رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

على هامش دافوس: صدام ترامب وماكرون يهدد بتفكيك الوحدة الأوروبية

ترامب في منتدى دافوس
ترامب في منتدى دافوس الاقتصادي 2026

مع انطلاق منتدى دافوس العالمي في الفترة بين 19 و23 يناير 2026، دخلت العلاقات الفرنسية-الأمريكية نفقًا دبلوماسيًا مظلمًا؛ إذ هدد الرئيس دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية انتقامية تصل إلى 200% على النبيذ والشمبانيا الفرنسية، ردًا على رفض الرئيس إيمانويل ماكرون الانضمام إلى مجلس السلام لإدارة قطاع غزة.

ويتلخص الخلاف بشأن غزة في رؤية الإدارة الأمريكية التي ترى في مجلس السلام بديلًا للمؤسسات الدولية التقليدية، بينما تصر باريس على التمسك بالإطار الأممي والقانون الدولي، واصفة التهديدات الأمريكية بأنها أداة ابتزاز اقتصادي تستهدف قطاعًا زراعيًا حيويًا لمحاولة انتزاع تنازلات سياسية قسرية.

ولم تتوقف ملامح الأزمة عند ملف الشرق الأوسط، بل امتدت لتشمل القطب الشمالي، حيث يسعى ترامب لاستغلال قمة دافوس لحشد الدعم لمشروعه القديم المتجدد بالاستحواذ على جزيرة جرينلاند، مدعيًا أن أوروبا والدنمارك عاجزتان عن حمايتها من التهديد الروسي.

ترامب في منتدى دافوس الاقتصادي
ترامب في منتدى دافوس الاقتصادي

في المقابل، تقود فرنسا جبهة معارضة أوروبية موحدة ضد ما تصفه بـ"الأطماع الاستعمارية"، مما دفع الاتحاد الأوروبي للتلويح بفرض عقوبات مضادة تتجاوز 90 مليار يورو؛ وهو ما يضع الاقتصاد العالمي أمام شبح حرب تجارية عابرة للأطلسي قد تعيد تشكيل التحالفات الاستراتيجية الغربية من جديد.

المرجعية الدولية

تتصدر قضية مجلس السلام مشهد الخلاف السياسي، حيث تسعى واشنطن لانتزاع ملف إدارة قطاع غزة من يد الأمم المتحدة ومنحه لهيئة دولية جديدة بتمويل مباشر من الدول الحليفة، باعتباره السبيل الوحيد لضمان الأمن والاستقرار بعيدًا عن البيروقراطية الدولية الفاشلة، حسب وصف الرئيس ترامب، مشترطًا انضمام القوى الكبرى إليه كدليل على حسن النوايا تجاه التحالف مع الولايات المتحدة.

في المقابل، ترفض فرنسا هذا المقترح معتبرة أن إنشاء كيانات بديلة للأمم المتحدة يمثل خرقًا خطيرًا للقانون الدولي وتهميشًا للدور الأوروبي في الشرق الأوسط، وصرح ماكرون بأن باريس لن تشارك في أي مبادرة تفتقر إلى الغطاء الشرعي الدولي، مؤكدًا أن السلام لا يُفرض بقرارات أحادية. هذا الموقف الفرنسي الصلب هو ما دفع ترامب لوصف الرئيس الفرنسي بأنه المعطل الأول لمشاريع السلام الأمريكية.

الرئيس ماكرون في دافوس الاقتصادي
الرئيس ماكرون في دافوس الاقتصادي

في هذا الصدد، ربط ترامب بين الانضمام إلى المجلس وبين استقرار التجارة الفرنسية، وصرح الرئيس الأمريكي بوضوح أن رفض فرنسا يضعها في خانة الخصوم، ملوحًا بإنهاء الامتيازات التجارية التي تتمتع بها السلع الفرنسية في السوق الأمريكية، وهو ما يضع باريس تحت ضغط شديد للموازنة بين مبادئها الدبلوماسية ومصالحها الاقتصادية.

وتزداد المخاوف بشأن هذا الانقسام الذي يحتمل أن يؤدي إلى تفكيك الموقف الغربي الموحد تجاه قضايا الشرق الأوسط، مما يمنح قوى إقليمية ودولية أخرى فرصة لملء الفراغ. وبينما يراهن ترامب على دبلوماسية الصفقات لكسر الموقف الفرنسي، تراهن باريس على حشد إجماع أوروبي لرفض ما تسميه سياسة الإملاءات التي تنتهجها الإدارة الأمريكية الحالية.

معركة القطب الشمالي 

تقود فرنسا حاليًا جبهة الدفاع عن أوروبية جرينلاند، حيث يرى الرئيس ماكرون أن التفريط في الجزيرة يعني فقدان أوروبا لموطئ قدم استراتيجي في القطب الشمالي الغني بالموارد. ولم تكتفِ باريس بالتصريحات، بل دفعت باتجاه تعزيز الوجود العسكري الأوروبي المشترك في المنطقة، وهو ما اعتبره ترامب "استفزازًا" غير مبرر يهدف إلى عرقلة خططه التوسعية المشروعة لحماية الأمن القومي الأمريكي.

وكرد فعل أولي، بدأت واشنطن بالفعل بتنفيذ عقوبات اقتصادية تدريجية، شملت فرض رسوم بنسبة 10% على قائمة طويلة من الصادرات الأوروبية، مع التركيز بشكل خاص على المنتجات الفرنسية. ويؤكد ترامب أن هذه الرسوم هي ثمن الحماية الذي ترفض أوروبا دفعه، مهددًا برفع النسبة إلى 25% بحلول الصيف المقبل إذا لم يتم فتح باب المفاوضات الجدية حول مستقبل الجزيرة.

وتتوالى اتهامات الرئيس الأمريكي لحلف شمال الأطلسي بالضعف لعدم دعمه في ملف جرينلاند، بينما ترى الدول الأوروبية أن الحلف أُنشئ لحماية سيادة أعضائه وليس لتسهيل الاستحواذ على أراضيهم. كذلك تستعد باريس لطرح ملف الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي في دافوس كرد مباشر على المحاولات الأمريكية لتقليص نفوذ القارة في القطب الشمالي.

منتدى دافوس الاقتصادي 2026
منتدى دافوس الاقتصادي 2026

أداة مكافحة الإكراه

ردًا على تهديد ترامب بفرض رسوم 200% على النبيذ والشمبانيا، بدأت فرنسا بتحريك أداة مكافحة الإكراه التابعة للاتحاد الأوروبي، وهي آلية قانونية وتجارية صُممت خصيصًا لمواجهة الدول التي تستخدم الضغوط الاقتصادية للتدخل في القرارات السيادية للدول الأعضاء، وتسمح هذه الأداة لبروكسل بفرض عقوبات مضادة سريعة وشاملة دون الحاجة إلى انتظار إجراءات منظمة التجارة العالمية الطويلة.

وتتضمن خطة الردع الأوروبية، التي تقودها باريس، قائمة سوداء لشركات أمريكية كبرى قد تواجه قيودًا صارمة في السوق الموحدة، مع احتمال فرض رسوم جمركية انتقامية قد تصل قيمتها الإجمالية إلى 93 مليار يورو، إذ تهدف هذه الخطوة إلى إرسال رسالة واضحة لإدارة ترامب بأن زمن التنازلات من طرف واحد قد انتهى، وأن التكلفة الاقتصادية لأي حرب تجارية ستكون باهظة على كلا الجانبين.

وتُعتبر هذه الأداة بمثابة الخيار النووي في التجارة العالمية، حيث تمنح المفوضية الأوروبية صلاحية فرض قيود على الاستثمارات، والمشتريات الحكومية، وحتى حماية الملكية الفكرية ضد الدولة "المعتدية". ويُعتبر تفعيل هذه الأداة السبيل الوحيد لحماية قطاع النبيذ والشمبانيا من الانهيار، وتحويل المعركة من مواجهة ثنائية بين باريس وواشنطن إلى صراع بين واشنطن والكتلة الأوروبية ككل.

بالمقابل، وصف ترامب هذه التحركات الأوروبية بأنها عدائية وتنم عن عدم تقدير للجميل، مهددًا بمزيد من التصعيد. ومع وصول الأزمة إلى ذروتها في دافوس، يترقب العالم ما إذا كان سلاح "الردع الاقتصادي الأوروبي"سينجح في دفع ترامب نحو طاولة المفاوضات، أم أننا سنشهد قطيعة تجارية تاريخية تعيد تشكيل خارطة الاقتصاد العالمي وتنهي عقودًا من التعاون العابر للأطلسي.

ختامًا:

ختامًا، تقف العلاقات الفرنسية-الأمريكية اليوم عند مفترق طرق تاريخي، حيث تحولت منصة دافوس من ساحة للتعاون الاقتصادي إلى ميدان لمواجهة جيوسياسية مفتوحة؛ فبين طموحات ترامب في إعادة رسم حدود القطب الشمالي وفرض رؤيته لمنطقة الشرق الأوسط، وبين إصرار باريس على تفعيل سلاح الردع الأوروبي لحماية سيادتها، يواجه النظام العالمي اختبارًا عسيرًا قد تنتهي فصوله بصفقة كبرى تنهي الخلاف، أو بحرب تجارية شاملة تعيد صياغة التحالفات الغربية لعقود قادمة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء