رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

خطر البلقنة وفوضى السلاح: حسابات التراجع الأمريكي عن ضرب إيران

الاحتجاجات في طهران
الاحتجاجات في طهران - أرشيفية

شهد العالم نهاية الأسبوع الماضي تسارعًا في الأحداث وترقّبًا لاحتمالية شنّ ضربة عسكرية أمريكية ضد النظام الإيراني، إلا أنه، وفي اللحظات الأخيرة، تم التراجع الأمريكي عن توجيه الضربة المنتظرة تحت ذريعة أن النظام الإيراني توقف عن عمليات الإعدامات المقررة. وعقب ذلك، خرجت الصحف الإسرائيلية لتفيد بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طلب من الرئيس الأمريكي توقيف الضربات الأمريكية لوجود عجز في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلي، وأنها قد تكون غير قادرة على صدّ الضربات الصاروخية الإيرانية.

مما لا شكّ فيه أن النظام الإيراني، خلال الأشهر الستة الماضية، تعرّض لأقصى درجات الضغط السياسي والعسكري التي كانت تستهدف إسقاطه. ففي يونيو 2025 تعرّضت إيران لضربات جوية إسرائيلية–أمريكية مكثفة نجحت في تدمير جزء كبير جدًا من البرنامج النووي الإيراني، واستهداف علمائه، كما تم استهداف البرنامج الصاروخي الإيراني. وبعد خفوت هدير المعارك بستة أشهر فقط، اندلع هدير التظاهرات الصاخبة التي عمّت المدن والأقاليم الإيرانية، مما دفع العديد، بل الكثير من المتابعين، إلى احتساب عدد الأيام الأخيرة للنظام الإيراني، وذلك بعد التهديد الأمريكي بالتدخل عسكريًا في حال تزايد عمليات القمع الإيراني.

بلغ الأمر ذروته مع مرور الذكرى السابعة والأربعين لفرار الشاه الإيراني في 16 يناير 1979، وبدا العالم يحبس أنفاسه انتظارًا للضربة الأمريكية التي سرعان ما تراجع ترامب عنها. وقيل وقتها إن الطائرات الأمريكية كانت بالفعل محلّقة في انتظار الضوء الأخضر لإطلاق حممها تجاه الأهداف الإيرانية.

ترامب ونتنياهو
ترامب ونتنياهو

ما دار خلف الكواليس ما زال في طيّ الكتمان بين جميع الأطراف، إذ تدور الأقاويل حول وساطات عربية خاصة من مصر وقطر دفعت واشنطن للتراجع عن قرارها بضرب إيران، وأقاويل أخرى حول رفض إسرائيلي لتلك الضربات خوفًا من الانتقام الإيراني، وأقاويل أخرى متعلقة بتراجع طهران عن تنفيذ الإعدامات، وبالتالي تم توفير الحجة السياسية للتراجع عن تلك الضربات.

لذا سنحاول الاقتراب بصورة متقدمة من الرواية الصحيحة المفسّرة للتراجع الأمريكي عن ضرباته العسكرية ضد النظام الإيراني، وللوصول إلى إجابة شافية حول هذا الموضوع يمكن بلورة تساؤل آخر، وهو: ماذا لو أقدمت واشنطن على تنفيذ ضرباتها؟ وما أثر ذلك على إيران ودول المنطقة؟

انهيار نظام الملالي

من المحتمل أنه لو تم تنفيذ الضربات الأمريكية على الأهداف والمواقع الإيرانية، سيؤدي ذلك إلى زعزعة النظام الإيراني وربما انهياره، أو احتمالية حدوث انقلاب عسكري يقوده الجيش الإيراني أو قوى من الحرس الثوري الإيراني، مغيرًا خريطة الساحة السياسية الإيرانية، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى العديد من السيناريوهات الكارثية، سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي، ومنها على سبيل المثال:

أولًا: سيناريو البلقنة الإيرانية

سيؤدي ضعف النظام الإيراني أو انهياره إلى حدوث ظاهرة البلقنة السياسية، وهي الظاهرة التي تواكب انهيار الأنظمة السياسية في العديد من الدول الكبرى، مثلما حدث سابقًا مع الدول البلقانية الكبرى كالاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، حيث تفككت الدول الأخيرة إلى العديد من الدول الأخرى. وتُعد يوغوسلافيا مشابهة في تكوينها العرقي للتركيبة العرقية الإيرانية التي تتكون من فسيفساء عرقية متنوعة تضم الفرس والعرب والأذريين والأكراد واللور والبلوش والتركمان، إذ من المحتمل أن تتفكك إيران إلى ما لا يقل عن ثماني دول. ومن المؤكد أن مخاض ميلاد تلك الدول سيكون ناتجًا عن حروب أهلية طاحنة في البلاد، يتبعها انعدام للأمن. وجدير بالذكر أن المجتمع الدولي حاليًا، بزعامة الولايات المتحدة، غير قادر على مواجهة أية أزمات سياسية أو أمنية ناجمة عن تفكك النظام الإيراني، ومن هنا يمكن القول إن سوداوية المشهد الإيراني فور رحيل نظام الملالي قد تكون دافعًا لإيقاف محاولات إسقاطه حاليًا.

الرئيس الإيراني - مسعود بزشكيان 
الرئيس الإيراني - مسعود بزشكيان 

ثانيًا: عموم الفوضى في المنطقة

من المؤكد أن النظام الإيراني، في حال تعرضه لضربات مميتة من قبل الجيش الأمريكي، سيدفعه ذلك إلى الرد على الضربات العسكرية الأمريكية بإشعال الفوضى في منطقة الشرق الأوسط، عبر توجيه ضربات عسكرية صاروخية إلى الضفة الأخرى من الخليج العربي، مستهدفًا الأهداف والقواعد العسكرية الأمريكية والمصالح الخليجية في قطر والسعودية والكويت، مثلما حدث في الثمانينيات حينما استهدف الحرس الثوري ناقلات النفط الكويتية ودعم الجماعات المسلحة في الخليج. كما لن يقتصر بثّ الفوضى على الخليج، بل سيمتد إلى إسرائيل عبر توجيه رشقات صاروخية إلى الداخل الإسرائيلي، مكلّفًا تل أبيب المزيد من الخسائر الاقتصادية. ولعل هذا الافتراض يفسر قيام دول مثل السعودية وقطر ومصر وإسرائيل بحثّ الرئيس الأمريكي على إيقاف تهديده بضرب إيران، فدول المنطقة غير مستعدة لما يُسمّى بالإرهاب الإيراني في حال تعرض نظام الملالي لخطر شديد.

ثالثًا: فوضى الأسلحة النوعية الإيرانية

على مدار السنوات والعقود الماضية، حرص النظام الإيراني على تطوير ترسانته من الأسلحة غير التقليدية، مثل السلاح النووي والكيميائي، مدعومًا ببرنامج صاروخي باليستي متميّز، الأمر الذي يفتح التساؤل حول مصير تلك الترسانة المخبأة في كهوف الجبال، والبعيدة عن أعين الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، في حال سقوط نظام الملالي، وكيف ستساهم تلك الأسلحة في إضعاف الأنظمة السياسية في مختلف دول العالم. وللعلم، فإن سقوط الجيش الليبي عام 2011 ساهم في تهريب كمية غير معقولة من الأسلحة إلى الجماعات المتطرفة في منطقة الساحل وشمال مالي، مما أدى إلى بزوغ الجماعات الإرهابية في تلك المنطقة على مدار عقدين من الزمان، وباتت تلك الجماعات أقرب إلى إسقاط حكومات المنطقة والسيطرة على الحكم في مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو. لذا يجب الحذر من محاولات إسقاط النظام الإيراني، فترسانة الأسلحة لديه غير عادية، ويمكن أن تتسبب في تدمير الأمن القومي لدى العشرات من الدول في منطقة الشرق الأوسط الأدنى ودول آسيا الوسطى، فارتدادات الأزمة الإيرانية سيكون تأثيرها عالميًا وليس إقليميًا.

المرشد الإيراني - أرشيفية 
المرشد الإيراني - أرشيفية 

رابعًا: النظام الإيراني ليس له بديل

لعل هذه النقطة تُعد سببًا أوليًا لتراجع واشنطن عن ضربتها ضد إيران، فنظام الملالي ليس له بديل فعلي على الأرض، وهو ما عبّر عنه الرئيس دونالد ترامب بشكل غير مباشر حين ألمح إلى عدم قدرة نجل الشاه السابق رضا بهلوي على حشد الدعم الإيراني له، وبالتالي فإن المقابل المحتمل لسقوط النظام الإيراني هو الفوضى في الداخل والخارج.

ختامًا:

 لا يمكن قراءة التراجع الأمريكي عن توجيه ضربة عسكرية لإيران بوصفه قرارًا عابرًا أو ضعفًا في الإرادة السياسية، بل باعتباره نتاج حسابات معقدة تتجاوز إسقاط النظام إلى تداعيات ما بعده. فواشنطن تدرك أن انهيار نظام الملالي لا يعني بالضرورة ولادة نظام أكثر استقرارًا أو قربًا من الغرب، بل قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، تبدأ ببلقنة الدولة الإيرانية، ولا تنتهي بفوضى السلاح وانتقالها إلى الإقليم والعالم.

لقد بدا واضحًا أن كلفة الضربة، في ميزان المصالح الأمريكية وحسابات الأمن الإقليمي، تفوق مكاسبها المحتملة، خاصة في ظل غياب بديل سياسي جاهز قادر على ملء الفراغ، ووسط هشاشة دول المنطقة أمام أي انفجار واسع النطاق. من هنا، اختارت واشنطن إدارة الأزمة بدل تفجيرها، وتأجيل خيار المواجهة العسكرية المباشرة، انتظارًا لظروف دولية وإقليمية أكثر ملاءمة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء