اغتيال آلان أورسوني: تصفية حسابات تعيد شبح العنف السياسي للجزيرة الفرنسية
اهتزّت جزيرة كورسيكا على وقع عملية اغتيال دقيقة استهدفت الزعيم الانفصالي التاريخي آلان أورسوني، الذي لقي حتفه برصاصة قنّاص من مدى بعيد أثناء مشاركته في مراسم جنازة والدته بقرية فيرو. وأكدت المدعية العامة لأجاكسيو، نيكولا سيبتي، أن العملية نُفذت بأسلوب احترافي يعكس تخطيطًا مسبقًا، ما أعاد إلى الأذهان حقبة التصفيات الجسدية التي طبعت تاريخ الجزيرة المضطرب في العقود الماضية.
ويُعد أورسوني أحد أكثر الرموز إثارة للجدل في تاريخ الحركة القومية الكورسيكية؛ إذ قاد لسنوات الحركة الكورسيكية لتقرير المصير، التي اعتبرتها باريس غطاءً سياسيًا لجبهة التحرير الوطني الكورسيكية. وتأتي هذه الحادثة لتضع حدًا لمسيرة رجل نجا من محاولات اغتيال سابقة وملاحقات قضائية دولية، ارتبطت بسلسلة هجمات مسلحة استهدفت مصالح فرنسية وأجنبية، كان أبرزها الهجوم على السفارة الإيرانية في باريس مطلع ثمانينيات القرن الماضي.

ولا يمثّل هذا الاغتيال مجرد غياب لزعيم سابق، بل يفتح الباب أمام تساؤلات معقدة حول توقيت العملية ودوافعها؛ فبين فرضية تصفية الحسابات التاريخية وصراعات النفوذ الحالية، تبدو كورسيكا اليوم وكأنها تقف مجددًا أمام فوهة بركان سياسي قد يعيد خلط الأوراق في علاقتها المتوترة مع الدولة الفرنسية.
الإرث الدموي
يمثّل آلان أورسوني تجسيدًا لمرحلة تاريخية معقدة من تاريخ كورسيكا، إذ لم يكتفِ بالدور السياسي التقليدي، بل كان يُنظر إليه كجسر يربط بين المطالب المدنية والعمل المسلح. فبينما كان يقود الحركة الكورسيكية لتقرير المصير كواجهة قانونية، كانت السلطات الفرنسية تراه العقل المدبر خلف جبهة التحرير الوطني الكورسيكية، وهي ازدواجية منحت الحركة الانفصالية ثقلًا سياسيًا وقوة ميدانية في آن واحد.
ولم يتوقف هذا الإرث عند حدود الجزيرة، بل امتد ليشمل عمليات نوعية صدمت القارة الأوروبية، لعل أبرزها الهجوم المسلح على السفارة الإيرانية في باريس عام 1980. ورغم صدور أحكام قضائية بحقه ثم العفو عنه لاحقًا، ظلت هذه الحادثة محفورة في ذاكرة الأجهزة الأمنية الفرنسية، بوصفها دليلًا على راديكالية الرجل وقدرته على تجاوز الخطوط الحمراء للدولة، ما جعل حياته سلسلة من الملاحقات التي لم تنتهِ حتى بعد تقاعده السياسي المفترض.

وفي تسعينيات القرن الماضي، قاد أورسوني الجبهة في واحدة من أعنف مراحلها، حيث شهدت الجزيرة سلسلة من التفجيرات والاغتيالات التي استهدفت المصالح السيادية الفرنسية. هذا التاريخ الطويل من التمرد جعل من أورسوني رمزًا لا يمكن تجاوزه في أي حديث عن القومية الكورسيكية، لكنه في الوقت ذاته راكم ضده تركة ثقيلة من الخصومات التي لم تكن الدولة الفرنسية وحدها طرفًا فيها، بل شملت رفاق سلاح سابقين ومنافسين محليين.
"شفرة" الاغتيال
تشير تفاصيل عملية الاغتيال، التي نُفذت برصاصة قنّاص من مسافة بعيدة، إلى مستوى عالٍ من الاحترافية يتجاوز قدرات عصابات الشوارع العادية. كما أن اختيار جنازة الوالدة زمانًا ومكانًا للتنفيذ يحمل دلالة رمزية وانتقامية صارخة؛ إذ يضرب الهدف في لحظة إنسانية تضعف فيها الاحتياطات الأمنية، ويوجه رسالة إذلال معنوية مفادها أن الحسابات القديمة ستُصفّى حتى في أكثر اللحظات قدسية.
وتتعدد السيناريوهات حول هوية المستفيد من غياب أورسوني؛ فمن جهة، تبرز فرضية تصفية الحسابات الداخلية بين الأجنحة المتصارعة داخل الحركة الانفصالية، خاصة أن تاريخ كورسيكا مثقل بصراعات "الإخوة الأعداء" على النفوذ والتمويل. ومن جهة أخرى، لا يمكن استبعاد فرضية الجريمة المنظمة، حيث تداخلت في السنوات الأخيرة أنشطة القوميين السابقين مع مصالح اقتصادية كبرى في الجزيرة، ما حوّل الصراع من أيديولوجي إلى صراع مصالح.

أما السيناريو الثالث فيربط التوقيت بالوضع السياسي العام في فرنسا؛ فاغتيال شخصية بهذا الحجم قد يهدف إلى خلط الأوراق وإرباك الأجهزة الأمنية في وقت حساس. كما أن غياب أورسوني يُغلق صندوقًا أسود من الأسرار المتعلقة بكواليس التفاوض السري والعمليات الخاصة، ما قد يريح أطرافًا كانت تخشى أن يبوح بتفاصيل معينة، أو قد يسهم في دفع الجزيرة نحو موجة جديدة من الاضطراب الأمني.
الأبعاد الدولية
لا يمكن فصل الحادث عن السياق الجيوسياسي الأوسع لجزيرة كورسيكا، التي تُعد حاملة طائرات طبيعية في قلب البحر الأبيض المتوسط؛ فاغتيال زعيم ارتبط اسمه سابقًا بعمليات دولية، مثل الهجوم على السفارة الإيرانية، يعيد تسليط الضوء على خطورة تحول الجزيرة إلى ساحة لتصفية حسابات عابرة للحدود، خاصة مع تقاطع مصالح شبكات الجريمة المنظمة العابرة للقارات مع طموحات الحركات الانفصالية في حوض المتوسط.
ومن جهة أخرى، يثير هذا الاغتيال قلق القوى الأوروبية المجاورة التي تراقب بحذر أي بوادر لعدم الاستقرار في الجزر المتوسطية؛ إذ إن اندلاع موجة عنف جديدة في كورسيكا قد يؤدي إلى تأثير "الدومينو"، الذي قد يحفز حركات انفصالية أخرى في المنطقة، مثل كتالونيا أو ساردينيا، ما يضع الاتحاد الأوروبي أمام تحدي الحفاظ على وحدة أراضي دوله الأعضاء في ظل تصاعد النزعات القومية التي تجد في "دماء الرموز" وقودًا جديدًا للتمرد.

وعلى مستوى العلاقة مع باريس، يفرض الحادث ضغوطًا إضافية على الدبلوماسية الفرنسية التي تحاول تصوير "النموذج الكورسيكي" بوصفه نجاحًا في احتواء الأزمات العرقية والقومية. ولذلك، فإن تحول الجزيرة إلى ساحة لعمليات القنص الاحترافية يضعف موقف فرنسا الطامحة للعب دور قيادي في استقرار المتوسط، ويظهر أن الخاصرة الرخوة للجمهورية لا تزال تنزف صراعات قديمة تعجز القوانين القارية عن احتوائها أو إنهاء فصولها الدموية.
مستقبل القضية الكورسيكية
يأتي رحيل أورسوني في لحظة مفصلية تمر بها العلاقة بين كورسيكا وباريس، في وقت تقود فيه الحكومة الفرنسية نقاشات معقدة حول منح الجزيرة حكمًا ذاتيًا موسعًا. وقد يؤدي اغتيال رمز بهذا الثقل إلى تصلب مواقف التيارات القومية المتشددة، التي قد ترى في الحادثة دليلًا على عدم قدرة الدولة الفرنسية، أو عدم رغبتها، في حماية الرموز الكورسيكية، ما قد يرفع سقف المطالب السياسية مجددًا.
وعلى الصعيد الأمني، يضع هذا الاغتيال مصداقية الدولة الفرنسية على المحك، إذ يُظهر عجزها عن ضبط الأمن في منطقة تُصنَّف بؤرة ساخنة. كما أن فشل الأجهزة الاستخباراتية في رصد عملية قنص محترفة خلال مناسبة عامة قد يُفسر شعبيًا بوصفه نوعًا من التواطؤ أو الضعف العملياتي، وهو ما قد يستغله الانفصاليون لتعزيز سرديتهم الداعية إلى الانفصال الأمني والإداري التام عن القارة.
ختامًا، قد يكون مقتل آلان أورسوني الشرارة التي تعيد إحياء "الراديكالية" لدى الأجيال الشابة من الكورسيكيين الذين لم يعيشوا أهوال حرب التسعينيات. وإذا لم تنجح التحقيقات في تقديم إجابات سريعة وشافية، فقد تنزلق الجزيرة إلى دوامة من العمليات الانتقامية المتبادلة، ما يحوّل حلم "الحكم الذاتي" إلى كابوس من الانفلات الأمني يعيد كورسيكا عقودًا إلى الوراء.



