رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

السلام مقابل المعادن: كيف تعيد واشنطن رسم نفوذها في إفريقيا؟

النفوذ الأمريكي في
النفوذ الأمريكي في إفريقيا - أرشيفية

يشير مبدأ دونرو إلى السياسة الأمريكية الجديدة التي صاغها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرًا تجاه دول العالم، وفي مقدمتها دول أمريكا اللاتينية، والقائمة على فرض الهيمنة الأمريكية على دول القارة الأمريكية الجنوبية، ومنع أية قوى سياسية أخرى من منافسة الدور الأمريكي في القارة اللاتينية.

ويُعد مبدأ دونرو استكمالًا لمبدأ مونرو الذي تم صياغته في القرن التاسع عشر، وجدير بالذكر أن سياسات الهيمنة الأمريكية لم تعد تقتصر فقط على القارة اللاتينية، فقد امتدت أيضًا إلى القارة الأوروبية، حيث محاولات ترامب للسيطرة على جزيرة جرينلاند، كما امتدت تلك السياسة إلى القارة الإفريقية، إذ فرضت واشنطن رؤيتها للعديد من المستجدات على الدول الإفريقية ذاتها. فعلى سبيل المثال، فرضت واشنطن رؤيتها للصراع في نيجيريا على أنه صراع ديني وحرب على المسيحية، متخطية في ذلك الرؤية الوطنية النيجيرية للصراع داخل البلاد.

طغيان المصالح التجارية

في نوفمبر 2025، أصدرت واشنطن استراتيجيتها للأمن القومي الأمريكي، موضحة في تلك الاستراتيجية عزمها على حماية مصالحها الوطنية الجوهرية، وتعد إفريقيا في الاستراتيجية الأمريكية مصدرًا للمعادن الحيوية والنفط، وأحد الساحات التي يتم فيها مجابهة الهيمنة الصينية على دول العالم.

النفوذ الأمريكي في إفريقيا - أرشيفية 
النفوذ الأمريكي في إفريقيا - أرشيفية 

طغت الاتجاهات الاقتصادية والمصالح التجارية على الاستراتيجية الأمريكية تجاه إفريقيا، فلم يُخصص الدور الإفريقي سوى ثلاث فقرات في الاستراتيجية الأمريكية المكونة من 29 صفحة، وتصور الاستراتيجية القارة الإفريقية على أنها مصدر رئيس للثروة المعدنية وساحة للصراع مع الهيمنة الصينية في الجنوب العالمي.

ضغوط أمريكية

رغم عدم إيلاء الاستراتيجية الأمريكية إفريقيا أهمية كبرى، إلا أنها برزت في العديد من السياسات التي اتخذتها الدول الأفريقية خلال الفترة الماضية، ففي الشهر الحالي قامت كينيا بتأجيل اتفاقية تجارية مع الصين بقيمة مليار دولار أمريكي، وذلك تحت وطأة الضغوط الأمريكية، وانتظار كينيا عملية التقييم الأمريكي فيما يخص قانون النمو والفرص في أفريقيا (AGOA)، والذي أقره مجلس النواب الأمريكي الأسبوع الماضي. ويقر هذا القانون بمنح بعض المنتجات الإفريقية الدخول إلى الأسواق الأمريكية دون أية رسوم جمركية، وقد تم إقرار هذا القانون في عام 2000.

النفوذ الأمريكي في إفريقيا - أرشيفية 
النفوذ الأمريكي في إفريقيا - أرشيفية 

وجدير بالذكر أن قانون النمو والفرص الذي أقرته الولايات المتحدة لم يأتِ على الصناعة الإفريقية بالتقدم والازدهار، حيث سرعان ما استغلته الدول الكبرى الصناعية في نقل بعض صناعاتها إلى بعض الدول الإفريقية التي تتمتع بأفضلية قانون النمو والفرص، وذلك من أجل تمرير منتجاتها إلى السوق الأمريكية دون أية رسوم. وتأتي في مقدمة تلك الصناعات صناعة السيارات، حيث حرصت الشركات الفرنسية والصينية على نقل بعض مصانعها إلى الدول الإفريقية مثل المغرب، من أجل إعادة تصدير تلك السيارات إلى السوق الأمريكية ومنافسة الصناعة الأمريكية.

وفي زامبيا تتعرض حاليًا لضغوط من قبل واشنطن، حيث أوقفت الأخيرة حزمة مساعدات صحية لزامبيا قدرها 1.5 مليار دولار، إذ تضغط واشنطن على زامبيا من أجل تأمين وصولها إلى المعادن الحيوية في البلاد، خاصة النحاس.

النفوذ الأمريكي في إفريقيا - أرشيفية 
النفوذ الأمريكي في إفريقيا - أرشيفية 

ويمكن القول إن الاستراتيجية الأمريكية تخلت عن نهج ربط المساعدات الأمريكية بمدى تطبيق القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو الأمر الذي كان سائدًا في عهدي جورج بوش وباراك أوباما، إلا أن هذا لم يمنع من وجود استثناءات، مثلما حدث عشية أعياد الميلاد، حين شنت أمريكا غارات جوية على معاقل داعش وبوكو حرام في شمال نيجيريا ردًا على استهداف المسيحيين في وسط البلاد.

النفوذ الأمريكي في إفريقيا - أرشيفية 
النفوذ الأمريكي في إفريقيا - أرشيفية 

السلام في مقابل المعادن

في الماضي، صاغت واشنطن خلال فترة حصار العراق (1992 ـ 2003) مبدأ النفط في مقابل الغذاء، وهو ما يعني السماح للعراق بتصدير بعض من الاحتياطات النفطية في مقابل حصول النظام العراقي وقتها على ما يكفيه من الاحتياجات الأساسية للشعب العراقي من الغذاء، وذلك تحت إشراف الأمم المتحدة.

أما حاليًا، فقد صاغت واشنطن مبدأ السلام في مقابل المعادن، ففي الفترة الأخيرة تدخلت واشنطن والرئيس دونالد ترامب على خط الحرب المشتعلة في إقليم كيفو الشمالي والجنوبي في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتمكن الرئيس الأمريكي من عقد اتفاق سلام بين الحكومة الكونغولية والحكومة الرواندية في ديسمبر 2025، وهو الأمر الذي عزز صورته كرئيس سلام.

النفوذ الأمريكي في إفريقيا - أرشيفية 
النفوذ الأمريكي في إفريقيا - أرشيفية 

وأتت الاتفاقية بين رواندا والكونغو كميسرة لامتيازات أمريكية محتملة في مجال المعادن الكونغولية، فواشنطن تريد بوضوح السيطرة على تجارة المعادن في الكونغو، والتي تمثل المنجم العالمي. وجدير بالذكر أن الكونغو من أكثر دول العالم في احتياطات اليورانيوم، كما أن القنبلتين النوويتين اللتين استخدمتهما واشنطن في الحرب العالمية الثانية كانت الكونغو هي مصدر عنصر اليورانيوم في كلتا القنبلتين. وتسعى واشنطن إلى إنشاء ممر يربط المناطق الغنية بالمعادن الكونغولية بالأسواق الغربية، وإزاحة الهيمنة الصينية من سوق المعادن الكونغولية.

تفكيك المساعدات الأمريكية

قامت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتفكيك مساعدات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، مما أدى إلى تعريض حياة 14 مليون مواطن أفريقي للخطر. ومما يزيد الأمور تعقيدًا هو ربط المساعدات الأمريكية المتبقية بمسألة اتفاقيات الترحيل، حيث حولت واشنطن الرعايا الأجانب إلى أدوات دبلوماسية، إذ عقدت واشنطن اتفاقيات مع جنوب السودان ورواندا وإسواتيني تتضمن تقديم منح لتلك الدول في مقابل استقبالها لمرحلين عن الولايات المتحدة.

ففي مايو 2025، عقدت إسواتيني اتفاقية مذكرة تفاهم غير ملزمة مع الولايات المتحدة، تضمنت حصولها على 5.1 مليون دولار في مقابل استقبالها 160 مرحلًا من أمريكا.

النفوذ الأمريكي في إفريقيا - أرشيفية 
النفوذ الأمريكي في إفريقيا - أرشيفية 

وختامًا:

 يمكن التخفيف من حدة السياسات الأمريكية وتداعياتها الخطيرة على إفريقيا من خلال توحيد الرؤية الأفريقية، والاستفادة من الثقل الجماعي الإفريقي، وتعزيز الجهود المشتركة في الحفاظ على الثروات الطبيعية الإفريقية، وبناء علاقات متوازنة مع الدول الكبرى، ومنع أية هيمنة تجارية على إفريقيا، سواء كانت هيمنة صينية أو أمريكية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء