رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الانتخابات الأوغندية: المعارضة تفشل في كسر هيمنة الحزب الحاكم

الانتخابات الأوغندية
الانتخابات الأوغندية

لم تخرج الانتخابات الأوغندية، التي أُجريت في الخامس عشر من الشهر الجاري، بجديد؛ فعلى غرار نتائج الانتخابات السابقة خرجت الانتخابات الأخيرة بالنتيجة نفسها، وهي فوز الرئيس الحالي يوري موسيفني بمنصب الرئيس وتجديد الثقة فيه لمدة خمس سنوات قادمة، كما لم تأتِ الانتخابات بجديد أيضًا سواء على مستوى المشاركة الانتخابية أو الخروقات الانتخابية أو حتى النتائج.

فعلى مستوى النتائج، حافظ موسيفني على النسب المحددة له، والنسب المحددة لقوى المعارضة؛ فتاريخيًا لم تستطع المعارضة في نتائج الانتخابات الرئاسية الأوغندية كسر حاجز 37% من الأصوات. ففي النتائج الأخيرة حققت المعارضة، المتمثلة في المغني بوبي واين، نسبة 24% من الأصوات، فيما لا يزال موسيفني يحتفظ بالأغلبية الساحقة من الأصوات، أي حوالي 71% من الأصوات.

الانتخابات الأوغندية
الانتخابات الأوغندية

وعلى مستوى الخروقات الانتخابية، تبادلت قوى المعارضة والنظام السياسي الاتهامات المتبادلة؛ فالمعارضة دائمًا ما كانت تتهم النظام السياسي بتزوير الانتخابات، ولاحقًا اتهمت المعارضة النظام بقطع خدمات الإنترنت خلال سير العملية الانتخابية، مما عطل عملية التصويت في العديد من اللجان الانتخابية. وفي المقابل، اتهم النظام السياسي قوى المعارضة بافتعال العنف خلال العملية الانتخابية، ودعا موسيفني قادة القبائل والزعماء الدينيين إلى احتواء الشباب في البلاد ومنعهم من الانجرار إلى العنف والفوضى.

أوغندا في ميزان الشرق الأوسط

رغم أن الانتخابات الأوغندية لم تأتِ بجديد ظاهريًا، إلا أنها تُعد شاهدًا حيويًا حول ما ستستقبله المنطقة من أحداث كبرى خلال الفترة المقبلة؛ فالانتخابات عبّرت عن حالة انسداد في الأفق السياسي في الدولة الصغيرة مساحةً والمطلة على بحيرة فيكتوريا، ومن المؤكد أن حالة الانسداد السياسي سيعقبها حالة من الفوضى الأمنية والسياسية في كمبالا، ستطال ارتداداتها باقي دول المنطقة في شرق وشمال إفريقيا.

الانتخابات الأوغندية
الانتخابات الأوغندية

فأوغندا، على سبيل المثال، قبل عهد الاستقرار الموسيفني، كانت إحدى ساحات المواجهة العربية الإسرائيلية؛ ففي يونيو–يوليو 1976 نجحت منظمات يسارية فلسطينية (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، بالتعاون مع يساريين ألمان، في اختطاف طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية، وعلى متنها عدد من الركاب الإسرائيليين (100 راكب إسرائيلي)، واقتيادها إلى كمبالا، عاصمة أوغندا، مما استدعى تدخلًا عسكريًا إسرائيليًا في مطار كمبالا لتحرير الرهائن، وأسفرت العملية الإسرائيلية عن مقتل قائد القوات الإسرائيلية جوناثان نتنياهو، وهو الشقيق الأكبر لرئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو.

كما أن أوغندا تُعد نهاية المطاف لمصفوفة الأمن القومي المصري؛ فبها بحيرة فيكتوريا، المنبع الدائم لنهر النيل. وعلى مدار التاريخ المصري الحديث كان لمصر وجود سياسي فعال في أوغندا من أجل حماية المصالح المائية المصرية؛ ففي عهد الخديوي إسماعيل امتدت الحدود السياسية المصرية إلى بحيرة فيكتوريا، كما أن المدينة الأوغندية عنتيبي كانت تُسمى مدينة الإسماعيلية نسبةً إلى الخديوي إسماعيل.

قطع الإنترنت

بالعودة إلى سياق الانتخابات الأوغندية، نجد أنها خلصت إلى استمرار هيمنة الحزب الحاكم مع ضعف المشاركة الانتخابية، حيث بلغت نسبة المشاركة الانتخابية حوالي 52%، وهي النسبة الأقل في تاريخ الانتخابات الأوغندية منذ عودة التعددية الحزبية عام 2006. وعلّق موسيفني أن المعارضة كانت محظوظة بضعف المشاركة الانتخابية، حيث لم يشارك قرابة عشرة ملايين ناخب، وفي حال مشاركتهم كان ذلك سيكون محرجًا لقوى المعارضة.

الانتخابات الأوغندية
الانتخابات الأوغندية

كما شهدت الانتخابات تعطّلًا في خدمات الإنترنت وتعطّل الأجهزة البيومترية في مناطق متعددة بالعاصمة الأوغندية كمبالا، كما ادعى واين وجود تزوير فج حدث في صناديق الاقتراع، ومن المرجح أن يكون تعطل الأجهزة البيومترية أساسًا لعملية الطعون الانتخابية.

وتأتي عملية التضييق على المعارضة الأوغندية استمرارًا لنهج موسيفني في تعزيز الاستبداد في البلاد وتعريض أمن واستقرار أوغندا والمنطقة للعديد من الأزمات السياسية، ومن أبرز السياسات الاستبدادية الأوغندية:

أولًا: اعتقال قيادات المعارضة

 يعاني قادة المعارضة في أوغندا من عمليات الاعتقال المستمر؛ فمثلًا خلال الانتخابات الرئاسية عام 2021 تعرض بوبي واين للاعتقال والاحتجاز في منزله من قبل السلطات الأمنية الأوغندية، كما أن زعيم المعارضة السابق الدكتور كيزا بيسجي، والمرشح الرئاسي في أربع انتخابات سابقة، ما زال رهن الاعتقال بعد اتهامه سابقًا بالخيانة العظمى.

الانتخابات الأوغندية
الانتخابات الأوغندية

ثانيًا: الاستمرار في الحكم

 في كتابيه الاثنين المعنونين "زرع بذور الخردل" الصادر عام 1997 و"ما هي مشكلة أفريقيا" الصادر عام 2000، أوضح موسيفني أن أزمة الدول الإفريقية تتمثل في تمسك قادتها بالبقاء في السلطة لفترات طويلة، مطالبًا القادة الأفارقة بالتنحي عن السلطة وعدم الاستمرار في الحكم لفترات زمنية طويلة، فالبقاء مدة طويلة في الحكم يعمل على إفقار الدول الأفريقية وتدهور الخدمات فيها. والآن، وبعد عقود من صدور الكتابين، أصبح موسيفني حاكمًا مستبدًا يدير نظامًا قمعيًا.

ثالثًا: الحكم العائلي

 يسيطر على نظام الحكم في أوغندا نمط الحكم العائلي، حيث حرص موسيفني على تسكين عائلته في المناصب السياسية الرفيعة؛ فعلى سبيل المثال يشغل موهوزي كاينيروغابا نجل موسيفني منصب رئيس أركان الجيش وقائد الحرس الرئاسي، أما زوجة موسيفني فهي وزيرة التعليم وعضو في البرلمان، كما عمد إلى سيطرة أقربائه على جميع المؤسسات العامة في الدولة.

رابعًا: انتشار الفساد والفقر

 تشير التقديرات  الإعلامية إلى أن حجم الخسائر الأوغندية جراء الفساد يساوي 10 تريليونات شلن سنويًا، أي ما يعادل 2.8 مليار دولار، ويُعد قطاع النفط أبرز القطاعات التي تشهد فسادًا واسعًا في البلاد. وكنتيجة مباشرة لانتشار الفساد، تُعد أوغندا من أفقر دول العالم، إذ تحتل المرتبة 153 من أصل 193 دولة في مؤشر التنمية العالمية التابع للأمم المتحدة.

خامسًا: التشرذم السياسي

 تتعدد التحليلات حول سبب بقاء موسيفني في السلطة لفترات زمنية طويلة، ويمكن إرجاع ذلك إلى قدراته على المناورة السياسية وخلق الاستقطابات المختلفة من خلال التغلغل داخل الأحزاب المعارضة وتفكيكها من الداخل؛ فعلى سبيل المثال، في عام 2022 نجح موسيفني في استقطاب نوربرت ماو، زعيم الحزب الديمقراطي (أقدم الأحزاب الأوغندية)، الذي أصبح وزيرًا للعدل، كما عقد حزبه اتفاق تعاون رسمي مع حزب حركة المقاومة الوطنية، الحزب الحاكم في البلاد.

أما "منصة الوحدة الوطنية" التي ينتمي إليها المرشح الرئاسي المعارض بوبي واين، فهي الأخرى تعرضت لموجة انشقاقات داخلية عام 2024، وانتقد المنشقون زعيم الحزب واين، وهو الأمر الذي أضعف الحزب هيكليًا.

لماذا أوغندا؟

تُعد أوغندا حجر الزاوية في منطقة البحيرات العظمى وشرق أفريقيا، وتُعد تلك المنطقة من أكثر مناطق العالم تضررًا من النزاعات الداخلية والخارجية؛ فالمنطقة دخلت في دورات متعاقبة من العنف الإقليمي والداخلي، وما يمنعها من الانهيار التام والدخول في حالة الفوضى الكبرى هو حالة الاستقرار الهش التي تمتعت بها بعض الدول، وفي مقدمتها أوغندا وتنزانيا وكينيا وأخيرًا رواندا. فالدول الأخيرة تمثل بادرة ضعيفة نحو تحقيق الاستقرار في المنطقة، لذا فإن أي محاولات لتعريض الاستقرار في تلك الدول للخطر من شأنها انتقال العدوى إلى باقي دول الإقليم تحت تأثير عملية الدومينو.

ختامًا:

 يجب النظر إلى عملية الاستقرار السياسي في أوغندا كأولوية أولى في السياسات الإفريقية خلال الفترة المقبلة؛ فتعريض هذا الاستقرار في تلك الدولة للخطر من شأنه انتقال الفوضى وعدم الاستقرار إلى باقي دول المنطقة. كما أن عدم الاستقرار في أوغندا من شأنه بروز نوع جديد من التنظيمات الإرهابية، وهي التنظيمات الإرهابية المسيحية، وتحديدًا جماعة جيش الرب التي تنتشر في شمال أوغندا، لذا فإن تعريض استقرار تلك الدولة للخطر من شأنه تحويل الصراع في شرق إفريقيا إلى صراع ديني إسلامي–مسيحي، كالذي حدث في إفريقيا الوسطى عام 2013 بين ميليشيات السيليكا المسلمة وميليشيات الأنتي بالاكا المسيحية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء