ما بعد داعش وبوكو حرام: جماعات الظل الإرهابية تتمدد في نيجيريا
لم تعد الظاهرة الإرهابية في نيجيريا مقتصرة على تنظيم "بوكو حرام" بفروعه المختلفة أو تنظيم داعش في غرب أفريقيا، فخلال السنوات الماضية نشأت العديد من التنظيمات الأخرى، والتي يمكن تسميتها بتنظيمات الظل، أو التنظيمات التي ليس لها صدى إعلامي واسع على غرار داعش وبوكو حرام، إذ استفادت تلك التنظيمات من العديد من الأمور، أبرزها حالة الصخب الإعلامي المرافق لعمليات بوكو حرام وتنظيم داعش، مما جعل تلك الجماعات تتحرك بحرية في إطار صرف الأنظار عنها تجاه بوكو حرام.
تحاول تلك الجماعات حاليًا الاستفادة من التركيز الحكومي والدولي على تحركات بوكو حرام وداعش، من أجل توسيع قاعدتها في البلاد وطرح نفسها كبديل جهادي مناسب في حال نجاح استراتيجيات مكافحة الإرهاب في مواجهة بوكو حرام وداعش.

عادة ما تُصنِّف تلك الجماعات نفسها على أنها جماعات محلية محدودة الأثر، إلا أنها في الواقع تشهد تمددًا كبيرًا خلال الفترة الماضية، الأمر الذي ينذر بتفشي ظاهرة التنظيمات الإرهابية في شمال نيجيريا، وهو ما قد يضعف الاستراتيجية الوطنية والإقليمية لمكافحة الإرهاب. لذا، في هذا التحليل سيتم تناول عدد من التنظيمات الإرهابية في نيجيريا ذات الأثر الإعلامي المحدود، والتي تحاول أن تثبت نفسها، وهي تنظيم "أنصارو"، وتنظيم "محمودة"، وأخيرًا تنظيم "لاكوراوا".
أولًا: تنظيم "أنصارو"
يُعد تنظيم "أنصارو" (تنظيم القاعدة في بلاد ما وراء الساحل) من التنظيمات التقليدية القديمة نسبيًا في نيجيريا، حيث انشق في عام 2011 عن تنظيم بوكو حرام، ليرسخ نفوذه في شمال غرب البلاد. وتم انشقاق التنظيم بدعم من تنظيم القاعدة، في ظل حالة رفض القاعدة وقتها لقيادة أبو بكر شيكاو لتنظيم بوكو حرام، حيث انشق وقتها العديد من مساعدي شيكاو، مثل القائد العسكري أبو محمد البوشاوي، والمستشار الديني أبو أسامة الأنصاري، الذي أصبح قائد تنظيم أنصارو.
ونتيجة الانشقاق دخلت بوكو حرام وأنصارو في حالة من العداء والحروب المتبادلة بينهما، مما أدى إلى مقتل أبو أسامة الأنصاري واعتقال العديد من قادة الجماعة من قبل الجيش النيجيري، الأمر الذي أدى في النهاية إلى خفوت نجم التنظيم ودخوله في مرحلة سبات مرحلي. وفي عام 2020 بايع أنصارو تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

ويُعد تنظيم "أنصارو" من أوائل الجماعات الأصولية المسلحة النيجيرية ارتباطًا بالعناصر الإجرامية وقطاع الطرق، إذ يعتمد في تجنيده للأفراد على اللصوص وقطاع الطرق، خاصة في المناطق الشمالية الغربية، الأمر الذي خلق شبكة معقدة بين الإرهابيين وقطاع الطرق.
دخل التنظيم في حالة سبات عملياتي خلال الفترة الممتدة من عام 2015 وحتى عام 2022، ففي عام 2022 خطط التنظيم للهجوم على سجن كوجي بالعاصمة أبوجا لتهريب العديد من عناصره، مما أدى إلى مقتل ثمانية أشخاص واختطاف العشرات. وفي العام نفسه شن التنظيم عمليات أخرى، مثل تفجير خطوط السكك الحديدية واقتحام قطار كان متجهًا من العاصمة أبوجا إلى مدينة كادونا الواقعة شمال غرب البلاد، كما نفذ العديد من العمليات العسكرية تجاه عدد من القواعد العسكرية النيجيرية.
وردًا على نمو نشاط "أنصارو" خلال السنوات الماضية، شن الجيش النيجيري خلال شهري يونيو ويوليو 2025 عدة عمليات عسكرية ضد معاقل أنصارو، حيث تكمن خطورة أنصارو في ارتباطه الوثيق بتنظيم القاعدة، وأيضًا بالعديد من الجماعات الأخرى الفاعلة في منطقة الساحل والصحراء، مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
ثانيًا: تنظيم محمودة
في يونيو 2025 شنت جماعة في نيجيريا تُدعى "جماعة محمودة" عدة هجمات على قرى ومجتمعات ريفية في ولايتي كوارا والنيجر حول منتزه بحيرة كاينجي الوطنية في شمال وسط نيجيريا. وفي إبريل أيضًا شنت هجومًا في سوق مدينة كوارا، مما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص من قبيلة الفولاني.

تنتشر "جماعة محمودة"، أو "جماعة مالام" باللغة الهوساوية، في ولاية كوارا الواقعة شمال غرب نيجيريا على الحدود مع دولة بنين، وتختلف التفسيرات حول ارتباطها مع بوكو حرام، إذ يعتبرها البعض امتدادًا لبوكو حرام، بينما يعتبرها البعض جماعة منشقة عنها. إلا أن المراقبين في نيجيريا (وذلك وفقًا لموقع ساهارا ريبورترز، وهو موقع مختص بأنشطة بوكو حرام في نيجيريا) عادة ما يصنفونها على أنها أكثر اعتدالًا من بوكو حرام وتنظيم داعش في غرب إفريقيا.
وما يفسر اعتداليتها هو الحالة الهجينة التي عليها الجماعة، فهي من ناحية جماعة جهادية تتبنى الفكر السلفي الجهادي، وفي الوقت نفسه هي جماعة عرقية تنتمي إلى جماعة الهوسا القاطنة في شمال غرب نيجيريا، وهو ما ينعكس على اللغة المستخدمة في بيانات الجماعة، فضلًا عن استهدافها بالأساس للجماعة المناوئة للهوسا في شمال نيجيريا، وهي جماعة الفولاني.
وحاليًا تسعى جماعة محمودة "مالام" إلى التوسع والانتشار التدريجي في مجتمعات الهوسا في شمال نيجيريا، عبر تجنيد المزيد من الأفراد لديها، مستغلة تغافل الجيش وقوى الأمن عن تحركاتها. فمؤخرًا، في منتصف عام 2025، قام الجيش النيجيري بقصف عدد من المواقع التابعة للجماعة.
ووفق موقع "ساهارا ريبورترز"، تمول الجماعة نفسها من خلال عمليات فرض الرسوم والحماية على الرعاة والزراع، وإدارة المزارع الخاصة بها، وإجبار السكان المحليين على العمل في تلك المزارع بشكل قسري، فضلًا عن قبول الصدقات والتبرعات والزكوات، وأخيرًا طلب الفديات، هذا بالإضافة إلى عمليات التعدين غير القانونية في البلاد.

وفي ولاية النيجر الغنية بالنفط، تحاول الجماعة التمدد في الولاية، وتحديدًا منطقة بورغو، إذ تعتمد الجماعة على خطاب ديني عبر إلقاء خطب الوعظ والإرشاد الديني، والحث على الأخلاق الإسلامية وعدم الولاء للدولة العلمانية، كما تعمل الجماعة على فرض نفسها كقاضٍ في النزاعات بين الأفراد الذين يقعون تحت حمايتها.
وتختلف الأقاويل حول نشأة تلك الجماعة، فالبعض يرجح أنها نشأت عام 2020، حيث كانت مهاجرة من شمال شرق نيجيريا إلى شمال غرب نيجيريا، وهنا يمكن تحليل انتقالها من الشرق إلى الغرب بأن تلك الفترة شهدت ضغوطًا متزايدة على بوكو حرام وتنظيم داعش، مما أدى إلى اغتيال كل من أبو بكر شيكاو وأبو مصعب البرناوي في عام 2021.
ثالثًا: جماعة "لاكوراوا"
تُعد ولايات الشمال الغربي، مثل ولايات صكتو وكوارا وكيبي، من أبرز معاقل تنظيمات الظل الإرهابية، ففيها تنتشر جماعة محمودة وأنصارو، وأخيرًا جماعة "لاكوراوا"، حيث تنتشر الأخيرة في ولايتي صوكتو وكيبي المتاخمتين للحدود مع كل من النيجر وبنين. وتُعد جماعة "لاكوراوا" من الجماعات الإرهابية العابرة للحدود، حيث تنتشر في نيجيريا والنيجر وبنين.
وكبقية الجماعات الإرهابية العاملة في الفضاء النيجيري، استغلت لاكوراوا حالة التخلف والفقر في الولايات الشمالية من أجل ملء الفراغ الأمني والسياسي في تلك المناطق، والسيطرة على المفاصل الاقتصادية لتلك الولايات، مثل الرعي والتعدين، وفرض الرسوم والإتاوات والضرائب المحلية.
وتتشابه "لاكوراوا" مع تنظيم "أنصارو" في الاستعانة بالعناصر الإجرامية واللصوص وقطاع الطرق، فلاكوراوا عبارة عن اندماج بين فصيلين، أحدهما جهادي والآخر إجرامي. كما تتشابه أيضًا مع أنصارو في حجم الصلات الترابطية بينها وبين جبهة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي، إذ يشير معهد الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا إلى أن الجناح الجهادي في لاكوراوا سبق أن هاجر من مالي إلى غرب نيجيريا خلال الفترة من 2015 إلى 2016، ويرتبط الجناح الجهادي بروابط وثيقة مع جبهة تحرير ماسينا، التي يقودها أمادو كوفا، أحد زعماء جبهة "نصرة الإسلام والمسلمين".

بدأ تنظيم لاكوراوا في البداية كتنظيم حمائي، استقطبه العديد من المحليين في مناطق شمال غرب نيجيريا لحمايتهم من قطاع الطرق واللصوص، وسرعان ما تحول التنظيم من مجرد تنظيم حمائي إلى تنظيم جهادي يريد فرض سيطرته على ولايات شمال غرب نيجيريا، مستغلًا حالة الانعدام الأمني في تلك المناطق.
وختامًا:
السنوات الأخيرة، خاصة ما بعد جائحة كورونا، شهدت تشكل العديد من التنظيمات الإرهابية في شمال نيجيريا بعيدًا عن منطقة بحيرة تشاد، مستغلة حالة الفقر وانعدام الأمن في تلك المناطق. ولعل خطورة الأمر تكمن في أن الولايات الشمالية الغربية التي تنتشر فيها تلك الجماعات تُعد أقرب إلى ولايات الوسط النيجيري، خاصة ولاية النيجر الغنية بالنفط، وبالتالي في حال تمدد تلك الجماعات ستكون هناك تهديدات للتدفقات النفطية النيجيرية. ونقطة أخرى يجب التنويه والتنبيه إليها، وهي اقتراب انتشار جماعات الظل من الولايات التي تشهد انقسامًا طائفيًا بين المسلمين والمسيحيين، وهو ما قد يترتب عليه زيادة في انتشار الجرائم الطائفية وتعزيز الانقسام الإسلامي–المسيحي في نيجيريا.



