رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عولمة قوائم الإرهاب.. قراءة في أبعاد التصنيف الأرجنتيني لجماعة الإخوان

تظاهرات ضد جماعة
تظاهرات ضد جماعة الإخوان في الغرب - أرشيفية

على خطى واشنطن، أعلن الرئيس لأرجنتيني خافيير ميلي، الخميس 15 يناير، عن إدراج فروع جماعة الإخوان في مصر ولبنان والأردن رسميًا على قوائم الإرهاب؛ في خطوة تعكس تحولًا جذريًا في العقيدة الأمنية والسياسية لجمهورية الأرجنتين، ولم يكن هذا القرار مجرد إجراء قانوني محلي لتجميد الأصول وحظر النشاط، بل جاء كإشارة سياسية حاسمة من "ميلي" تؤكد انخراط بلاده الكامل في صياغة نظام أمني عالمي جديد، يضيق الخناق على شبكات الإسلام السياسي العابرة للحدود، ويستهدف تجفيف منابع تمويلها في القارة اللاتينية التي ظلت لعقود منطقة رمادية لتلك التنظيمات.

ويتجاوز هذا التصنيف في أبعاده الجيوسياسية حدود الجغرافيا الأرجنتينية، ليتقاطع بشكل وثيق مع التوجهات الصارمة للإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب، إذ يكشف التزامن الدقيق بين قرارات واشنطن وبوينس آيرس عن ولادة "تحالف أيديولوجي" يسعى لتعريف الإرهاب بمنظور أوسع، لا يقتصر على العمل المسلح المباشر فحسب، بل يمتد ليشمل الهياكل التنظيمية واللوجستية التي توفر الغطاء الفكري والمادي لهذه الجماعات، مما يضع فروع الجماعة في الشرق الأوسط أمام تحدٍ دولي غير مسبوق.

عنف الإخوان - أرشيفية 
عنف الإخوان - أرشيفية 

وبناءً على هذه المعطيات، يبرز تساؤل جوهري حول الدوافع العميقة التي جعلت الأرجنتين رأس الحربة في هذه المواجهة داخل أمريكا الجنوبية؛ فهل نحن أمام إجراء أمني تقني يستهدف ملاحقة أنشطة غير قانونية، أم أن القرار يمثل حجر الزاوية في استراتيجية دولية شاملة تهدف إلى تفكيك الحالة التنظيمية للإخوان المسلمين عالمياً؟

 التناغم الأيديولوجي 

تمثل الخطوة الأرجنتينية انعكاساً مباشراً للتحول الراديكالي في السياسة الخارجية لبوينس آيرس منذ وصول خافيير ميلي إلى السلطة؛ فالرئيس الذي يتبنى نهجاً يمينياً متطرفاً لا يرى في هذا القرار مجرد إجراء أمني، بل هو إعلان ولاء للقيم الغربية التي يمثلها التحالف مع الولايات المتحدة، ورغبة صادقة في قطع الصلة مع السياسات اليسارية السابقة التي كانت تتبنى مواقف رمادية تجاه حركات الإسلام السياسي.

ويأتي هذا التصنيف بمثابة استنساخ سياسي للتوجهات التي بدأت تتبلور في واشنطن مع عودة الإدارة الجمهورية، حيث يسعى الرئيس الأرجنتيني إلى أن تكون بلاده الشريك الأول والأنشط للولايات المتحدة في القارة اللاتينية؛ هذا التناغم يهدف إلى بناء جبهة موحدة ضد ما تسميه هذه الإدارات التهديدات غير التقليدية للنظام العالمي، مما يعزز من مكانة الأرجنتين كحليف استراتيجي موثوق في ملفات مكافحة الإرهاب الدولي.

عنف الإخوان - أرشيفية 
عنف الإخوان - أرشيفية 

من الناحية الجيوسياسية، يكسر هذا القرار الجمود الذي ميز علاقة دول أمريكا الجنوبية بملفات الشرق الأوسط المعقدة. فبتصنيف فروع الإخوان في مصر ولبنان والأردن كمنظمات إرهابية، تخرج الأرجنتين من دائرة المتفرج إلى دور اللاعب المساهم في حصار التنظيمات الأيديولوجية، وهو ما ينسجم مع رغبة واشنطن في إيجاد وكلاء إقليميين يتبنون نفس المعايير الأمنية لتصنيف الجماعات العابرة للحدود.

هذا القرار يبرز طموحات الأرجنتين في الحصول على مكاسب اقتصادية وأمنية مقابل هذا الاصطفاف مع واشنطن، فمن خلال تقديم نفسها كرأس حربة في مواجهة الإخوان، تأمل بوينس آيرس في تعزيز التعاون الاستخباراتي مع الموساد والسي آي إيه، والحصول على تكنولوجيا أمنية متطورة، فضلاً عن تسهيلات في ملفات الديون الدولية كنوع من المكافأة السياسية على مواقفها تجاه أعداء حلفائها.

تجفيف المنابع في القارة اللاتينية

ينتقل القرار من الإطار السياسي العام إلى الميدان العملياتي، مستهدفًا البنية التحتية المالية التي لطالما اعتمدت عليها جماعة الإخوان في أمريكا اللاتينية، فالأرجنتين، بمساحتها الشاسعة وجالياتها المتنوعة، كانت تمثل تاريخياً بيئة خصبة لعمليات جمع التبرعات والاستثمارات التي تتخفى خلف ستار الجمعيات الثقافية والمراكز الإسلامية، والتي كانت تعمل كقنوات خلفية لتمويل النشاطات الدولية للجماعة.

وتشير التقارير الأمنية الأرجنتينية إلى أن فروع مصر ولبنان والأردن كانت تمتلك شبكات معقدة من المصالح التجارية التي تُستخدم في عمليات غسيل الأموال وتحويلها عبر حدود القارة؛ لذلك يمنح التصنيف الجديد السلطات المالية صلاحيات مطلقة لمراقبة وتجميد حسابات أي فرد أو كيان يشتبه بصلته بهذه الفروع، مما يعني قطع شريان مالي حيوي كان يغذي ميزانيات الجماعة بعيداً عن أعين الرقابة في الشرق الأوسط.

كما يسلط هذا المحور الضوء على منطقة المثلث الحدودي بين الأرجنتين والبرازيل وباراجواي، التي تعتبرها التقارير الاستخباراتية مركزاً للنشاطات المالية غير القانونية. بصدور هذا القرار، تضع الأرجنتين ضغوطاً غير مباشرة على جيرانها لاتخاذ خطوات مماثلة، حيث سيصبح من الصعب على أي كيان مالي يعمل في بوينس آيرس أن يسهل معاملات مالية لجماعات مدرجة على قوائم الإرهاب الوطني، خوفاً من العقوبات الدولية.

وعلاوة على ذلك، ينهي هذا الإجراء حالة الغطاء القانوني التي كانت تستفيد منها الجماعة تحت مسمى العمل الدعوي أو الإنساني، فالتصنيف الإرهابي يسقط الحصانة المجتمعية عن هذه الكيانات، ويحولها من مؤسسات مدنية إلى أهداف أمنية مشروعة، مما يجبر الشخصيات المرتبطة بها على التواري عن الأنظار أو مغادرة البلاد، ويؤدي في نهاية المطاف إلى تفكيك الشبكات اللوجستية التي بنيت على مدى عقود.

تظاهرات الإخوان ضد الغرب - أرشيفية 
تظاهرات الإخوان ضد الغرب - أرشيفية 

تأثير الدومينو

لا تتوقف آثار القرار عند حدود الأرجنتين، بل تمتد لتحدث زلزالاً في شرعية فروع الجماعة في الدول الثلاث المعنية، ففي مصر، يمثل القرار انتصارًا دبلوماسيًا للقاهرة التي طالبت طويلاً بتصنيف دولي للجماعة، حيث يمنح الإدارة المصرية دعماً قانونياً جديداً من دولة ديمقراطية كبرى، مما يضعف حجج المدافعين عن الجماعة في المحافل الدولية بدعوى تعرضها لاضطهاد سياسي.

أما في الأردن ولبنان، حيث تتمتع الجماعة أو أذرعها بوجود قانوني أو برلماني أو تأثير ميداني، فإن القرار الأرجنتيني يضع هذه الفروع في مأزق التدويل الأمني، فإدراج فروع هذه الدول تحديداً في قوائم الإرهاب الأرجنتينية يعني أن أي نشاط سياسي أو اجتماعي لهذه الفروع في تلك الدول سيخضع لمراقبة دولية مشددة، وقد يؤدي إلى فرض قيود على سفر قياداتها أو تعاملاتهم البنكية الخارجية.

ومن المحتمل أن يؤدي هذا القرار إلى "تأثير الدومينو" في القارة اللاتينية، حيث غالباً ما تتبع دول مثل أوروجواي وباراجواي والبرازيل _في حال فوز اليمين مستقبلاً_ الخطوات الأمنية الأرجنتينية، هذا التوسع في التصنيف سيخلق طوقًا أمنيًا حول نشاط الجماعة في النصف الغربي من الكرة الأرضية، مما يحرمها من أحد أهم ملاذاتها الآمنة بعيداً عن الضغوط الأمنية المباشرة في العالم العربي.

هذا الحصار يضع الجماعة أمام خيارين؛ فإما الانكفاء على الداخل ومواجهة العزلة الدولية المتزايدة، أو محاولة إعادة الهيكلة والتبرؤ من الروابط التنظيمية العابرة للحدود، لكن في ظل التنسيق الاستخباراتي المكثف الذي تقوده الأرجنتين حالياً مع حلفائها، يبدو أن قدرة الجماعة على المناورة الخارجية قد تضاءلت إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، مما ينذر بمرحلة من التآكل الهيكلي المستمر.

مساجد الإخوان في الغرب - أرشيفية 
مساجد الإخوان في الغرب - أرشيفية 

الصراع على الشرعية

تصنيف الجماعة داخل الأرجنتين يتجاوز البعد الأمني المباشر ليدخل في صلب معركة تعريف الشرعية الدولية، فمن خلال إدراج فروع جماعة الإخوان في قوائم الإرهاب، تساهم بوينس آيرس في تقويض السردية التي حاولت الجماعة تسويقها في الغرب لعقود، بوصفها حركة إسلام ديمقراطي أو معارضة سياسية سلمية، هذا التصنيف يضع الجماعة في سلة واحدة مع التنظيمات الراديكالية العنيفة، مما يجرّدها من غطائها الفكري الذي كانت تستخدمه لاستقطاب التعاطف في المنظمات الدولية والحقوقية.

كما يفتح الباب أمام تحولات في تعامل المنظمات غير الحكومية داخل الأرجنتين وفي أمريكا اللاتينية مع الكيانات التابعة للإخوان؛ فالتصنيف الرسمي يلزم هذه المنظمات بقطع أي شراكات أو تعاون تقني أو إغاثي مع تلك الفروع، خوفاً من الوقوع تحت طائلة قوانين دعم الإرهاب، هذا العزل المؤسساتي يحرم الجماعة من منصات التأثير المجتمعي التي كانت تستخدمها للتغلغل في النسيج الثقافي والسياسي اللاتيني.

من جانب آخر، يثير القرار جدلاً قانونياً وحقوقياً حول معايير التورط في أنشطة إرهابية فبينما تستند الحكومة الأرجنتينية إلى تقارير استخباراتية حول أنشطة غير قانونية، ستحاول الأذرع القانونية للجماعة وحلفاؤها في المنظمات الحقوقية الدولية الطعن في هذه القرارات بوصفها "مسيسة"،  إلا أن القوة القانونية للسجل الوطني الأرجنتيني تجعل من الصعب عكس هذه القرارات دون تغيير جذري في الإرادة السياسية للدولة، مما يضع الجماعة في معركة قضائية طويلة وخاسرة مسبقاً.

ختامًا:

 تساهم هذه القرارات في تشكيل وعي أمني جديد لدى الرأي العام في أمريكا الجنوبية تجاه حركات الإسلام السياسي، وتعزيز فكرة أن الخطر ليس بالضرورة في العمل المسلح الظاهر فقط، بل في الأيديولوجيا العابرة للحدود التي قد تمهد للتحريض أو توفر بيئة حاضنة للتطرف. هذا التحول الفكري في نظرة المجتمعات اللاتينية للجماعة يمثل الضربة الأكثر استدامة، حيث يصعب تعويض الشرعية المجتمعية المفقودة حتى لو تغيرت الحكومات لاحقاً.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء