مناورات بحرية أم رسالة سياسية؟ جدل الدور الإقليمي لجنوب إفريقيا
خلال الفترة الممتدة من 9 يناير وحتى 16 يناير الماضي، أجرت جنوب إفريقيا تمرينًا بحريًا أطلقت عليه مناورات "إرادة السلام"، وذلك بمشاركة العديد من الدول البحرية الصديقة لكيب تاون، مثل دول مجموعة البريكس، بالإضافة إلى دول أخرى كإيران والإمارات العربية المتحدة، فيما شاركت كل من مصر وإثيوبيا بصفة مراقبين في المناورات.
في الفترة الأخيرة، تحاول جنوب إفريقيا تعزيز قدراتها البحرية، سواء القتالية أو غير القتالية، مثل الدعم اللوجستي والإنقاذ السريع، خاصة في ظل تزايد اهتمامها بالمحيط المتجمد الجنوبي والقارة القطبية الجنوبية؛ فجنوب أفريقيا هي الدولة الإفريقية الوحيدة الموقعة على اتفاقية القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا)، لذا تجري العديد من المناورات البحرية المشتركة، والتي كان آخرها مناورات إرادة السلام.

كشفت مناورات "إرادة السلام" عن حالة الانفصال بين توجهات السياسة الخارجية لجنوب أفريقيا وبين توجهاتها لتعزيز قدراتها البحرية؛ فالمناورات الأخيرة كشفت عن أزمات سياسية كبيرة بين دول البريكس، خاصة بين الهند وجنوب أفريقيا، لذا جاءت المناورات كمعزز للاختلاف في وجهات النظر، وليس محاولة للتقريب بين الدول الأعضاء في البريك.
غضب هندي
شهدت المناورات انسحاب الهند منها، والتي تُعد أهم شركاء جنوب إفريقيا، حيث اعتبرت الهند أن تلك المناورات لا تمثل تحالف البريكس، وأن المناورات مجرد مبادرة جنوب إفريقية بعيدة كل البعد عن تحالف البريكس. ويمكن تفهّم موقف الهند في عهد رئيس الوزراء الحالي ناريندرا مودي، باتجاه الهند حاليًا نحو السياسات الغربية، وتحديدًا الأمريكية والإسرائيلية؛ فالهند مؤخرًا أطلقت مشروعها «ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا»، والذي يُعد منافسًا محتملًا لمشروع الحزام والطريق الصيني.
كما أن نيودلهي خشيت من الغضب الإسرائيلي في حال مشاركتها في المناورات، خاصة أن إيران كانت تشارك بثلاث قطع بحرية في تلك المناورات، إحدى تلك القطع تتبع قوات الحرس الثوري الإيراني، وبالتالي آثرت الهند الابتعاد عن تلك المناورات التي اعتبرتها مشبوهة سياسيًا.

قانون النمو والفرص
تُعد جنوب أفريقيا أكبر قلعة صناعية في إفريقيا، وعلى مدار السنوات والعقود الماضية احتلت جنوب إفريقيا مكانة متقدمة على سلم قانون النمو والفرص الأمريكي، إذ نجحت الصناعات الجنوب أفريقية في اختراق الأسواق الأمريكية دون رسوم جمركية، الأمر الذي ساهم في تعزيز اقتصاد البلاد ودفعه للتقدم.
لكن مؤخرًا تصاعدت الخلافات الأمريكية–الجنوب إفريقية على خلفية مواقف جنوب أفريقيا من إسرائيل والحرب على غزة، وتقديم جوهانسبرغ دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتهم فيها إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية، وهو ما أدى إلى تزايد الغضب الأمريكي على سياسات جنوب أفريقيا.

ومؤخرًا تعالت الانتقادات الأمريكية لجوهانسبرغ على خلفية المناورات البحرية الأخيرة، والتي تشترك فيها كل من الصين وروسيا وإيران، وهو ما اعتبرته واشنطن تعزيزًا للمحور المضاد لها. كما تعالت أصوات جنوب إفريقية، نقلها معهد الدراسات الأمنية بكيب تاون، أفادت بخطأ جنوب أفريقيا في إجراء مثل تلك المناورات في هذا التوقيت، خاصة في ظل المراجعات الأمريكية لقانون النمو والفرص الأفريقية، واحتمالية أن تشمل البلاد عقوبة أمريكية غير مباشرة بإخراجها من قائمة الدول المستفيدة من قانون النمو والفرص، على خلفية مواقفها الأخيرة المعارضة للولايات المتحدة.
تعزيز المكانة الصينية
بات الهدف النهائي من إجراء تلك المناورات غامضًا، خاصة بعد تصريحات رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، التي أشار فيها إلى أن مناورات إرادة السلام تعكس مبادرة تقودها الصين، وهو ما يعني أن تلك المناورات تندرج في إطار خدمة المشاريع الصينية في الهيمنة على الجنوب العالمي، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى توجيه انتقاداتها المستمرة إلى جنوب إفريقيا ومناوراتها البحرية.

المشاركة الإيرانية
جاءت المشاركة الإيرانية في المناورات الأخيرة لتصب الزيت على النار في بريتوريا، وتفضح عن وجود أزمة تواصل بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية في البلاد؛ فالمشاركة العسكرية الإيرانية جاءت في وقت كانت المظاهرات الصاخبة تجوب الشوارع الإيرانية، في ظل وجود اتهامات للسلطة في إيران بانتهاك حقوق الإنسان، وهو الأمر الذي مثّل إحراجًا كبيرًا لجنوب إفريقيا التي دعت القوات البحرية الإيرانية للمشاركة في المناورات، في ظل قيام الجيش الإيراني والحرس الثوري بقمع المعارضة في الشوارع الإيرانية.
ولتفادي أثر الإحراج الإيراني، أصدر الرئيس الجنوب أفريقي تعليماته إلى وزارة الدفاع في البلاد بضرورة انسحاب القطع البحرية الإيرانية من المناورات، إلا أن المراقبين كشفوا عن قيام فرقاطة إيرانية بالإبحار يوميًا من ميناء سيمونز تاون إلى مناطق التدريب، وذلك خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 15 يناير، وهو ما يعني مشاركة إيران في المناورات، وتجاهل القوات البحرية لجنوب إفريقيا لقرارات الرئيس بضرورة انسحاب إيران من المناورات. ونتيجة لذلك، أصدرت وزارة الدفاع بيانًا رسميًا في 16 يناير الماضي، أعلنت فيه عن تشكيل لجنة تحقيق للكشف عن أسباب عدم تنفيذ توجيهات رئيس البلاد.

ختامًا:
كان من الممكن أمام بريتوريا فرصة للحد من الانتقادات الدولية التي وُجهت إليها عقب المناورات الأخيرة، فيما لو مارست دبلوماسية بحرية أكثر حيادية تعزز قدراتها الدفاعية وتقلل من الانتقادات السياسية التي وُجهت إلى البلاد، وذلك من خلال إبعاد المشاركة الإيرانية في المناورات من ناحية، وجذب دول أخرى للمشاركة في المناورات مثل ألمانيا وفرنسا، وتقليل الدور الصيني في تلك المناورات للحد المسموح به.



