي، خلق فجوة من عدم الثقة العميقة؛ مما جعل من وجود قناة اتصال فنية وسرية أمرًا حتميًا لمنع انزلاق هذه الحرب الباردة الرقمية إلى مواجهة دبلوماسية شاملة يصعب السيطرة عليها.

التداعيات الدولية 

تراقب واشنطن وعواصم تحالف "العيون الخمس" هذه الخطوة البريطانية بحذر شديد، نظرًا لخصوصية التعاون الاستخباراتي الذي يربط لندن بحلفائها الغربيين. وتطرح هذه المبادرة تساؤلات حول ما إذا كانت بريطانيا تسعى لشق مسار مستقل في التعامل مع التكنولوجيا الصينية، يختلف عن نهج الانفصال التام الذي تنادي به بعض الدوائر في الولايات المتحدة.

وربما تحاول لندن، من خلال هذا الحوار، ممارسة الواقعية السياسية، نظرًا لإدراكها أن عزل الصين سيبرانيًا هو أمر غير ممكن تقنيًا. وبناءً عليه، تسعى بريطانيا لاستخدام هذه القناة لفرض قواعد اشتباك واضحة، مع طمأنة حلفائها بأن هذا الحوار لا يعني تقديم تنازلات أمنية، بل هو أداة إضافية للرقابة والردع المباشر.

وزير الخارجية الصيني تشين قانغ
وزير الخارجية الصيني تشين قانغ

وعلى الصعيد العالمي، قد يمهد هذا المنتدى الطريق لدول أخرى لمأسسة حوارات مشابهة مع بكين، مما يقلل من حدة الاستقطاب الرقمي العالمي. ومع ذلك، يظل التحدي قائمًا في مدى قدرة لندن على حماية أسرار حلفائها التقنية أثناء انخراطها في نقاشات أمنية رفيعة المستوى مع الجانب الصيني، وهو ما يتطلب توازنًا دقيقًا للغاية.

تحديات الصمود 

يواجه الحوار السيبراني الجديد تحديات هيكلية تبدأ من تعريف ماهية الهجوم السيبراني المقبول دوليًا، حيث لا تزال هناك فجوة واسعة في الرؤى بين البلدين حول ما يُعد تجسسًا مشروعًا وما يُعتبر عدوانًا. هذا التباين قد يحول جلسات الحوار إلى منصات لتبادل الملامات بدلًا من صياغة الحلول التقنية.

كما تبرز معضلة الجهات الفاعلة من غير الدول؛ فغالبًا ما تُنسب الهجمات إلى مجموعات قرصنة مستقلة تدّعي الحكومات عدم السيطرة عليها. وسيكون الاختبار الحقيقي للمنتدى هو مدى قدرة بكين ولندن على ممارسة ضغوط فعلية داخل حدودهما للحد من نشاط هذه المجموعات، وإثبات أن الحوار يؤدي إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

لكن يبقى استمرار هذا المسار رهينًا بالاستقرار السياسي العام بين البلدين؛ فأي توتر مفاجئ في ملفات جيوسياسية أخرى قد يؤدي إلى تعليق هذه القناة الأمنية. ومع ذلك، فإن مجرد وجود هذا المنتدى يُعد اعترافًا متبادلًا بأن الفضاء الرقمي بات يتطلب دبلوماسية خاصة موازية للدبلوماسية التقليدية لحماية المصالح الوطنية.

رهان الاستقرار

على المدى الاستراتيجي، تعكس هذه الخطوة البريطانية اعترافًا ضمنيًا بأن سياسات “العزل الرقمي” لم تعد كافية لمواجهة التهديدات السيبرانية المعقدة، وأن الانخراط المباشر قد يكون الوسيلة الأكثر فاعلية لترسيم خطوط حمراء واضحة.

وبموجب هذا التوجه، تسعى لندن إلى تأسيس نموذج جديد لإدارة الصراع يوازن بين اليقظة الأمنية المشددة والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة تمنع الانهيار الشامل للعلاقات الثنائية.

ختامًا:

 يضع هذا المنتدى العلاقات البريطانية الصينية أمام مرحلة اختبار حاسمة؛ فإما أن ينجح في وضع "قواعد اشتباك" رقمية تحد من مخاطر التصعيد غير المحسوب، أو أن يظل مجرد آلية لإدارة الأزمات تفتقر إلى القدرة على التغيير الجذري في سلوك الأطراف.

وبغض النظر عن النتائج، فإن مجرد انطلاق هذا الحوار يؤكد أن الدبلوماسية السيبرانية باتت ركيزة لا غنى عنها في هندسة الأمن القومي للدول الكبرى في القرن الحادي والعشرين.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء