هروب داعش من السجون: صراع مظلوم عبدي وأحمد الشرع يعيد التنظيم للمشهد
أعاد هروب عدد من عناصر تنظيم "داعش" من مراكز احتجاز في الشمال السوري تسليط الضوء على هشاشة المشهد الأمني في المنطقة، وعلى التحديات المستمرة التي تواجهها القوى المحلية والدولية في ملف مكافحة التنظيم. ويأتي هذا التطور في سياق معقد تتداخل فيه الانقسامات العسكرية والتجاذبات السياسية، ما يثير تساؤلات جدية حول تأثير هذه الحوادث على نشاط التنظيم وقدرته العملياتية خلال المرحلة المقبلة.
وقالت الداخلية السورية في بيان لها أنها تكشف جهودها لملاحقة الفارين من عناصر داعش من "سجن الشدادي"، بينما اتهم مسؤول في قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، الحكومة السورية بإطلاق 1500 سجين منتمين لداعش من "سجن الشدادي"، بهدف إثارة الأوضاع الداخلية في الشمال السوري خلال المواجهات الدائرة بين الطرفين بعد تعثر الاتفاقات بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي حول حقوق الأكراد في المشهد السوري.
وبحسب مصادر محلية، فإن عمليات الهروب وقعت في مناطق تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وسط حديث عن ثغرات أمنية ناجمة عن الضغط العسكري، ونقص الإمكانات، واتساع رقعة المسؤوليات الأمنية. وقد رافقت هذه الحوادث حالة استنفار واسعة، شملت حملات تمشيط وإجراءات أمنية مشددة، في محاولة لاحتواء تداعياتها ومنع الفارين من إعادة الاندماج في شبكات التنظيم.

ولا يُنظر إلى هذه الحوادث باعتبارها مجرد اختراق أمني عابر، بل تُعد مؤشرًا على سعي "داعش" إلى استثمار أي فراغ أو ارتباك أمني لإعادة تنشيط خلاياه النائمة. فالتنظيم، رغم خسارته السيطرة الجغرافية، ما زال يعتمد على استراتيجية "الاستنزاف" والضربات المحدودة، مستفيدًا من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المناطق، ومن الانقسامات بين القوى المتصارعة على الأرض.
وتكمن خطورة هروب هذه العناصر في طبيعة الخبرات التي يحملها الفارّون، إذ يضم العديد منهم مقاتلين سابقين يمتلكون خبرة ميدانية وقدرة على التخفي والتواصل السري. ويُرجح مراقبون أن يسعى التنظيم إلى توظيف هؤلاء في تنفيذ عمليات نوعية محدودة، أو في إعادة بناء شبكات الدعم اللوجستي والدعائي، بدلًا من السعي إلى السيطرة المباشرة على الأراضي كما كان في السابق.
التموضع الجغرافي
وتُعتبر عملية هروب عناصر التنظيم من السجون السورية بمثابة قبلة الحياة التي تمنحه مساحة من التمدد والانتشار، وإعادة صياغة تموضعه في ظل التدهور الأمني والصراع الدائر حاليًا بين قوات الأمن الداخلي التابعة لحكومة أحمد الشرع وبين قوات سوريا الديمقراطية، خاصة أن التنظيم ينفذ سيناريوهات "اقتحام السجون" في إطار عقيدة راسخة، تحت لافتات متعددة مثل "استراتيجية هدم الأسوار" أو "فك العاني" (تحرير الأسير). وتدور جميعها حول طرق تهريب العناصر التكفيرية من داخل السجون، وفقًا لمرجعية شرعية تم صياغتها على أيدي عدد من رموز تيارات السلفية الجهادية، أمثال "أبو جندل الأزدي" أو فارس بن أحمد آل شويل الزهراني، المنظّر الشرعي لتنظيم "القاعدة"، الذي نُفذ فيه حكم الإعدام في فبراير 2016 بالمملكة العربية السعودية.

ويتوزع المعتقلون من مقاتلي تنظيم "داعش" على 26 سجنًا، بينها 7 سجون مكتظة في مدن وبلدات خاضعة لسيطرة "قسد"، أكبرها سجن غويران أو الصناعة، والذي يقع في مدينة الحسكة، ويضم معتقلين من جنسيات مختلفة.
اقتحام السجون
وقد نفذ التنظيم (22) عملية استهدفت السجون التي تحولت إلى مسرح للهجمات المميتة في البقع الجغرافية التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية"، مثلما فعل في واقعة تهريب عناصره المحتجزين في سجن "غويران" في أغسطس 2023، والذين يُقدر عددهم بأكثر من 5000 تكفيري، ما أسفر عن مقتل أكثر من 180 داعشيًا و120 جنديًا من قوات "قسد". وكذلك واقعة الهجوم على "سجن الصناعة" بمدينة الحسكة في 20 يناير 2022، والتي استمرت لمدة 9 أيام متصلة، وأسفرت عن مقتل 100 من عناصر التنظيم وقرابة 140 عنصرًا من قوات "قسد"، في إطار الاعتماد على استراتيجية "الذئب المنفلت" التي ترتكز على الهجوم المباغت بهدف تحرير المقاتلين، وضرب صفوف العدو، واغتنام الأسلحة دون السيطرة على الأرض، وذلك وفق بيانات شركة الأبحاث "جهاد أناليتكس" المتخصصة في تحليل أنشطة الجماعات الأصولية.

وتعمل استمرارية استراتيجية تنظيم "داعش" على استغلال فرصة اشتعال الانقسامات الطائفية، والخلافات بين الفصائل الأصولية المسلحة التي تتنوع ما بين المنهجية الفكرية القاعدية والداعشية، وغياب رؤيتها السياسية، والتي تعمل في إطار أجندات المصالح الإقليمية ما بين التركية والإيرانية والروسية، ناهيك عن انهيار الوضع الاقتصادي والمعيشي، وتدهور الخدمات الأساسية في الكثير من مناطق البلاد، ما يدفع إلى كسب الدعم واستدراج المنتسبين الجدد، وبناء القواعد والخلايا في المناطق الحضرية.
كما أن التوترات القائمة بين الأطراف الفاعلة في الشمال السوري، وغياب آلية تنسيق شاملة لإدارة ملف السجون والمعتقلين، يوفّر بيئة ملائمة لتحركات التنظيم. فالتجاذبات السياسية والأمنية لا تضعف فقط من كفاءة المواجهة، بل تمنح "داعش" فرصة للمناورة واستغلال الثغرات، خاصة في المناطق التي تشهد تداخلًا في النفوذ وتعددًا في مراكز القرار.
ويعكس هروب عناصر "داعش" من الشمال السوري تحديًا أمنيًا متجددًا، ويؤكد أن مرحلة ما بعد "الخلافة" لا تعني نهاية التنظيم، بل انتقاله إلى نمط أكثر مرونة وخطورة. وبينما تعتمد قدرة التنظيم المستقبلية على حجم العناصر الفارّة ومدى نجاحها في إعادة التنظيم، يبقى احتواء هذا التهديد مرهونًا بتعزيز التنسيق الأمني، ومعالجة جذور الهشاشة السياسية والعسكرية التي ما زالت تمنح التنظيم فرصًا للبقاء والمناورة.

الضعف السياسي والأمني
مع سقوط النظام السوري السابق وتدهور البنى الأمنية في مناطق واسعة من البلاد، ظهرت ثغرات استثمرها التنظيم لإعادة بناء شبكاته. وفي العراق، ما زالت بعض المناطق الحدودية والمناطق الريفية تشهد ضعفًا في الوجود الأمني، ما يوفر متنفسًا لخلايا داعش. وتؤكد التقارير الغربية والعربية أن التنظيم بدأ بإعادة تنشيط خلاياه النائمة عبر توزيع الأسلحة، وتحديد أهداف عملياتية، وزيادة حملات التجنيد، مستغلًا تلك الفراغات لتوسيع نفوذه، فضلًا عن التدهور الاقتصادي الذي ساهم في خلق بيئة هشة اجتماعيًا، ما يزيد من فرص تجنيد عناصر جديدة.
ولا شك في أن التراجع النسبي للتنسيق الدولي بعد انتهاء التحالف العسكري المكثف ضد داعش ترك فراغًا في بعض المناطق، وهو ما يسعى التنظيم لاستغلاله حاليًا. كما أن التوترات السياسية الجديدة في سوريا والعراق أدت إلى تشتيت الموارد الأمنية بعيدًا عن متابعة أوسع لتنظيمات مثل داعش.
النشاط الميداني
في سوريا، عادت عمليات داعش إلى الواجهة في مناطق ريفية ونائية مثل دير الزور، حيث نفذ التنظيم هجمات أسفرت عن سقوط قتلى بين قوات محلية، مثل قوات سوريا الديمقراطية، مما يبرز مستوى تهديد حقيقي رغم فقدان التنظيم لسيطرته على الأرض.

وفي مايو 2025، تبنّى التنظيم أول هجوم مباشر ضد القوات الحكومية السورية الجديدة منذ سقوط الأسد، باستهداف آلية عسكرية في السويداء عبر عبوة ناسفة. هذا الهجوم، رغم تواضعه مقارنة بعملياته السابقة، يمثل بوادر عمل عسكري متواصل يهدف إلى إظهار قدرة التنظيم على الحركة حتى في بيئة أمنية جديدة. فبحلول نهاية عام 2025، تضمنت أنشطة داعش هجمات استهدفت قوات التحالف الداعمة للحكومة السورية الجديدة، بما في ذلك كمين أسفر عن مقتل عناصر من القوات الأمريكية، إلى جانب عمليات محلية في البادية السورية التي شهدت تنامي نشاط الخلايا، واستهداف خطوط الإمداد أو القوات المحلية، فضلًا عن ارتفاع عدد الهجمات التي تم إحباطها من قبل الأجهزة الأمنية السورية والعراقية بنحو 12 مخططًا كبيرًا، ما يدل على وجود نية تنفيذ متكررة.
كما تبنّى التنظيم هجمات ضد القوات الحكومية السورية الجديدة، مثل تفجير عبوة ناسفة في السويداء، وتفجير مسجد الإمام "علي بن أبي طالب" في حي وادي الذهب بحمص وسط سوريا، التابع للطائفة العلوية، وذلك أثناء أداء المصلين لصلاة الجمعة، عن طريق زرع عبوات ناسفة داخل المسجد، ما أسفر عن مقتل 8 أشخاص وإصابة 18 آخرين.
الحدود العراقية
وفي العراق، وعلى الرغم من جهود مكافحة الإرهاب المستمرة التي تشمل اعتقالات وتفكيك شبكات داعش، فإن التنظيم ما زال قادرًا على تنفيذ هجمات صغيرة ومتوسطة، خصوصًا في محافظات مثل نينوى والأنبار. كما ضبطت الأجهزة الأمنية العراقية أكثر من 1000 وثيقة مرتبطة بعناصر داعش خلال عام 2025.
وفي ظل الأنباء الأخيرة عن هروب عناصر داعش من داخل سجن الشدادي، انتقل رئيس أركان الجيش العراقي، الفريق أول قوات خاصة الركن عبد الأمير رشيد يار الله، إلى الشريط الحدودي مع سوريا للاطلاع على الأوضاع الأمنية ودرجة الاستعداد هناك.

وذكر بيان لوزارة الدفاع، خلال الساعات الماضية، أن زيارة رئيس أركان الجيش العراقي تتزامن مع تصاعد حدة التوترات والمواجهات العسكرية بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية في شمال وشرق الدولة الجارة، وهروب عدد كبير من عناصر داعش من السجون التي تحتجزهم هناك.
وتتميز عمليات التنظيم الحالية بالمرونة والسرية، إذ يعتمد داعش على خلايا صغيرة متنقلة، ويستفيد من التضاريس الجبلية والصحراوية، مع التوجه نحو استخدام العبوات الناسفة والسيارات المفخخة، والهجمات على الطرق والمواقع العسكرية. هذا الأسلوب يسمح له بتحقيق تأثير عالٍ دون الحاجة للسيطرة المباشرة على الأراضي، وهو ما يمثل تغييرًا استراتيجيًا عن تجربة "الخلافة" السابقة التي انهارت أمام الضغط العسكري المكثف.
وشهدت السنوات الأخيرة تصاعد نشاط تنظيم داعش في سوريا والعراق بعد تراجع نشاطه النسبي إثر الهزائم العسكرية التي مُني بها بين عامي 2017 و2019، ما دفع التنظيم إلى إعادة ترتيب صفوفه وتوسيع عملياته بأساليب أكثر مرونة وخفاء. ويعكس هذا التحرك قدرة التنظيم على التعافي رغم الضغوط الأمنية المحلية والإقليمية والدولية، ويطرح تحديات استراتيجية أمام السلطات العراقية والسورية، فضلًا عن الدول الإقليمية المتأثرة بالنشاط الإرهابي.
الخلفية التاريخية
وتأسس تنظيم داعش في العراق وسوريا كامتداد لتنظيم القاعدة في العراق، واستغل فراغ السلطة في المناطق المتأثرة بالصراعات الداخلية والفوضى السياسية لفرض سيطرته مؤقتًا على مساحات واسعة. وبعد الهزائم العسكرية الكبيرة بين عامي 2017 و2019، لجأ التنظيم إلى العمل بشكل شبكي قائم على خلايا صغيرة، واعتمد أساليب الهجمات الانتحارية، والتفجيرات الدقيقة، والاغتيالات، والهجمات على نقاط التفتيش والمناطق النائية.

وما زالت قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة عبر القيادة المركزية (سنتكوم) تواصل عملياتها ضد داعش في العراق وسوريا. ففي عام 2025 وحده، نفذت "سنتكوم" شتى العمليات ضد التنظيم، مستهدفة خلاياه ومواقعه في مناطق متعددة، وقامت باعتقال وقتل عناصر من التنظيم في إطار حملة عسكرية. وفي ديسمبر 2025، أطلقت "سنتكوم" عملية "عين الصقر" لضرب أهداف داعش في وسط سوريا باستخدام طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية، ما يبرز استمرار الجهد العسكري الدولي لمواجهة التنظيم.



