الصوفية في الصومال..إرث روحي وصراع على النفوذ الديني
يُعد التصوف في الصومال أحد أهم المكوّنات الدينية والاجتماعية التي ساهمت في تشكيل هوية المجتمع الصومالي على مدار قرون طويلة. فقبل أن يتحول الصومال إلى ساحة للصراعات السياسية والإثنية، كانت الزوايا الصوفية والمراكز العلمية المتصلة بها تمثل القلب النابض للمدينة الصومالية، ومركزًا لتربية الأجيال وتعليم اللغة العربية والعلوم الشرعية، إلى جانب كونها عاملًا مهمًا في الحفاظ على الوحدة المجتمعية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
ورغم أن الصوفية لم تكن منخرطة بشكل مباشر في السياسة الصومالية خلال قرون طويلة، إلا أن دورها في الحياة الاجتماعية والدينية كان واضحًا، حتى أصبحت الزوايا الصوفية مرجعًا في حل النزاعات وإدارة العلاقات القبلية. لكن التحولات السياسية والاقتصادية والفكرية في القرن العشرين، وخصوصًا بعد استقلال الصومال، أدت إلى تراجع تدريجي في نفوذ التصوف، وتراجع دور الزوايا، وظهور تيارات إسلامية جديدة أعادت تشكيل المشهد الديني في البلاد.

التصوف في شرق إفريقيا
تتفق غالبية المصادر التاريخية على أن الطرق الصوفية لعبت دورًا كبيرًا في نشر الإسلام بطريقة سلمية في كثير من بقاع العالم، وكان ذلك بارزًا في منطقة شرق إفريقيا، والصومال بشكل خاص. إذ لم يكن انتشار الإسلام في الصومال مقتصرًا على حملات الفتوحات أو الغزوات، بل كان مرتبطًا بحركة الهجرات العربية وغير العربية إلى المنطقة منذ القرون الأولى من فجر الإسلام.
ويربط بعض المؤرخين وصول الإسلام إلى شرق إفريقيا بمرحلة مبكرة جدًا، ويذهبون إلى أن الإسلام وصل إلى هذه المنطقة قبل وصوله إلى المدينة المنورة، مستندين في ذلك إلى الهجرتين الأولى والثانية إلى الحبشة، حين فرّ المسلمون الأوائل بدينهم من بطش قريش، في وقت كانت الدعوة الإسلامية تواجه معارضة عنيفة من جانب كافّري قريش، الذين اعتبروا الإسلام تهديدًا لموروثهم الديني القائم على عبادة الأصنام.
وقد ارتبط الإسلام تاريخيًّا بنشوء الدولة الصومالية التقليدية، وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وإدارة الحياة الاقتصادية، وظل كذلك حتى عند نشوء الدولة الحديثة، فيما عدا فترة حكم محمد سياد برّي التي استندت إلى مبادئ الاشتراكية العلمية وأهداف الثورة، بوصفها الإطار الأيديولوجي، ومع ذلك حافظت، في دستور 1979م، على النص على أن الإسلام هو دين الدولة.

وفي الوقت الحاضر، ينصّ الدستور الصومالي المؤقت، صراحةً على أن الإسلام هو دين الدولة، ويؤكد على الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية بوصفها مصدرًا أساسيًّا للتشريع. كما يحظر الدستور أيّ نشاط دعوي علني يهدف إلى نشر ديانات أخرى داخل المجتمع الصومالي، الأمر الذي يعكس المكانة الحصرية للإسلام في المجال العام، ويؤكد الطابع الإسلامي للدولة والمجتمع على السواء.
وتشير الأدبيات إلى أنّ الدين في الصومال "ليس مجرد منظومة اعتقادية، بل مؤسسة اجتماعية تُنظّم السلوك الفردي والجماع، لذلك فإن فهم المجتمع الصومالي دون تحليل الدور المركزي للدين يبقى فهمًا ناقصًا.
الخلفية التاريخية
دخل الإسلام إلى الصومال منذ القرن السابع الميلادي عبر التجار العرب القادمين من الجزيرة العربية، مستفيدين من الروابط التجارية القديمة عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي، هذا بجانب الهجرات المتتالية لمجموعات قَبَلِيَّة وأُسَرية أو دينية. وتشير العديد من المصادر التاريخية إلى أنّ "الصوماليين من أوائل المجتمعات الإفريقية التي اعتنقت الإسلام بشكل شامل"، وأنّ انتشار الزوايا والطرق الصوفية مؤخرًا، في القرن 18 والقرن 19، لعب دورًا محوريًّا في تعميق الانتماء الديني.

وقد لعبت الهجرة المبكرة لبعض المسلمين إلى الحبشة دورًا غير مباشر في ترسيخ العلاقات الدينية والثقافية بين شبه الجزيرة العربية وساحل القرن الإفريقي، الأمر الذي مهَّد لانتشار الإسلام تدريجيًّا بين المجتمعات الصومالية الساحلية، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى الداخل عبر شبكات التجارة والدعوة.
ومع مرور الوقت، أسهم تأسيس المدن الساحلية الإسلامية مثل زيلع، وبربرة، ومقديشو في تعزيز الحضور الإسلامي؛ حيث أصبحت هذه المدن مراكز للتعليم الديني والفقه الشافعي، ونقاط انطلاق لنشر الإسلام بين القبائل الصومالية.
وبحلول القرون الوسطى، كان الإسلام قد أصبح الدين السائد في الصومال، ومكوّنًا أساسيًّا في تشكيل الهوية الثقافية والسياسية للمجتمع الصومالي؛ حيث اندمج مع الأعراف القبلية وأسهم في تنظيم العلاقات الاجتماعية والقانونية.
دور الطرق الصوفية
أسهمت الطرق الصوفية إسهامًا محوريًّا في ترسيخ الهوية الإسلامية في المجتمع الصومالي، فقد مثَّلت إطارًا تربويًّا واجتماعيًّا مرنًا مَكَّن الإسلام من الاندماج السَّلِس في البِنى القبلية والثقافية المحلية، وأسهمت في ترسيخه في منظومة القيم والسلوك اليومي.

بدأ انتشار التصوف في الصومال بصورة واضحة منذ القرن الخامس عشر الميلادي، متزامنًا مع توسُّع شبكات العلماء والتجار القادمين من اليمن والحجاز وشرق إفريقيا. وتُعدّ الطريقة القادرية أقدم الطرق الصوفية وأكثرها انتشارًا؛ حيث دخلت إلى الصومال في القرن الخامس عشر عبر العلماء الوافدين من الجزيرة العربية، وسرعان ما انتشرت في المدن الساحلية ثم في الأقاليم الداخلية.
وفي القرن التاسع عشر، شهد الصومال توسّعًا ملحوظًا للطرق الصوفية، خاصةً الطريقة الأحمدية (الإدريسية)، التي لعبت دورًا بارزًا في تعزيز التعليم الشرعي، ثم الطريقة الصالحية التي ارتبطت لاحقًا بالحركات الإصلاحية والمقاومة ضد الاستعمار الأوروبي.
ومع مرور الزمن، أصبح التصوف في شرق إفريقيا – وعلى رأسها الصومال – ليس مجرد منهج روحي، بل وسيلة لتعليم الإسلام، ونشر اللغة العربية، وبناء مراكز دينية وعلمية. لذلك، يمكن القول إن الصوفية كانت عاملًا مهمًا في تثبيت الهوية الإسلامية في الصومال، وجعلت من الزوايا منارات علمية تخرج العلماء والفقهاء، وتعمل على نشر التعاليم الدينية بأسلوب يتوافق مع خصوصية المجتمع الصومالي.

مقاومة الاحتلال
كان للتصوف أدوار طلائعية في مقاومة الاستعمار، وفي نشر التعليم الديني، وفي بناء المؤسسات الاجتماعية، فقد تصدرت مقاومة المستعمر في العديد من البلدان الإفريقية، فمثلًا شهد مطلع القرن العشرين ثورة الصوفيَّة الصوماليَّة على المستعمر البريطاني بقيادة محمد بن عبدالله حسن، الذي لقبه الإنجليز بـ"الملا المجنون" ونجح في التغلب على القوات البريطانية في العديد من المواقع الحربية مثل غزوة "طيغ ـ حوض الدم" في أبريل 1901 وأيضًا غزوة "بير طغة" في أكتوبر 1902 وأخيرًا موقعة "عفاروينة" فى 17 أبريل 1903 وفي المعركة الأخيرة انتصر على تحالف عسكري مكون من القوات البريطانية والإيطالية.
خريطة الطرق الصوفية
تنتشر في الصومال عدة طرق صوفية، لكن يمكن حصر الأكثر تأثيرًا في ثلاثة طرق رئيسية، هي: القادرية، والأحمدية، والصالحية (أو الرشيدية).
أولًا: الطريقة القادرية
تُعد الطريقة القادرية أقدم الطرق الصوفية التي وصلت إلى شرق إفريقيا، عبر التجار والمهاجرين اليمنيين، وانتشرت في المدن الساحلية مثل مصوع وزيلع ومقديشو وهرر، وتنسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني (471هـ/1077م)، الذي ترعرع في جيلان ثم انتقل إلى بغداد (488هـ/1095م)، حيث تتلمذ على كبار الشيوخ، واشتغل بالوعظ والتعليم، ثم اتجه إلى التصوف ومجاهدة النفس والخلوة. ويُعد الشيخ عبد القادر الجيلاني من أشهر رجال التصوف في التاريخ الإسلامي، ويُنظر إليه على أنه رمز روحي كبير في عدد من البلدان الإسلامية، بما في ذلك الصومال.

في الصومال، لعب أتباع القادرية دورًا دينيًا وعلميًا واضحًا، إذ أنشأوا مراكز علمية وزوايا وروابط دينية، وخرجت من هذه المؤسسات جماعات من الفقهاء والمريدين الذين ساهموا في نشر الإسلام في إثيوبيا وإريتريا وتنزانيا والصومال. ومن أبرز مؤسسي القادرية في الصومال الشريف أبو بكر بن عبد الله العيدروس (توفي 1503م)، ثم الشيخ حسين نور المعروف بـ "حسين بالي"، الذي تقول الروايات الشفهية إنه جاء من بغداد لنشر الطريقة.
كما برز في الصومال دعاة كبار مثل الشيخ محيي الدين القحطاني (1794-1869م)، والشيخ عبد العزيز بن عبد الغني الأموي (1834-1896م)، الذي تولى القضاء في عهد السيد سعيد وابن السلطان ماجد، وأُسس أول مركز للقادرية في الصومال عام 1819 في بلدة بارطيري على نهر جوبا، على يد الشيخ إبراهيم حسن عيسى حبرو، ومن هذا المركز انتشرت القادرية في أنحاء البلاد، ومن كبار مشايخ القادرية المتأخرين الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله الشاسي، الذي أسس الزاوية القادرية في مقديشو وتوفي عام 1919م.
ثانيًا: الطريقة الأحمدية
تأسست الطريقة الأحمدية على يد أحمد بن إدريس الفاسي، الذي لم يكن صوفيًا فحسب، بل مصلحًا دينيًا، نادى بالاعتماد على الكتاب والسنة، وقد حمل الطريقة إلى شرق إفريقيا شيخ صومالي يسمى علي ميي درغبو، واهتم أتباعها بنشر الإسلام الصحيح وثقافته بين السكان، مع التركيز على تعليم العربية والعلوم الشرعية.

ثالثًا: الطريقة الصالحية (الرشيدية)
أسسها إبراهيم بن الرشيد وابن عمه محمد بن صالح، وانتشرت في الصومال، وكانت تعمل على إحياء الروح الإسلامية وتعميق فهم الدين ونشر الثقافة الإسلامية، ويعد السيد محمد عبد الله حسن، الذي حارب الاحتلال الأوروبي والحبشي، أحد أبرز أتباع هذه الطريقة في الصومال، وقد امتدت شهرة هذه الحركة إلى كونها جزءًا من التاريخ السياسي في الصومال، حيث ارتبطت بمقاومة الاستعمار.
التصوف والمجتمع الصومالي
احتلت الطرق الصوفية مكانة بارزة في المجتمع الصومالي، نظرًا لكون الصومال مجتمعًا إسلاميًا يُحب دينه ويقدّر العاملين عليه. وكانت الطرق الصوفية تُعتبر السلطة الدينية للمجتمع، إذ كان عليها قيادة المجتمع نحو "الوجهة الصحيحة" دينيًا وأخلاقيًا، خاصة أنها كانت تتجاوز الانقسامات القبلية، مما جعلها موضع ثقة عند كثير من أفراد المجتمع الصومالي.
ولعبت الزوايا الصوفية دورًا في حل النزاعات والمشكلات التي تعجز عن حلها الزعامات القبلية التقليدية، كما كانت تربي أبناء المجتمع على العلوم الشرعية والعربية، فتخرجت أجيال مسلحة بالعلم الشرعي واللغة العربية، ولم تكن الزوايا مجرد أماكن للعبادة، بل كانت مؤسسات تعليمية واجتماعية، تتضمن دورًا تربويًا وتنمويًا، وكان شيوخ الطرق يعملون كمرشدين ومعلمين ووسطاء في النزاعات.

تراجع الدور الصوفي
مع تحول المجتمع الصومالي نحو الحياة المدنية وبناء مؤسسات الدولة الحديثة، بدأت مكانة الطرق الصوفية تتراجع تدريجيًا، حتى يمكن القول إنه لم يكن لها وجود واضح في الحكومات المتعاقبة بين 1960 و1991م، ما أدى إلى تراجع نفوذها الاجتماعي.
الصوفية في زمن الحرب الأهلية
مع سقوط النظام العسكري واندلاع الحروب الأهلية في الصومال، لم يكن للصوفية دور بارز في تلك المرحلة، مقارنة بالتيارات الإسلامية الأخرى، باستثناء بارز، دور المحكمة الإسلامية في مقديشو، التي ترأسها الشيخ علي طيري، أحد علماء الطرق الصوفية، والتي ساهمت في استعادة الأمن في أجزاء واسعة من العاصمة.
وعلى الرغم من تراجع الدور الصوفي، لم تختفِ الصوفية تمامًا من المجتمع الصومالي، بل أعادت بعض الطرق النظر في سياساتها، وبدأت تتجه نحو أساليب جديدة في الدعوة والتعليم، فلم تعد تكتفي الزوايا والروابط التقليدية، بل اتجه بعض دعاة التصوف إلى ممارسة النظام التعليمي الحديث، ما أتاح لها تكوين نخبة من المثقفين وحاملي الشهادات العلمية (دكتوراه، ماجستير) في تخصصات متعددة، كما طورت بعض الطرق نظامها التدريسي، فأسست جامعتين على الأقل في مقديشو تقدّم تخصصات مختلفة، ما أعطى التصوف "نفسًا جديدًا" ووسع دائرة تأثيره.
وتجاوزت الصوفية حدود الزهد والعبادة إلى السياسة، عبر جماعة "أهل السنة والجماعة"، الذي يمثل الطرق الصوفية في الصومال، ويعد قوة سياسية وعسكرية في الأقاليم الوسطى، وقد خاض هذا التنظيم حروبًا دامية مع حركة الشباب الصومالية المتطرفة، في مناطق وسط الصومال منذ 2008م، في إطار صراع أوسع بين التيارات الإسلامية المختلفة.
الصوفية والعلاقات الخارجية
تبدو العلاقات الخارجية للطرق الصوفية الصومالية قد تطورت أيضًا، حيث استضافت الصومال فعاليات مؤتمر التصوف العالمي السابع لأول مرة في مقديشو، بمشاركة ممثلين من 11 دولة، من بينها تركيا والعراق ولبنان والسودان ومصر والمغرب والسنغال وجيبوتي وبريطانيا.
وتناول المشاركون في المؤتمر أوراقًا بحثية أكدوا فيها حاجة العالم الإسلامي لإحياء دور التصوف، وتشجيع المتصوفة لمواجهة التحديات التي تهدد العالم الإسلامي. كما استعرضوا جهود الصوفية في نشر تعاليم الإسلام الصحيح، والأدوار التي لعبتها في المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ.

الدين والهوية
يلعب الدين دورًا مركزيًا في تحديد الهوية في الصومال، إذ يرتبط الصومالي بمستويين متداخلين: الانتماء القبلي والانتماء الإسلامي. وبفضل الدين الإسلامي، تم إنشاء هوية "فوق-قبلية" تعبر عن وحدة رمزية تجمع أفراد المجتمع رغم الانقسامات العشائرية، وتوفر إطارًا للتعاون الاجتماعي والتنظيم السياسي.
الدين والقضاء
يبرز تأثير الإسلام في فض النزاعات عبر نظام "الحِير" (Xeer)، وهو مزيج من العرف القبلي والشريعة الإسلامية، حيث يقوم على المسؤولية الجماعية والتفاوض والوساطة بدل العقاب الفردي الصارم، ويعطي دورًا محوريًا لشيوخ العشائر كحكام عرفيين.
الدين والسياسة
يلعب الإسلام دورًا محوريًا في السياسة، حيث يمنح الشرعية للسلطة، ويشكل مرجعية للحركات الإسلامية، سواء التقليدية أو المسلحة، مثل الحركة الإسلامية في الصومال (ICU)، التي استندت في إدارتها لمناطقها إلى الشريعة الإسلامية، مما يعكس استمرار الدين كأداة شرعية للسيطرة السياسية.
التعليم الديني
التعليم الديني هو العمود الفقري للمعرفة التقليدية، حيث يمثل نظام "الدُّكسي" (Dugsi) المرحلة الأولى لتعليم الأطفال القراءة والكتابة وحفظ القرآن. ويعتمد هذا النظام على الحفظ والتلقين الشفهي، ويشرف عليه الشيخ أو المعلم القرآني. وقد أسهم هذا النظام في نشر الإسلام واللغة العربية، وترسيخ القيم الدينية المشتركة، بل وواصل دوره في الفترات التي ضعف فيها التعليم النظامي.
إرث مكتوب وثقافي
يُعد التراث الصوفي في الصومال غنيًا بالمؤلفات والرسائل التي تناولت العقيدة الصوفية، وتراجم المشايخ، والمناقب، والنقد، والدفاع. ومن أبرز هذه المؤلفات، مجموعة القلنقولي (خمسة رسائل) للشيخ عبد الله بن معلم يوسف القطبي، التي تضم رسائل تتعلق بالعقيدة، والردود على الخصوم، والتصوف، مع شعر ونثر، وتحتوي على قصائد مثل "الحاج صوفي" و"النفحة المسكية"، وكتاب "إرشاد الأذكياء في حكم التوسل بالأولياء" للشيخ علي بن حاج إبراهيم، الذي دافع فيه عن التوسل مستشهدًا بالأدلة القرآنية والنبوية، وكتاب "الفيوضات الربانية في المآثر والأوراد القادرية"، للحاج إسماعيل بن السيد محمد سعيد القادري، الذي يعرض للكرامات والأوراد القادرية.
وكذلك كتاب "الفيض الرحماني في نبذة من مناقب الجيلاني" للشيخ عبد الرحمن الزيلعي، الذي يتناول نسب الشيخ عبد القادر الجيلاني وسيرته وكراماته، وكتاب "الجوهر النفيس في خواص الشيخ أويس"، الذي يتناول ترجمة الشيخ أويس وطرق الانتماء للطريقة القادرية الأويسية، مع قصائد صوفية، وتظهر هذه المؤلفات مدى عمق الصوفية في الصومال، وامتدادها في الحياة الثقافية والعقدية، رغم الجدل الذي يحيط بها، وهو ما يؤكد أن التصوف لم يكن مجرد ممارسة دينية بل كان ثقافة وتاريخًا ومرجعًا فكريًا.

الصوفية والسلفية
الصراع بين الصوفية والسلفية في الصومال هو صراع قديم يتجدد حسب الظروف الاجتماعية والسياسية. فالتصوف يمثل تجربة روحية داخلية في علاقة الإنسان بالله، بينما السلفية تمثل التزامًا ظاهريًا بالنصوص، وقد نشأ التوتر بين الفريقين بسبب الاختلاف في فهم العقيدة وفروع الشريعة، وتطور إلى مواجهة سياسية في بعض الفترات، خاصة بعد انهيار الدولة الصومالية في 1991، وظهور الجماعات السلفية المسلحة.
انهيار الدولة
بعد انهيار الدولة الصومالية وبدء مرحلة التيه دخلت الجماعات السلفية عصرها الذهبي في الامتداد والانتشار وبلغت أوج قوتها في بداية التسعينات وقد أخذهم الغرور والعجب بعددهم وعتادهم وأخذوا السلاح لفرض مشروعهم الديني والسياسي بقوة السلاح بعد نجاح مشروعهم الفكري بقوة التنظيم والتمويل. وهنا حدثت الطامة الكبرى ودبٌ الشقاق والخلاف بين صفوفهم وظهرت تيارات سلفية شتى بعضها يعارض اخذ السلاح مثل السلفية الجديدة وبعضها يؤيده مثل الاتحاد الاسلامي وهناك أطراف اخرى اختارت العزلة والانطواء.
اما الصوفية بعد انهيار الدولة فقد منيت بانحسار نفوذها لصالح الجماعات الإسلامية الأخرى وانكمش دورها ودخلت عزلة قسرية في زواياها حتى ظهرت "حركة الشباب المجاهدين" في عام 2006 (سلفية جهادية تابعة لتنظيم القاعدة) وظهرت علنا أول ما ظهرت كذراع عسكري للمحاكم الاسلامية التي دخلت حروبًا مع زعماء الحرب الصوماليين ومع القوات الاثيوبية والحكومة الصومالية.
بدأت حركة "شباب المجاهدين" حملة شرسة لاجتثاث جذور الصوفية في المناطق التي سيطرت عليها وقامت بهدم أضرحة علماء صوفين كبار وإخراج رفات بعضهم وتدمير قبورهم مما استفز الشعور الديني للجماعات الصوفية الذين رأوْا في تصرفات الشباب إهانة لا تغتفر لرموزها الدينية. كانت استفزازات حركة الشباب بمثابة الصرخة المدوية التي أيقظت الصوفيين من سباتهم العميق منظمين صفوفهم واخذين السلاح للدفاع عن مقدساتهم ورموزهم الدينية.
قبل ظهور حركة الشباب، كانت الخلافات الأولى ببن الجماعات السلفية في الصومال فكرية بحتة ولم تتجاوز ذلك إلى مواجهات مسلحة، لكن خلال تلك المرحلة أصدرت حركة "الشباب" أحكاما بالردة على كل من لم ينضو تحت لوائها سواء كان سلفيا أم صوفيًا، ومن ثم نفذت عدة عمليات مسلحة استهدفت واغتيالات ف إطارها عددا من الرموز الدينية السلفية والصوفية، وعلى إثرها تشكل تيارا صوفيا مسلحا كرد فعل على الاعتداءات التي نفذتها جماعة "ِشباب المجاهدين"، تحت مسمى جماعة "أهل السنة والجماعة"، عام 2008، والذي تمكن من تحرير مناطق وسط الصومال من ميليشيات حركة الشباب والتنظيمات المرتبطة بها خاصة بعد معركة "جوارسيل" شمال مقديشيو،
على خلفية هذه المواجهات وخلال عام 2009، بدأت الجماعة في التوسع بالسيطرة على الأقاليم الوسطى بأكملها، ومحاولة التوسع أكثر في أقاليم أخرى مجاورة، من أبرزها جلجدود وبارطيري وولي وكساميو، واستطاعت طرد عدد كبير من عناصر الحركات المسلحة من الأقاليم الوسطى، وعقب هذه الانطلاقة المسلحة، اتسع نفوذ الجماعة، وكان أبرز أسباب ذلك الوضع القبلي الذي يهيمن على المشهد في البلاد، ودعم الحكومة الصومالية لها في سبيل محاربة تطرف حركة الشباب حيث شهد عام 2010 تحالفا بين الجانبين، إضافة إلى مباركة دولية لدعم الحكومات الإفريقية للجماعة الصوفية في مواجهة التطرف.
التحالف الذي تم بين الحكومة والجماعة الصوفية، تكلل في 2013 رغم وجود مساحات خلاف بين الجانبين، بانضمام قوات الجماعة إلى صفوف الجيش الصومالي، واندماج أفرادها فيه، وفي بداية عام 2014 شكلت جماعة "أهل السنة والجماعة" إدارة محلية في مناطق سيطرتها.

وخلال السنوات الأخيرة، شكّلت جماعة "أهل السنة" رقمًا صعبًا في مناطق وسط الصومال، وحاولت الحكومات المتعاقبة استمالتها، وكانت المحاولة الأنجح ما قامت به حكومة حسن علي خيري (2017-2020)، حيث قبلت جماعة "أهل السنة والجماعة"، بالمشاركة السياسية في إقليم جلمدج عام 2018، بعد تسوية منحتها تولى أحد اتباعها منصب رئيس الحكومة المحلية فيها.
التصوف كمنهج روحي
يُعرّف التصوف بوصفه منهجًا روحيًا يهدف إلى تزكية النفس، والارتقاء الروحي عبر مجاهدة النفس، والالتزام بالأوراد والأذكار، ومراقبة القلب، وتحقيق حالة من السكينة والطمأنينة. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار التصوف في الصومال جزءًا من الهوية الدينية والاجتماعية، فهو لا يقتصر على الطقوس فقط، بل يشمل التعليم والإصلاح الاجتماعي، ويعكس قيم التسامح والعدل والزهد، ويؤدي دورًا تربويًا مهمًا.
التصوف كان ولا يزال عنصرًا محوريًا في الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية. فالإسلام في الصومال ليس مجرد منظومة عقائدية، بل شبكة متكاملة من المؤسسات والقيم التي تنظم المجتمع. الصراع السلفي الصوفي، رغم حدته، يعكس تنوع الفهم الديني والروحي، ويمكن اعتباره مؤشرًا على حيوية الأمة الإسلامية، شرط توظيفه في إطار الحوار والاعتدال، بعيدًا عن المواجهات العنيفة التي تهدد وحدة المجتمع.
عمرو فاروق*
باحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي
- # التصوف في الصومال
- # الطرق الصوفية في الصومال
- # الصوفية في الصومال
- # التصوف الصومالي
- # الصراع الصوفي السلفي في الصومال
- # دور الصوفية في الصومال
- # الدور الوطني للصوفية في الصومال
- # الصوفية ومحاربة التيارات السلفية في الصومال
- # الصوفية ومواجهة التيارات السلفية في الصومال
- # الصوفية ومواجهة حركة شباب المجاهدين



