رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ثورة الفلاحين في أوروبا: رفض تحويل الإنفاق من الزراعة إلى الدفاع العسكري

ثورة المزارعين في
ثورة المزارعين في أوروبا - أرشيفية

تواجه الهندسة الجيوسياسية الجديدة التي تحاول رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، فرضها على ميزانية الاتحاد الأوروبي (2028–2034) مقاومةً شرسة تقودها أطراف القارة، حيث يرفض المزارعون ودول الجنوب والوسط تحويل بوصلة الإنفاق من دعم السيادة الغذائية إلى تعزيز الترسانة الدفاعية والصناعية.

يتجاوز هذا الصراع كونه خلافًا ماليًا حول تريليوني يورو، ليصبح مواجهةً علنية بين رؤيتين؛ رؤية "المركز" في بروكسل، الذي يسعى لتحويل الاتحاد إلى قوة عسكرية وتكنولوجية عالمية، ورؤية "الريف الأوروبي" الذي يرى في تقليص المساعدات الزراعية تهديدًا لمجاله الحيوي، واقتلاعًا لهويته الاقتصادية التاريخية لصالح طموحات جيوسياسية خارجية.

ومع تصاعد حدة الانقسام بين دول الشمال الداعمة للإصلاح التحديثي ودول الجنوب المتمسكة بمكتسبات سياسة التماسك، تبدو المفوضية الأوروبية اليوم في مواجهة فخ مزدوج؛ فبينما تحاول الاستجابة للتهديدات الأمنية عند حدودها الشرقية، تجد نفسها مضطرة لتقديم تنازلات متتالية لاحتواء "ثورة الفلاحين" وقد تعيد رسم الخريطة السياسية الداخلية للاتحاد.

فشل هذا الإصلاح، أو إفراغه من مضمونه، لا يعني فقط تعثر طموحات فون دير لاين الاستراتيجية، بل يكشف عن عمق الشرخ الجيوسياسي الذي يفصل بين العواصم التكنوقراطية والأقاليم الزراعية التي لم تعد تقبل بأن تكون "كبش فداء" في صراعات القوى الكبرى.

تحولات الأولويات الاستراتيجية

تجد القارة الأوروبية نفسها اليوم أمام انعطافة تاريخية تضع أمن الغذاء في كفة، والتسلح في كفة أخرى، حيث تسعى المفوضية الأوروبية لإنهاء الحقبة التي كان فيها المزارع هو حارس الأمن القومي. هذا التحول يعكس رغبة بروكسل في إعادة تعريف مفهوم "القوة"؛ فالميزانية التي كانت تُخصص لضمان استقرار الأسواق الزراعية وحماية الفلاحين من تقلبات المناخ، يتم توجيهها الآن نحو بناء ترسانة عسكرية لمواجهة التهديدات الجيوسياسية المتزايدة على الحدود الشرقية للقارة.

هذا الانزياح في الأولويات يمثل مقامرةً استراتيجية بمفهوم السيادة الغذائية، إذ إن تقليص الدعم التقليدي للمزارعين يعني إضعاف قدرة أوروبا على إطعام نفسها بشكل مستقل. وفي ظل الاضطرابات التي تشهدها سلاسل التوريد العالمية، يبرز التساؤل حول مدى نجاعة استبدال "المحراث بالسيف"، وكيف يمكن لأوروبا أن تكون قويةً عسكريًا في حين تآكلت قاعدتها الإنتاجية الزراعية، وأصبحت رهينةً للاستيراد من قوى خارجية قد لا تتقاطع معها في المصالح.

من جانبهم، يشعر المزارعون الأوروبيون بأنهم وقعوا ضحيةً لـ"جيوبوليتيكا الطوارئ"، حيث تُستخدم الحرب في أوكرانيا ذريعةً لتجريدهم من مكتسبات تاريخية دامت لعقود. هذا الشعور بـ"الخيانة السياسية" يغذي غضبًا واسعًا في الأرياف، حيث يُنظر إلى خطة فون دير لاين على أنها محاولة لخصخصة الأمن القومي وحصره في الجانب العسكري التقني، وتجاهل الأمن الاجتماعي والغذائي الذي يمثل العمود الفقري لاستقرار المجتمعات المحلية.

ثورة المزارعين في أوروبا - أرشيفية 
ثورة المزارعين في أوروبا - أرشيفية 

وفي نهاية المطاف، فإن هذه المتغيرات تجسد الصدام بين جيلين من السياسات الأوروبية؛ جيل "السلام الداخلي" الذي قام على التكامل الزراعي، وجيل "المواجهة الخارجية" الذي يتطلب حشد الموارد للصناعات الدفاعية. إن نجاح المفوضية في تمرير هذا التحول سيعني، بالضرورة، نهاية "الاستثناء الزراعي" الأوروبي، وبداية مرحلة يصبح فيها الريف مجرد ملحق اقتصادي لمجمع صناعي عسكري عابر للحدود.

الصدوع الجغرافية 

يعيد الصراع الحالي حول ميزانية التريليوني يورو إحياء "الصدوع الجغرافية" القديمة داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تبرز جبهة "الشمال التكنوقراطي" في مواجهة "الجنوب الزراعي". دول الشمال، التي تمثل القوة التمويلية الكبرى، تضغط من أجل ميزانية "رشيقة" تركز على الابتكار والتنافسية الصناعية، معتبرةً أن المدفوعات السخية لقطاع الزراعة في الجنوب والوسط لم تعد تتناسب مع متطلبات القرن الحادي والعشرين والتحولات الرقمية والدفاعية.

ثورة المزارعين في أوروبا - أرشيفية 
ثورة المزارعين في أوروبا - أرشيفية 

في المقابل، تقود دول مثل فرنسا وإسبانيا وبولندا معارضةً شرسة، معتبرةً أن "صناديق التماسك" ودعم المزارعين ليست مجرد صدقات مالية، بل هي "أدوات سيادية" تضمن بقاء الأقاليم الأقل نموًا ضمن النسيج الأوروبي. وبالنسبة لهذه الدول، فإن أي مساس بهذه الميزانيات يمثل إخلالًا بالعقد التأسيسي للاتحاد، وتهديدًا مباشرًا للاستقرار الجيوسياسي الداخلي الذي يعتمد على تقليص الفوارق بين "المركز الغني" و"الأطراف الزراعية".

هذا الانقسام لا يتوقف عند حدود الأرقام، بل يمتد ليشمل رؤية كل معسكر لمكانة أوروبا في العالم؛ فالشمال يريد "أوروبا العالمية" القادرة على منافسة أمريكا والصين تكنولوجيًا، بينما يصر الجنوب على "أوروبا المتضامنة" التي تحمي هويتها الريفية وتراثها الإنتاجي. هذا التباين يخلق حالةً من "الشلل الاستراتيجي" داخل مؤسسات صنع القرار في بروكسل، حيث تصبح كل جلسة لمناقشة الميزانية ساحةً لمعركة سيادية بامتياز.

وتشير التراجعات التي قدمتها فون دير لاين مؤخرًا إلى أن "فيتو الأطراف" لا يزال يمتلك القوة الكافية لعرقلة طموحات المركز، إذ تدرك المفوضية أن المضي قدمًا في إرضاء الشمال على حساب الجنوب قد يؤدي إلى تفكك وحدة الموقف الأوروبي تجاه قضايا كبرى مثل الهجرة والعلاقات مع روسيا. وهكذا، تظل الميزانية الأوروبية هي المرآة التي تعكس هشاشة التوازن الجيوسياسي بين القوى المكونة للاتحاد.

ثورة المزارعين في أوروبا - أرشيفية 
ثورة المزارعين في أوروبا - أرشيفية 

الاستقرار الداخلي 

يمثل الغليان في الأرياف الأوروبية "قنبلة جيوسياسية" موقوتة تهدد بانهيار المشروع الأوروبي من الداخل، حيث يتحول الفلاح المهمش إلى فاعل سياسي راديكالي. إن محاولة إعادة توجيه الإنفاق بعيدًا عن الريف خلقت شعورًا بالانكشاف لدى ملايين المواطنين في "الأطراف"، مما جعلهم يرون في "بروكسل" عدوًا يهدد وجودهم المكاني، تمامًا كما كانت القوى الإمبراطورية قديمًا تضغط على الفلاحين لتمويل حروبها البعيدة.

هذا الاغتراب الجيوسياسي للأرياف أصبح الوقود الأبرز لصعود الأحزاب اليمينية والقومية التي تتبنى خطاب "السيادة الوطنية" ضد "إملاءات الاتحاد". ففي فرنسا وألمانيا وهولندا، استطاعت هذه القوى السياسية تحويل احتجاجات الجرارات إلى حراك شعبي يرفض العولمة والسياسات البيئية "النخبوية"، مما وضع الحكومات المركزية في موقف دفاعي يهدد استقرارها السياسي وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الاتحاد.

جيوسياسيًا، يؤدي هذا التمرد إلى إضعاف "الجبهة الداخلية" لأوروبا في وقت تحتاج فيه إلى أقصى درجات الوحدة؛ فالفلاح الذي يشعر بالظلم لن يكون ظهيرًا لسياسات الدولة في مواجهة الأزمات الخارجية. بل إن هذه الفئات أصبحت تمثل "ثغرة نفوذ" قد تستغلها قوى خارجية، مثل روسيا، لزعزعة استقرار المجتمعات الأوروبية من خلال دعم الحركات الاحتجاجية وتعميق الانقسام بين الريف والمدينة.

ثورة المزارعين في أوروبا - أرشيفية 
ثورة المزارعين في أوروبا - أرشيفية 

إن تحول الفلاحين من "منتجين" إلى "محتجين" يعكس فشل المقاربة الجيوسياسية لبروكسل التي ركزت على "المجال الجغرافي الخارجي" وتجاهلت "المجال الاجتماعي الداخلي". وإذا لم تستوعب الميزانية القادمة تطلعات هذه الكتلة الحرجة، فإن الثمن لن يكون اقتصاديًا فحسب، بل سيكون "تصدعًا جيوسياسيًا" قد يؤدي إلى ظهور "جيوب مقاومة" داخل القارة ترفض الانصياع للمركز، مما يعيد أوروبا إلى عصر المنازعات المحلية العنيفة.

ختامًا:

في الختام، يظهر الصراع حول ميزانية الاتحاد الأوروبي 2028–2034 أن "ثورة الفلاحين" المعاصرة ليست مجرد مطالبة بالمال، بل هي صرخة سيادية ضد تحول جيوسياسي يهدد باقتلاع الجذور الريفية للقارة لصالح طموحات إمبراطورية حديثة.

إن معركة "التريليوني يورو" هي الاختبار الحقيقي لقدرة أوروبا على الموازنة بين متطلبات القوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين، وضرورات الاستقرار الاجتماعي والغذائي الذي قامت عليه وحدتها. وبين "محراث" الفلاح و"سيف" المفوضية، يظل مستقبل الاتحاد معلقًا بقدرة قادته على إيجاد "عقد مكاني" جديد يضمن حماية الأطراف دون التضحية بطموحات المركز.

 دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء