حملة تطهير في الجيش الألماني: تحرش جنسي وأفكار متطرفة في وحدات النخبة
أطلقت القيادة العسكرية الألمانية حملة تطهير واسعة داخل صفوف "فوج المظليين رقم 26"، إحدى أبرز وحدات النخبة في البلاد، أسفرت عن فصل تسعة جنود، وبدء إجراءات تأديبية ضد العشرات الآخرين. وتأتي هذه الخطوة الصارمة في أعقاب تحقيقات كشفت عن تورط جنود في ممارسات أيديولوجية محظورة، تشمل أداء "التحية النازية"، إلى جانب اتهامات بالتحرش الجنسي وتعاطي المخدرات، مما وضع الوحدة، التي شاركت مؤخرًا في عمليات إجلاء دولية معقدة، تحت مجهر المساءلة الوطنية.
ومع توسع دائرة التحقيق لتشمل 55 جنديًا، يبعث الجيش الألماني برسالة حاسمة مفادها عدم التسامح مع أي اختراق أيديولوجي يمس العقيدة الديمقراطية للقوات المسلحة، مؤكدًا أن الكفاءة القتالية لا تشفع للجنود الذين يتنكرون للقيم الدستورية أو يتغاضون عن الانتهاكات داخل ثكناتهم.
وتعكس هذه الإجراءات، التي أعلنها قائد الجيش الألماني كريستيان فرويدينغ أمام البرلمان، مخاوف متزايدة من تغلغل شبح اليمين المتطرف داخل الأجهزة الحساسة للدولة، وهو الملف الذي بات يؤرق برلين ويدفعها نحو إعادة هيكلة جذرية لوزارة الدفاع.

فبينما تحاول ألمانيا تعزيز دورها العسكري عالميًا، تجد نفسها مضطرة أولًا لتنقية ثكناتها من أيديولوجيات الماضي التي باتت تهدد تماسك القوات المسلحة من الداخل.
وانكشفت الفضيحة بعد أن أبلغت جنديات في فوج المظليين السادس والعشرين، الذي شملت مهامه المساعدة في إجلاء الألمان وغيرهم من الرعايا الأجانب من السودان، عن حالات عديدة من الاعتداءات المزعومة إلى المفوض البرلماني للقوات المسلحة.
وكشفت تقارير لاحقة أن شكاوى من داخل الوحدة وصلت إلى مفوض البرلمان منذ وقت سابق، مما أثار تساؤلات بشأن سبب تأخر الكشف عن حجم المشكلة عدة أشهر.

وقد أثارت القضية انتقادات في البرلمان حول الرقابة الداخلية للجيش، في وقت تسعى فيه ألمانيا لتوسيع قواتها المسلحة بسرعة وتحديثها استجابة لحرب روسيا في أوكرانيا ومطالب حلف الناتو بزيادة جاهزية القوات.وقالت النائبة عن حزب الخضر المكلفة بسياسة الدفاع، أجنييسكا بروجر، إن النتائج ترسم "صورة كارثية"، متهمة وزير الدفاع بوريس بيستوريوس بـ"فشل قيادي سياسي".
أيديولوجيا الثكنات
تطرح فضيحة فوج المظليين رقم 26 تساؤلات حادة حول جاذبية وحدات النخبة للعناصر المعتنقة للفكر اليميني المتطرف، حيث كشفت التحقيقات عن تحول بعض الردهات العسكرية إلى بيئات حاضنة لرموز النازية، إذ إن طبيعة "القوات الخاصة"، التي تتسم بالعزلة النسبية والسرية، توفر غطاءً لهذه المجموعات لممارسة طقوسها الأيديولوجية بعيدًا عن أعين الرقابة المدنية، مما يعزز الشعور بالتميز العرقي أو القومي المتشدد.
ولم يقتصر الانتهاك على مجرد شعارات، بل امتد ليشمل تبني التحية النازية المحظورة قانونًا في ألمانيا، مما يشير إلى وجود خلل بنيوي في عملية اختيار وتدقيق العناصر المنضمة لهذه الوحدات الحساسة، لذلك، يمثل تغلغل هذه الأفكار داخل فوج المظليين، الذي يُعد رأس حربة في العمليات الخارجية، تهديدًا مباشرًا لصورة ألمانيا الديمقراطية والتزاماتها تجاه حلفائها الدوليين، خاصة وأن هؤلاء الجنود هم من يمثلون الدولة في مناطق النزاعات.

وتشير هذه التطورات إلى أن الإجراءات الأمنية السابقة لم تكن كافية لاجتثاث بؤر التطرف، مما دفع القيادة العسكرية للاعتراف بأن المعركة مع اليمين المتطرف داخل الجيش هي صراع مستمر. وتؤكد عمليات الفصل الأخيرة أن الجيش الألماني انتقل من مرحلة احتواء الحالات الفردية إلى مرحلة "التطهير الهيكلي"، معتبرًا أن العقيدة السياسية للجندي لا تقل أهمية عن كفاءته القتالية في ميدان المعركة.
تصدع جدار الصمت العسكري
كشفت التحقيقات الجارية أن الأزمة الحقيقية في فوج المظليين لم تكن في سلوك الجنود المتطرفين فحسب، بل في ثقافة الصمت التي سادت بين الرتب الأعلى؛ فقد وجه القائد كريستيان فرويدينغ نقدًا لاذعًا للضباط الذين تغاضوا عن الانتهاكات، مؤكدًا أن السكوت عن التحية النازية أو العنف الجنسي يُعد خيانة للواجب العسكري، مما يكشف عن تصدع خطير في هرم الانضباط والرقابة داخل الثكنات.

هذا الانهيار في الرقابة الداخلية سمح بوجود بيئة من التجاوزات المنظمة، حيث تعرضت الجنديات لمضايقات واعتداءات جنسية تحت سمع وبصر زملائهن. ويُظهر لجوء الجنديات إلى المفوض البرلماني بدلًا من قادتهن المباشرين فقدانًا تامًا للثقة في التسلسل القيادي للوحدة، وهو ما استدعى تدخلًا مركزيًا من وزارة الدفاع لتفكيك ما يوصف بـ"عصابات الزمالة" التي تحمي المخطئين على حساب القانون.
وبناءً على ذلك، بدأ الجيش الألماني في تطبيق معايير جديدة للمساءلة تطال "المتفرجين" والمحرضين على حد سواء، انطلاقًا من مبدأ أن الجندي الذي لا يملك الشجاعة الأخلاقية لمواجهة زميله المتطرف لا يمكن ائتمانه على قيادة قوات في الميدان. وتمثل عمليات الفصل الـ19 رسالة تحذيرية لكل الرتب القيادية بأن "الحماية المتبادلة" لن تحميهم من المقصلة القانونية في ظل السياسة الجديدة.

ساعة الصفر
تأتي إجراءات الفصل الجذري في وقت تشهد فيه وزارة الدفاع الألمانية تحولات هيكلية كبرى تهدف إلى تركيز السلطة في يد المفتش العام كارستن بروير، ويُنظر إلى الحزم مع فوج المظليين 26 كأول اختبار عملي لهذه الصلاحيات الجديدة، حيث تسعى القيادة لإثبات أن الجيش الألماني القوي، الذي تطمح برلين إلى بنائه، يجب أن يكون جيشًا نظيفًا من الشوائب الأيديولوجية والمسلكية أولًا.
ولا يمكن الفصل بين هذه القضية والحاجة الملحة لاستعادة ثقة البرلمان (البوندستاغ) في المؤسسة العسكرية، خاصة في ظل الميزانيات الضخمة المرصودة لتحديث الجيش. فالفضيحة التي اندلعت في مدينة تسفايبروكن أعطت زخمًا للتيارات السياسية المطالبة برقابة مدنية أكثر صرامة، مما جعل من عمليات الفصل السريعة ضرورة سياسية لتجنب تقليص الصلاحيات الممنوحة للجيش في خطط الإصلاح الجديدة.

وفي نهاية المطاف، تعكس هذه التحقيقات رغبة برلين في إنهاء حقبة "الفضائح المتكررة" في قوات النخبة، التي أدت سابقًا إلى حل وحدات كاملة. إن الهدف الحالي يتجاوز مجرد معاقبة تسعة جنود، ليصل إلى إعادة تعريف مفهوم "الجندي المواطن" الذي يجمع بين القوة القتالية والولاء المطلق للقيم الديمقراطية، في مرحلة تاريخية تتطلب أقصى درجات التماسك الوطني والعسكري.
ختامًا:
مع استمرار التحقيقات مع العشرات من أفراد الجيش، يبقى السؤال معلقًا حول قدرة المؤسسة العسكرية على منع تكرار هذه الممارسات في وحدات أخرى، إذ إن النجاح في هذه المهمة لن يُقاس بعدد المفصولين فحسب، بل بمدى قدرة القيادة الجديدة على خلق ثقافة مؤسسية تجعل من "القيم الدستورية" خط دفاع أول لا يمكن اختراقه، بما يضمن ألا تتحول بنادق النخبة يومًا ما ضد المجتمع الذي أقسمت على حمايته.
دعاء إمام*



