رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ترامب والجمهوريون: معركة تقييد التحركات العسكرية للبيت الأبيض

الجيش الأمريكي -
الجيش الأمريكي - أرشيفية

صادق مجلس الشيوخ الأمريكي، في خطوة لافتة، على مشروع قرار يهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس دونالد ترامب في شن عمليات عسكرية إضافية ضد فنزويلا، في أول مواجهة تشريعية حاسمة من نوعها خلال ولايته الثانية. ويأتي هذا التحرك البرلماني، الذي مرّ بأغلبية 52 صوتًا مقابل 47، مدفوعًا بمخاوف المشرعين من انزلاق واشنطن إلى صراع طويل الأمد في أمريكا الجنوبية، خاصة بعد الغارة العسكرية المفاجئة التي أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتلميحات البيت الأبيض بالسيطرة على الموارد النفطية للبلاد.

ولم تقتصر أهمية التصويت على أبعاده القانونية المستندة إلى قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، بل برزت في كونه كشف عن تصدعات داخل الحزب الجمهوري، بعد انضمام خمسة أعضاء بارزين من الحزب إلى الكتلة الديمقراطية.

وفي مقابل هذا التحدي التشريعي، شنّ الرئيس ترامب هجومًا حادًا على "المنشقين " في صفوف حزبه، واصفًا القرار بأنه غير دستوري ويقوض قدرته، كقائد أعلى، على حماية الأمن القومي الأمريكي، مما يمهد الطريق لصدام دستوري وسياسي قد يمتد أثره إلى ملفات خارجية أخرى.

 قانون صلاحيات الحرب 

يُمثّل لجوء مجلس الشيوخ إلى "قانون صلاحيات الحرب" لعام 1973 محاولة قانونية جادة لإعادة رسم الحدود بين السلطات، حيث يسعى المشرعون إلى فرض الرقابة البرلمانية على القرارات العسكرية التي اتخذها الرئيس ترامب بشكل منفرد. ويُلزم هذا القانون الرئيس بالتشاور مع الكونغرس قبل إقحام القوات المسلحة في "أعمال عدائية"، وهي القاعدة التي يرى المعارضون أن الإدارة الحالية قد تجاوزتها بوضوح في الملف الفنزويلي.

الكونجرس الأمريكي 
الكونجرس الأمريكي 

من الناحية الإجرائية، يمنح هذا التصويت قوة دفع سياسية للمطالبين بإنهاء حقبة "الشيكات المفتوحة" للحروب، حيث تهدف المسودة الحالية إلى إجبار البيت الأبيض على سحب القوات أو وقف العمليات الهجومية في غضون 60 يومًا ما لم يصدر تفويض رسمي. ومع ذلك، يظل التحدي قائمًا في قدرة الكونجرس على الصمود أمام التفسيرات القانونية الواسعة التي تستخدمها الإدارة لتبرير العمليات، باعتبارها "دفاعًا عن النفس" أو "حماية للمصالح الحيوية".

وفي حين يصف مؤيدو القرار الخطوة بأنها استعادة لروح الدستور، إلا أنها قد تظل "رمزية" إذا فشل المعارضون في حشد أغلبية الثلثين اللازمة لتجاوز الفيتو الرئاسي المتوقع، فالتاريخ السياسي الأمريكي يُظهر أن الرؤساء غالبًا ما نجحوا في الالتفاف على هذه القيود عبر تصنيف العمليات العسكرية تحت مسميات أمنية أو استخباراتية محدودة لا تخضع بالضرورة لموافقة البرلمان.

هذا الانقسام لا يمثل مجرد خلاف عابر حول السياسة الخارجية، بل يعكس أزمة ثقة متجذرة في كيفية إدارة القوة الصلبة للولايات المتحدة في الحقبة الجديدة. فبينما يتمسك البيت الأبيض بـ"عقيدة الصدمة"  لفرض واقع جيوسياسي جديد، يجد الكونغرس نفسه أمام اختبار تاريخي لاستعادة دوره الرقابي الذي تآكل عبر العقود، مما يطرح تساؤلات ملحة حول المدى الذي يمكن أن يذهب إليه المشرعون في مواجهة رئيس لا يتردد في كسر القواعد التقليدية للدبلوماسية والحرب.

تصدع الجبهة الجمهورية

أحدث انشقاق خمسة أعضاء بارزين من الحزب الجمهوري صدمة داخل الأروقة السياسية، حيث عكس هذا التمرد قلقًا عميقًا من تداعيات سياسة "الضربات الاستباقية" التي ينتهجها الرئيس الأمريكي. ولم يكن تصويت هؤلاء الأعضاء مجرد اعتراض على العملية العسكرية بحد ذاتها، بل كان تعبيرًا عن رفض مبدئي لمنح السلطة التنفيذية صلاحيات مطلقة قد تؤدي إلى توريط الولايات المتحدة في نزاع إقليمي غير محسوب النتائج.

 

الرئيس ترامب في الكونجرس الأمريكي - أرشيفية 
الرئيس ترامب في الكونجرس الأمريكي - أرشيفية 

هذا التحول داخل المعسكر الأحمر يشير إلى بروز تيار واقعي يسعى لموازنة الولاء الحزبي مع الالتزام بالضوابط الدستورية، وهو ما وضع هؤلاء المشرعين في مرمى نيران البيت الأبيض. وقد سارع ترامب إلى وصمهم بـ"الجمهوريين بالاسم فقط"، مهددًا بدعم منافسين لهم في الانتخابات القادمة، مما يحول الصدام من خلاف حول السياسة الخارجية إلى معركة بقاء سياسي داخل الحزب.

وتكمن خطورة هذا الصدع في كونه يمنح الديمقراطيين "غطاءً ثنائيًا" لتمرير تشريعات أكثر صرامة، مما يكسر احتكار الرئيس للقرار السياسي داخل حزبه. فإذا استمر هذا التيار في النمو، قد يجد ترامب نفسه مضطرًا للتفاوض مع قادة حزبه في مجلس الشيوخ قبل اتخاذ خطوات عسكرية كبرى، وهو أمر لم يعتد عليه الرئيس في ولايتيه الأولى والثانية.

عقيدة ترامب   

انتقلت "عقيدة ترامب" في التعامل مع فنزويلا من مرحلة الضغط الدبلوماسي والعقوبات إلى التدخل العسكري المباشر والعلني، وهو تحول برره البيت الأبيض بضرورة حماية تدفقات الطاقة العالمية. وقد أثارت تصريحات الرئيس حول "إدارة موارد فنزويلا" لصالح الأمن القومي الأمريكي مخاوف من عودة سياسات حروب الموارد، مما جعل التحرك العسكري يبدو وكأنه عملية اقتصادية مغلفة بطابع أمني.

الجيش الأمريكي - أرشيفية 
الجيش الأمريكي - أرشيفية 

كما أن اعتقال مادورو لم يكن الهدف النهائي للإدارة، بل كان وسيلة لفرض واقع جيوسياسي جديد يضمن لواشنطن السيطرة الكاملة على منطقة الكاريبي ومنابع نفطها. هذا النهج يمثل قطيعة مع السياسات التقليدية التي كانت تتستر خلف شعارات نشر الديمقراطية، حيث يتحدث ترامب ببراجماتية صريحة حول مكاسب الحرب وحق الولايات المتحدة في تأمين مصالحها بالقوة.

بالمقابل، حذر المشرعون المعارضون من أن هذا التوجه ينسف القوانين الدولية ويحول الجيش الأمريكي إلى أداة للاستحواذ الاقتصادي، مما قد يؤدي إلى ردود فعل دولية غاضبة من قوى كبرى مثل الصين وروسيا. فالصراع في فنزويلا لم يعد مجرد قضية داخلية لدولة في أمريكا الجنوبية، بل تحول إلى نموذج حي لكيفية تطبيق عقيدة ترامب التي تضع أمريكا أولًا فوق كل اعتبار قانوني أو سياسي.

 

السيناريوهات القانونية

مع إصرار ترامب على وصف قرار الكونجرس بأنه غير دستوري، تتزايد التوقعات بأن النزاع قد ينتهي في أروقة المحكمة العليا للفصل في الصلاحيات المتداخلة. وتعتمد الإدارة على حجة أن الرئيس يمتلك سلطة حصرية في إدارة الشؤون الخارجية وقيادة القوات المسلحة في حالات الطوارئ، بينما يتمسك الكونغرس بحقه الأصيل في إعلان الحرب والتحكم في الميزانيات العسكرية.

وإذا ما قرر ترامب المضي قدمًا في توسيع العمليات العسكرية متجاهلًا قيود مجلس الشيوخ، فسنكون أمام أزمة دستورية كبرى قد تشل حركة الحكومة. وفي هذا السيناريو، سيكون على القضاء الأعلى تحديد ما إذا كان قانون صلاحيات الحرب يمثل قيدًا مشروعًا أم أنه تعدٍّ على استقلالية السلطة التنفيذية، وهو حكم ستكون له تداعيات تاريخية على شكل الحكم في الولايات المتحدة.

علاوة على ذلك، يراقب الخبراء القانونيون مدى استعداد المحكمة العليا — التي يسيطر عليها تيار محافظ — للوقوف في وجه الرئيس؛ فإذا انحازت المحكمة لترامب، فإن ذلك سيعني عمليًا إنهاء دور الكونجرس في الرقابة على الحروب، أما إذا أيدت المحكمة قرار مجلس الشيوخ، فإنها ستضع حدًا نهائيًا لطموحات ترامب في إدارة السياسة الخارجية بالأوامر التنفيذية بعيدًا عن الرقابة التشريعية.

ختامًا:

يضع تصويت مجلس الشيوخ الولايات المتحدة أمام مفترق طرق تاريخي؛ فالمسألة تتجاوز حدود الجغرافيا الفنزويلية لتلمس جوهر النظام الديمقراطي الأمريكي وتوازن القوى بين مؤسساته. وبينما يتمسك ترامب بصلاحياته كقائد عسكري لفرض رؤيته لمصالح واشنطن، يسعى الكونجرس إلى استعادة "زمام المبادرة" ومنع انزلاق البلاد نحو نزاعات مفتوحة، في صراع سيقيد، بلا شك، ملامح السياسة الأمريكية لسنوات طويلة قادمة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء