رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

سد النهضة الإثيوبي.. بين أكذوبة التمويل الذاتي وحقيقة المساعدات الأمريكية

سد النهضة الأثيوبي
سد النهضة الأثيوبي - أرشيفية

يعد سد النهضة الإثيوبي مشروعًا ضخمًا لتوليد الطاقة الكهرومائية، تم تشييده على فرع النيل الأزرق في منطقة بني شنقول التي تقع شمال إثيوبيا وعلى الحدود مع السودان. بدأ العمل في بناء السد في عام 2011 بقدرة إنتاجية تتجاوز 500 ميجا واط، وتم الانتهاء من بناء السد في عام 2025، ويعتبر السد حاليًا رمزًا للهوية الوطنية الإثيوبية، حيث دأبت الآلة الإعلامية والدعائية الإثيوبية على تصوير عملية بناء السد على أنها معركة وطنية نجحت أديس أبابا في تحقيق الانتصار بها.

بلغت تكلفة بناء السد حوالي 5 مليارات دولار تقريبًا، وتدّعي الحكومة الإثيوبية أنه تمت عملية التمويل ذاتيًا عبر إصدار سندات حكومية وحملات تبرع شارك فيها العديد من المواطنين الإثيوبيين وأفراد الجاليات الإثيوبية المنتشرين في جميع دول العالم. فبحلول عام 2017 أعلنت إثيوبيا أنها جمعت مليارات من البير (العملة الوطنية الإثيوبية) من خلال حملة بيع السندات المحلية والتبرعات الإثيوبية.

تواصل أديس أبابا ادعاء أن التمويل الخارجي لبناء السد كان شحيحًا للغاية، وذلك لنجاح الجهود الدبلوماسية لوزارة الخارجية المصرية في الضغط على المؤسسات التمويلية الدولية والدول المانحة من أجل إيقاف تمويل بناء السد مثل البنك الدولي وبنوك التنمية متعددة الأطراف، وأيضًا المنح المقدمة من الدول الكبرى كالولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.

تواصل السردية الإثيوبية في الادعاء بأن المعارضة المصرية لبناء السد واعتباره تهديدًا محتملاً للأمن المائي المصري هو ما دفع تلك المؤسسات والدول المانحة إلى تجنب تمويل السد خشية الدخول والتورط في نزاع على مياه النيل بين مصر وإثيوبيا والسودان.

الرئيس ترامب 
الرئيس ترامب 

من المؤكد أن الحكومة الإثيوبية حصلت على قروض صينية منذ عام 2013 قيمتها حوالي 3 مليارات دولار، وأغلب تلك القروض تم استخدامها في توفير خطوط نقل الكهرباء والمعدات الكهربائية، لكنها لم تدخل مباشرة في عملية بناء السد. وتعاقدت الحكومة الإثيوبية مع شركة ساليني إمبريجيلو الإيطالية من أجل عملية البناء، وأيضًا تم التعاقد مع الشركات الصينية من أجل تنفيذ الأعمال الكهرومائية في السد.

السردية الإثيوبية حول تمويل عملية بناء السد بالجهود الذاتية ومساهمات المواطنين في إثيوبيا يجانبها الصواب شكليًا، فتمويل السد تم عبر السندات المحلية التي تم إصدارها خلال الفترة من عام 2011 وحتى عام 2017، لكنها أيضًا أغفلت عن عمد عملية تغيير المسارات التي كانت تمارسها الحكومة الإثيوبية للتبرعات والمنح الدولية، خاصة التبرعات والمنح التي كانت تقدمها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. فأديس أبابا نجحت شكليًا في تمويل السد بالجهود الذاتية، لكن في الحقيقة نجحت في توفير تلك التمويلات اللازمة عبر عملية تغيير مسار المنح الدولية المتعددة التي كانت تقدمها الحكومات الغربية، وفي مقدمتها الحكومة الأمريكية، والتي كان أغلبها موجهًا إلى قطاعات مثل الصحة ومكافحة الإيدز والزراعة. لذا في هذه الدراسة سنحاول فض الاشتباك بين فرضيتين: أولاهما إثيوبية تدعي تمويل السد بالجهود الذاتية، وأخرى أمريكية صاغها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول مشاركة بلاده في تمويل بناء السد.

أبي احمد 
أبي احمد 

مساهمات أمريكية قديمة

لأكثر من أربع مرات تقريبًا يكرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إدعاء أن بلاده ساهمت في تمويل السد واختلاق الأزمة بين مصر وإثيوبيا. فالمرة الأولى كانت خلال تجمع انتخابي له في عام 2024، وباقي المرات كانت في شهري يونيو ويوليو 2025، وأخيرًا ما تم تداوله خلال الأيام الأخيرة.

ما فات التصريحات الأمريكية هو أن مشروع سد النهضة كان مشروعًا أمريكيًا بامتياز، ففي أتون الحرب الباردة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي حاولت الحكومة الأمريكية ممارسة ضغوط مائية على مصر ردًا على نجاح القاهرة في بناء السد العالي جنوبي أسوان من خلال تمويل عمليات المسوح الهيدرولوجية لفرع النيل الأزرق في إثيوبيا، وتحديدًا خلال الفترة من عام 1956 وحتى عام 1964.

توقفت العمليات الأمريكية الرامية إلى بناء سد ضخم على فرع النيل الأزرق في عام 1974، حيث تمت الإطاحة بالإمبراطور الإثيوبي المقرب من الغرب هيلاسلاسي وتولي نظام الدرك بقيادة هيلا مريام منجستو الحكم وتبنيه النهج الشيوعي السوفيتي المعادي للغرب، وبالتالي توقف الدعم والمشاريع الغربية في إثيوبيا خلال الفترة من عام 1974 وحتى مطلع التسعينيات حين تم الإطاحة بنظام الدرك العسكري.

أكذوبة التمويل الذاتي 

وفقًا للصحيفة الإثيوبية "أديس ستاندرد"، بلغت الميزانية الفيدرالية الإثيوبية للعام المالي 2025/2026 حوالي 1.93 تريليون بر إثيوبي، أي بما يعادل 14 مليار دولار تقريبًا، وذلك بعد أن كانت 1.25 تريليون بر إثيوبي في العام المالي 2024/2025، أي بما يقدر بحوالي 22 مليار دولار. ويعود الفرق بين حجم الميزانيتين إلى انهيار سعر صرف العملة الإثيوبية من 57 بر إثيوبي لكل دولار في عام 2024 إلى 135 بر للدولار في عام 2025.

سد النهضة الأثيوبي - أرشيفية
سد النهضة الأثيوبي - أرشيفية

فيما بلغت الموازنة العامة الفيدرالية الإثيوبية في العام المالي 2017/2018، وهو العام الذي ادعت فيه الحكومة الإثيوبية نجاحها في تحقيق التمويل الذاتي لبناء السد، حوالي 320 مليار بر إثيوبي، أي بما يعادل وقتها تقريبًا 13.9 مليار دولار أمريكي. كما أن الموازنة العامة الإثيوبية في العام المالي 2011، وهو العام الذي بدأت فيه الحكومة الإثيوبية مشروع بناء السد، كانت حوالي 117 مليار بر إثيوبي، أي بما يعادل 7 مليارات دولار تقريبًا.

من خلال القراءة السريعة لأحجام الموازنات العامة الإثيوبية منذ بدء المشروع في عام 2011 وحتى الانتهاء منه في عام 2025، يتضح لنا استحالة قيام الحكومة الإثيوبية بتوفير مبلغ 5 مليارات دولار لتمويل السد. ففي السنوات الأولى كان حجم تمويل السد يوازي تقريبًا حجم الموازنة العامة، وفي العام الأخير من عملية بناء المشروع يمثل حجم تمويل السد (5 مليارات دولار) حوالي ثلث الموازنة العامة المقدرة بـ 14 مليار دولار.

كما أنه لم يتم الإشارة إلى حجم الموازنة الإثيوبية خلال الفترة الممتدة من عامي 2020 وحتى عام 2022، وهي الفترة التي شهدت جائحة كورونا، والتي أثرت الموازنات العامة للدول بالسلب، وعلى إثيوبيا على وجه الخصوص، خاصة أن إثيوبيا شهدت خلال تلك الفترة حربًا أهلية في المناطق الشمالية بين الجيش الفيدرالي وقوات حركة تحرير التيجراي.

سد النهضة الأثيوبي - أرشيفية
سد النهضة الأثيوبي - أرشيفية

لذا يستحيل أن تخصص دولة موازنتها العامة التي لا تتخطى 15 مليار دولار سنويًا مبلغ 5 مليارات دولار خلال أقل من عشر سنوات من أجل تمويل أحد المشروعات، وبالتالي كانت هناك مصادر تمويل أخرى استخدمتها أديس أبابا في عملية تمويل السد.

المساعدات الخارجية

منذ قدم التاريخ تروج إثيوبيا نفسها على أنها امتداد للدول الغربية في أفريقيا، وحظيت إمبراطورية الحبشة بدعم أوروبي فعال منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم. فإثيوبيا تعد من الدول الأفريقية النادرة التي تعرضت لظروف الاستعمار، وذلك بفضل الحماية الأوروبية للنظام الإثيوبي، إذ لم يتم احتلالها سوى سنوات معدودة ما بين عامي 1935 وحتى 1941 من قبل حكومة إيطاليا الفاشية بقيادة موسوليني.

ومنذ استقلالها تحظى إثيوبيا بدعم أوروبي وأمريكي على وجه الخصوص. فمثلًا في عام 1952 دعمت أمريكا والدول الغربية عملية استيلاء إثيوبيا على إقليم إريتريا حتى تتمكن أديس أبابا من إيجاد منفذ بحري لها. وفي حرب الأوجادين بين إثيوبيا في عهد منجستو وبين الصومال في عهد محمد سياد بري، دعمت واشنطن النظام الشيوعي في أديس أبابا على حساب الصومال.

وعقب انهيار الاتحاد السوفيتي ونظام الدرك الإثيوبي في بداية التسعينيات، وُضعت إثيوبيا على مقدمة خريطة المساعدات والمنح الغربية حتى بلغت إثيوبيا المرتبة الأولى على مستوى أفريقيا جنوب الصحراء والخامسة على مستوى العالم في تلقي المنح والمساعدات الأمريكية بمقدار 1.5 مليار دولار سنويًا، وربما هذا الأمر ما يقصده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحاته حول مشاركة بلاده في بناء السد.

سد النهضة الأثيوبي - أرشيفية
سد النهضة الأثيوبي - أرشيفية

المنح الأمريكية وسد النهضة

ساهمت الولايات المتحدة في دعم البنية التحتية الإثيوبية، خاصة في مجال بناء سد النهضة، بطريقة غير مباشرة، وذلك من خلال قيام وكالة التجارة والتنمية الأمريكية (USTDA) بدعم البنية التحتية للطاقة في إثيوبيا من خلال تقديم المشورة وإعداد دراسات الجدوى بشأن مشاريع الطاقة في البلاد. كما ساهمت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) بدعم مبادرة "باور إفريقيا" من خلال تقديم خبرات فنية للجانب الإثيوبي في مجالات الطاقة، الأمر الذي أسهم بشكل فعال في بناء كوادر فنية إثيوبية في مجال الطاقة تم استخدامهم بعد ذلك في بناء القدرات الكهرومائية في السد.

وفق إحصائيات وزارة الخارجية الأمريكية، قدمت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية مساعدات إلى النظام الإثيوبي خلال الفترة من عام 2020 وحتى 2023 حوالي 3.6 مليار دولار تقريبًا، وفي عام 2022 بلغ حجم المساعدات الأمريكية حوالي 1.93 مليار دولار تقريبًا. وتعد المساعدات الأمريكية للنظام الإثيوبي أمرًا حيويًا لا يمكن الاستغناء عنه؛ فمن خلال قراءة أرقام الموازنات وحجم المساعدات الأمريكية نجد أن المساعدات تشكل 10% تقريبًا من حجم الموازنة، أي أنها تفوق في بعض الأحيان الموارد المحلية.

سد النهضة الأثيوبي - أرشيفية
سد النهضة الأثيوبي - أرشيفية

بالإضافة إلى المساعدات المباشرة، كانت هناك أيضًا مساعدات غير مباشرة مثل تمتع أديس أبابا بقانون النمو والفرص، الذي يتيح للمنتجات الإثيوبية الدخول إلى الأسواق الأمريكية دون أية رسوم جمركية، وهو ما وفر مدخلات مالية كبيرة للنظام الإثيوبي خلال الفترة الماضية. وجدير بالذكر أنه تم رفع اسم إثيوبيا من قائمة قانون النمو والفرص في عام 2022.

تغيير مسار المنح الدولية

برعت إثيوبيا في تغيير مسار المنح والمساعدات الدولية؛ فعادة ما تكون المنح موجهة إلى قطاعات معينة مثل إيواء اللاجئين والصحة، إلا أن النظام الإثيوبي عبر الشركاء المحليين للمساعدات الأجنبية ينجح في تحويل مسار تلك المساعدات إلى أماكن أخرى تخدم سياسات النظام.

فوفق تقرير بثته هيئة الإذاعة البريطانية في عام 2010، أفاد أن ملايين الدولارات المخصصة لضحايا المجاعة الإثيوبية خلال الفترة من عام 1984 وحتى عام 1985 تم إعادة تحويل مسارها لشراء الأسلحة، كما أن الجماعات المتمردة نجحت أيضًا في الاستيلاء على جزء من تلك الأموال ودعمت تسليحها.

سد النهضة الأثيوبي - أرشيفية
سد النهضة الأثيوبي - أرشيفية

وفي مايو 2023، أعلنت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وقف جميع مساعدتها إلى إثيوبيا على خلفية اكتشافها أن أغلب المساعدات التي يتم توجيهها إلى إثيوبيا تساهم منظمات محلية إثيوبية تابعة للحكومة في تحويل مسار تلك المساعدات إلى مسارات أخرى تخدم أهدافًا أخرى للحكومة، مما أدى إلى إيقاف تلك المساعدات تمامًا في عام 2023، وهو ما دفع الحكومة الأمريكية في يوليو 2025 إلى استئناف تقديم المساعدات الأمريكية لكن بآليات مختلفة عما كان سائدا في السابق، وتقليل حجم الاستفادة الحكومية من تلك المساعدات.

ختامًا:

 يمكن القول بأن ضعف حجم الموازنة الفيدرالية الإثيوبية كاشف وفاضح لأي ادعاءات إثيوبيا بذاتية تمويل بناء السد، ومن المرجح أن تكون الحكومة الإثيوبية استخدمت المنح والمساعدات الأوروبية والأمريكية في عملية تمويل بناء السد من خلال إعادة تغيير مسار تلك المساعدات، وهو ما كشفت عنه الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في عام 2023 حين صرحت بوجود سياسات إثيوبية تهدف إلى إعادة استغلال المساعدات الأمريكية في تمويل أنشطة أخرى للحكومة الإثيوبية، وفي ترجيحي الخاص أن تلك العملية تم استغلالها في توفير النقد الأجنبي لعملية بناء السد.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء