معركة "اليورو الدفاعي": انقسام أوروبي حول تسليح أوكرانيا
يواجه التماسك الأوروبي حيال الملف الأوكراني اختبارًا عسيرًا مع تصاعد حدة الانقسام بين القوى الكبرى في التكتل بشأن شروط إنفاق قرض الـ 90 مليار يورو المخصص لدعم كييف؛ إذ تقود فرنسا جبهة متصلبة تطالب بحصر المشتريات العسكرية في القاعدة الصناعية الأوروبية لتعزيز "السيادة الاستراتيجية" للقارة، فيما تضغط ألمانيا وهولندا بقوة نحو منح أوكرانيا مرونة كاملة تتيح لها شراء الأسلحة من الأسواق العالمية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، لضمان تلبية الاحتياجات الميدانية العاجلة التي لا تحتمل انتظار دورات الإنتاج الأوروبية الطويلة.
هذا الصراع المكتوم، الذي يُتوقع أن ينفجر إلى العلن مع طرح المفوضية الأوروبية لمسودة "الشروط الرسمية" غدًا الأربعاء، يضع بروكسل أمام معضلة موازنة المصالح؛ فبينما تسعى باريس إلى تحويل أموال الدعم إلى استثمار داخلي طويل الأمد في قطاع الدفاع، يرى المعسكر المقابل أن تقييد الإنفاق بالحدود الجغرافية لأوروبا قد يحرم أوكرانيا من أنظمة حيوية أمريكية الصنع في لحظة فارقة من الحرب.

وعلى وقع هذا التجاذب الاستراتيجي، لم تعد المفاوضات المرتقبة مجرد إجراءات فنية لتحديد بنود التمويل، بل تحولت إلى صراع إرادات يرسم ملامح الهوية العسكرية لأوروبا؛ وهو ما يضع العواصم الأوروبية أمام تساؤل جوهري: هل الأولوية لبناء استقلال صناعي طويل الأمد، أم لسرعة إنقاذ الجبهة الأوكرانية بما يتوفر في السوق العالمية؟
السيادة الاستراتيجية
تتمسك باريس بموقفها المتشدد بضرورة حصر إنفاق القرض على الشركات الدفاعية داخل القارة، معتبرة أن هذه اللحظة تمثل الاختبار الحقيقي لمفهوم السيادة الاستراتيجية الذي ينادي به الرئيس ماكرون. وترى الحكومة الفرنسية أن ضخ 90 مليار يورو في ميزانيات شركات السلاح الأمريكية سيعني إهدار فرصة ذهبية لبناء استقلال عسكري أوروبي طويل الأمد، وتحويل أموال دافعي الضرائب الأوروبيين لتمويل نمو الصناعات المنافسة وراء المحيط.
في المقابل، يثير هذا الموقف حفيظة العواصم التي ترى في الولايات المتحدة الضامن الوحيد والأقوى للأمن الأوروبي، حيث تتهم هذه الدول باريس بمحاولة استغلال الأزمة الأوكرانية لتحقيق مكاسب تجارية لشركاتها الوطنية تحت غطاء القومية الأوروبية. إذ يعكس هذا التجاذب انقسامًا أعمق حول هوية الاتحاد المستقبلية: هل يكون قوة عسكرية مستقلة تمامًا، أم يظل ركيزة ضمن مظلة الناتو؟
وتزداد المخاوف من الإصرار الفرنسي باعتباره قد يؤدي إلى تعطيل التوافق داخل المجلس الأوروبي، خاصة وأن دولًا مثل بولندا ودول البلطيق ترى في المقترح الفرنسي مخاطرة أمنية غير مقبولة. وتؤكد هذه الدول أن الأولوية القصوى يجب أن تكون لهزيمة التهديدات الروسية المباشرة، وليس لإعادة هيكلة الصناعة الدفاعية التي قد تستغرق سنوات طويلة من التطوير والتدريب.
وتُختتم هذه المواجهة الاستراتيجية بتساؤلات حول مدى قدرة بروكسل على صياغة "صيغة توفيقية" تحفظ ماء وجه باريس دون تقييد حركة كييف العسكرية.

فجوة الإنتاج
تتمحور الحجة الألمانية والهولندية حول عنصر الزمن، الذي تراه برلين ولاهاي العدو الأول لأوكرانيا في هذه المرحلة من الحرب. ويؤكد المسؤولون في البلدين أن القاعدة الصناعية الأوروبية، رغم توسعها، لا تزال تعاني من بطء في خطوط الإنتاج ونقص في المواد الخام، مما يجعلها غير قادرة على تلبية الطلبات العاجلة لأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة وذخائر الطائرات التي تتوفر في المخازن الأمريكية والأسواق العالمية الأخرى.
وتحتاج أوكرانيا في الوقت الحالي إلى المعدات الجاهزة للتسليم الفوري، والتي لا تتطلب فترات انتظار قد تمتد لسنوات، كما هو الحال في بعض التعاقدات الأوروبية الجديدة؛ لذلك ترى ألمانيا أن تقييد القرض بالمنتجات الأوروبية فقط سيعني عمليًا ترك الجبهات الأوكرانية مكشوفة أمام الضربات الروسية خلال فترة الانتظار، وهو ثمن باهظ لا يمكن للاتحاد الأوروبي تحمله سياسيًا أو أخلاقيًا.
من جانبها، ترفض هولندا فكرة الانتظار حتى تنضج المصانع الأوروبية، وتؤكد أن مرونة الشراء من خارج التكتل تمنح أوكرانيا القدرة على المناورة واختيار الأنظمة التي تتناسب مع عقيدتها القتالية الحالية. وتوضح المصادر أن كييف تعتمد بشكل كبير على تقنيات أمريكية في مجالات الاستطلاع والضربات الدقيقة، مما يجعل حرمانها من شراء هذه الأنظمة بواسطة أموال القرض الأوروبي بمثابة "شلل نصفي" لقدراتها العملياتية.

وعلى الرغم من اعتراف برلين بأهمية دعم الصناعة المحلية، فإنها تشدد على أن حالة الطوارئ تفرض تجاوز الشكليات البيروقراطية والصناعية. ومن المتوقع أن تضغط ألمانيا باتجاه إدراج بند يسمح باستثناءات الضرورة القصوى، وهو ما سيتيح لكييف استخدام جزء كبير من القرض لشراء أسلحة أمريكية أو كورية جنوبية إذا ثبت أن البديل الأوروبي غير متوفر خلال إطار زمني محدد لا يتجاوز عدة أشهر.
سندات الحرب
يمثل قرض الـ 90 مليار يورو سابقة مالية في تاريخ الاتحاد الأوروبي، حيث يتم تمويله عبر إصدار "سندات مشتركة" تضع مصداقية التكتل المالية على المحك. ويناقش هذا المحور المخاوف المتعلقة بكيفية سداد هذه الديون الضخمة، في ظل ضغوط اقتصادية داخلية تواجهها الدول الأعضاء، مما يجعل الخلاف حول "وجهة الإنفاق" يتجاوز البعد العسكري إلى أزمة ثقة اقتصادية بين الدول المساهمة في الميزانية.
في المقابل، يبرز التحدي المتعلق بالأصول الروسية المجمدة، والتي كان من المفترض أن تكون المصدر الرئيسي لسداد فوائد هذا القرض. ومع استمرار التعقيدات القانونية والمخاوف من زعزعة استقرار "اليورو" كعملة احتياط عالمية، بات الضمان الحقيقي للقرض هو ميزانية الاتحاد الأوروبي نفسها، مما يزيد من حساسية المفاوضات حول كيفية صرف كل يورو وضمان تحقيقه لأقصى قدر من التأثير الميداني.
وتنتهي هذه المعضلة المالية عند نقطة التوازن الصعبة بين الالتزام بدعم أوكرانيا وبين الحفاظ على الاستقرار المالي للاتحاد.

فإذا فشلت الدول الكبرى في الاتفاق على شروط الإنفاق، قد يواجه القرض تأخيرات في الصرف تؤدي إلى تراجع قيمة السندات الأوروبية في الأسواق العالمية، مما يضع الاتحاد أمام خيارين أحلاهما مر: إما الخضوع لمطالب فرنسا الحمائية، أو المخاطرة بتمويل سباق تسلح عالمي بأموال أوروبية مقترضة.
خاتمة
يقف الاتحاد الأوروبي غدًا أمام لحظة الحقيقة؛ حيث لن يكون اجتماع المفوضية مجرد إجراء روتيني، بل محطة حاسمة لتحديد ما إذا كان التضامن مع أوكرانيا سيتفوق على الأنانية الصناعية للدول الكبرى. فالمسافة الفاصلة بين طموحات باريس السيادية والواقعية الألمانية الميدانية ليست مجرد خلاف فني، بل هي انعكاس لغياب استراتيجية دفاعية موحدة للاتحاد، وهو الفراغ الذي تحاول كييف ملأه بدماء جنودها بانتظار حسم الخلاف حول هوية السلاح.
وفي نهاية المطاف، يبقى الخيار الأكثر ترجيحًا هو صياغة حل وسط يمنح أوكرانيا نافذة زمنية ضيقة للمشتريات الخارجية العاجلة، مقابل التزام طويل الأمد بتوطين صناعة الذخائر والأنظمة الدفاعية داخل أوروبا. لكن نجاح هذا الحل مرهون بالسرعة؛ إذ إن أي تأخير إضافي في صرف أموال القرض قد يحوّله من طوق نجاة إلى شاهد قبر على قدرة أوروبا على إدارة أمنها القاري بعيدًا عن الانقسامات البيروقراطية.



