رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

شبكات المال الخفي: كيف تواجه نيجيريا تمويل الإرهاب؟

 الجماعات الإرهابية
الجماعات الإرهابية في إفريقيا

ترتكز عمليات المكافحة المالية للأنشطة الإرهابية بشكل عام على ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها تجفيف منابع تمويل الجماعات الإرهابية ووقف الأنشطة التمويلية الخاصة بها من خلال التصدي الأمني والفعّال لعمليات الاختطاف وطلب الفِدى، ومنع التهريب، والاستيلاء على الموارد الطبيعية، وحرمان تلك الجماعات من فرض الرسوم. وثانيها مكافحة عمليات غسل وتبييض الأموال التي تقوم بها مثل تلك الجماعات، إذ عادةً ما تلجأ إلى تبييض أموالها من أجل إعادة استخدامها من جديد بعيدًا عن الملاحقات التجارية والقانونية. وثالثها بذل المزيد من الانفاقات الداخلية من أجل تصفية الجماعات المتطرفة واستمالة عناصرها، وتشجيعهم على التوبة وعدم الانضمام إلى الجماعة مرة أخرى.

 الجماعات الإرهابية في إفريقيا 
 الجماعات الإرهابية في إفريقيا 

تجني جماعة بوكو حرام تمويلات ضخمة من خلال عملياتها الإرهابية في شمال نيجيريا، فالاقتصاد الإرهابي للجماعة قائم بالأساس على طلب الفِدى؛ فخلال الشهرين الماضيين نشطت الجماعة في اختطاف النيجيريين، خاصة المسيحيين، وطلب فِدى من ذويهم. كما تنشط المصادر التمويلية للجماعة في فرض الرسوم على الزراع والرعاة في المحافظات الشمالية والوسطى في نيجيريا، هذا بالإضافة إلى إدارة العديد من الأنشطة الاقتصادية الأخرى، مثل بيع المحاصيل الزراعية والمواد الغذائية، فضلًا عن توفير مستلزمات الإنتاج الزراعي في المناطق التي تديرها بوكو حرام في ولاية بورنو شمال نيجيريا بالقرب من بحيرة تشاد.

وبالإضافة إلى تلك الأنشطة السابقة في الحصول على التمويلات اللازمة، نشطت أيضًا الجماعة الإرهابية في مجال غسل الأموال حتى تتمكن من إعادة استخدام تلك الأموال بعيدًا عن الملاحقات الأمنية والقانونية. ولأجل مواجهة النشاط الاقتصادي لبوكو حرام، لجأت السلطات النيجيرية إلى العديد من الأدوات والأساليب من أجل إيقاف مثل تلك الأنشطة، أبرزها على الإطلاق إنشاء ما يُسمّى بـ«وحدة الاستخبارات المالية النيجيرية»، أو ما يُعرف باسم (NFIU)، وهي وحدة هدفها الرئيس مراقبة النشاط الاقتصادي لبوكو حرام، وتتبع مسار التمويلات الخاصة بها، وتحديدًا عمليات غسل الأموال التي تنتهجها الجماعة.

تُعد وحدة الاستخبارات المالية حديثة العهد نسبيًا؛ ففي 10 يناير 2020 تولّت الوحدة مسألة الإشراف الكامل على التحقيقات التي تُجريها السلطات فيما يخص تمويلات بوكو حرام والجماعات المتطرفة الأخرى التي تعج بها نيجيريا حاليًا.

 الجماعات الإرهابية في إفريقيا 
 الجماعات الإرهابية في إفريقيا 

ملاحقات خارجية

لم تكتفِ الوحدة بمراقبة التمويلات في الداخل، بل امتد نشاطها أيضًا إلى عمليات غسل الأموال التي تتم في الخارج. ففي عام 2017، على سبيل المثال، تم إلقاء القبض على ستة نيجيريين يعملون في دبي بتهم تتعلق بغسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتمت إدانتهم في عام 2019، وذلك بناءً على معلومات استخباراتية مقدمة من الجيش النيجيري ووكالات إنفاذ القانون الأخرى في أبوجا. كما تم الاعتماد على بيانات من عدة مصادر، منها تقارير لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وبحوث تم إجراؤها على وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى معلومات قيمة قدمتها الوحدات الاستخباراتية في كل من ألمانيا والتشيك ورواندا وبنين والكاميرون، وأخيرًا النيجر.

حكمت المحكمة الاتحادية الإماراتية في عام 2019 على الستة المدانين بالسجن المؤبد لشخصين اثنين، هما سالوهو يوسف أدامو وسوارجو أبو بكر محمد، وبالسجن عشر سنوات لبقية المتهمين في القضية، وتم الحكم عليهم بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، وتيقنت المحكمة أن جميع المتهمين هم عملاء لجماعة بوكو حرام.

كما تمكنت الوحدة من رسم خريطة لشبكة واسعة من الأفراد والشركات والجهات المرتبطة بتمويل ودعم جماعة بوكو حرام، فالجماعة الإرهابية تعتمد على مجموعة واسعة من الموارد للحفاظ على أنشطتها العملياتية والتنظيمية والشخصية.

 الجماعات الإرهابية في إفريقيا 
 الجماعات الإرهابية في إفريقيا 

ونجحت وحدة الاستخبارات المالية النيجيرية في تحديد هوية 96 شخصًا مرتبطين بتمويل جماعة بوكو حرام في جميع أنحاء نيجيريا، متوزعين على العاصمة أبوجا، ومدينة يولا في ولاية أداماوا، ومدينة مايدغوري عاصمة ولاية بورنو، ومدينة واريّا في ولاية كادونا، وكانو، وإيلورين في ولاية كوارا، ولاغوس، وسوكوتو، وجوساو في ولاية زامفارا، وولاية النيجر.

وأغلب من تمّت ملاحقتهم يمتلكون شركات ومكاتب صرافة، فضلًا عن طيف واسع من الشركات التجارية والاستثمارية المختلفة، مثل الشركات العاملة في مجالات التعدين والأحجار الكريمة والاتصالات والتنمية. وامتلكت الشركات السابقة نحو 1801 حساب مصرفي موزعة على 18 مؤسسة مالية، منها بنك سيتي بنك وبنك أكسيس، وغيرهما من البنوك العاملة في النشاط الاقتصادي النيجيري.

يتضح مما سبق أن بوكو حرام، بعيدًا عن عملياتها المسلحة، نجحت في نسج شبكة معقدة من الأذرع الاقتصادية المختلفة، مكنتها من تبييض العديد من معاملاتها، وجعلها قطبًا اقتصاديًا في البلاد، وذلك من خلال تشعب علاقاتها التجارية سواء داخل نيجيريا أو خارجها، الأمر الذي يطرح تساؤلًا حول وجود شبهات فساد تحوم حول سياسات مكافحة الإرهاب في نيجيريا. ومنذ عام 2019 وحتى اليوم، لم تتمكن وحدة الاستخبارات المالية من الكشف عن مزيد من شبكات غسل الأموال داخل البلاد أو خارجها، مما يعني أن بوكو حرام ربما تكون قد تمكنت من تجاوز الثغرات الماضية التي أوقعت العديد من عملائها في الداخل والخارج خلال الفترة الممتدة من عام 2017 إلى عام 2019.

 الجماعات الإرهابية في إفريقيا 
 الجماعات الإرهابية في إفريقيا 

تأهيل التائبين

وفي سياق آخر من سياقات المكافحة المالية للتنظيمات الإرهابية في نيجيريا، تأتي عملية تأهيل التائبين، والتي تتطلب موارد مالية ضخمة للغاية لإقناع مقاتلي تلك الحركات بالعدول عن ممارساتهم والعودة مرة أخرى إلى الحياة الطبيعية.

وعادةً ما تواجه مثل تلك السياسات أزمة كبيرة في توفير التمويلات اللازمة لإدارة عملية تأهيل التائبين؛ فمثلًا ولاية بورنو النيجيرية، والتي تُعد المعقل الرئيس لجماعة بوكو حرام، سبق أن خصصت في عام 2025 مبلغ 7.4 مليار نيرة نيجيرية، أي ما يقارب 520 مليون دولار أمريكي، من أجل إعادة تأهيل التائبين في البلاد. إلا أنه في الواقع تم صرف نحو 2.6 مليار نيرة فقط خلال الفترة الممتدة من يناير 2025 وحتى سبتمبر 2025، وخصصت تلك الأموال لعمليات نزع السلاح (شراء الأسلحة من المقاتلين)، وتسريحهم، وإعادة إدماجهم مرة أخرى في المجتمع.

وختامًا:

 تُعد عملية مكافحة الأنشطة التمويلية للجماعات الإرهابية في شمال نيجيريا ضعيفة للغاية؛ فإلى اليوم لم تتمكن وحدات الاستخبارات المالية في نيجيريا من إيقاف ومحاصرة المصادر التمويلية للجماعة، بل كانت الجماعة أسبق وأسرع في الالتفاف على الترسانات القانونية، مستغلة الثغرات من ناحية، وتفشي الفساد الداخلي من ناحية أخرى. وفي المقابل، نجد أن عمليات تمويل مبادرات إعادة التأهيل للتائبين ما زالت شحيحة وغير قادرة على الوفاء بمتطلباتها.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء