باريس في مواجهة الأحادية الأمريكية: استقلال استراتيجي تحت الاختبار
أطلقت باريس مطلع عام 2026 واحدةً من أكثر التحذيرات الأوروبية صراحةً تجاه نهج "الأحادية" الذي تتبعه الإدارة الأمريكية الجديدة، حيث أكد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن إعلان باريس لضمان أمن أوكرانيا لا يعني صكًا على بياض للتبعية السياسية لواشنطن.
وبينما رحّبت فرنسا بالضمانات الأمنية الأمريكية تحت مظلة "تحالف الراغبين"، شدد بارو، في خطاب حاد أمام السفراء، على سيادة القارة وحقها في رفض أي مقترحات تمس مصالحها الحيوية، واصفًا الضغوط الاقتصادية والسياسية الأمريكية بأنها اختبار لصلابة ووحدة البيت الأوروبي.
كما أعربت باريس عن امتعاضها الشديد من الدعم السياسي المباشر الذي يقدمه البيت الأبيض للأحزاب اليمينية المتطرفة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، معتبرةً ذلك تدخلًا سافرًا يهدف إلى تقويض الوحدة الأوروبية من الداخل.

وتأتي هذه التوترات في توقيت حساس، حيث تسعى فرنسا إلى قيادة استقلال استراتيجي يوازن بين الحاجة الميدانية للدعم الأمريكي في مواجهة روسيا، وبين حماية النظام الديمقراطي الأوروبي من موجة الشعبوية العابرة للأطلسي.
هندسة الأمن الأوروبي
اعتمدت 35 دولة، في قمة "تحالف الراغبين" بباريس، وثيقة "إعلان باريس" التاريخية، التي تضع إطارًا لنشر قوة متعددة الجنسيات في أوكرانيا بقيادة فرنسية–بريطانية؛ وتهدف هذه القوة إلى مراقبة أي وقف محتمل لإطلاق النار وضمان استقرار الحدود الشرقية للقارة، في أكبر تحرك عسكري أوروبي مستقل منذ عقود.
وبموجب الاتفاق، تلتزم الولايات المتحدة، عبر مبعوثي الإدارة الجديدة، بدور إشرافي يشمل آلية متطورة للتحقق والمراقبة باستخدام الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، دون الالتزام بنشر قوات قتالية أمريكية على الأرض، وهو ما اعتبرته واشنطن «نجاحًا» في تقاسم الأعباء الدفاعية مع حلفائها الأوروبيين.
وصرّح الرئيس إيمانويل ماكرون بأن هذه الضمانات الأمنية هي المفتاح لضمان ألّا يتحول أي اتفاق سلام مستقبلي إلى استسلام أوكراني أو تهديد روسي متجدد، مؤكدًا أن الوجود العسكري الأوروبي الميداني سيوفر الطمأنينة اللازمة لكييف في مرحلة ما بعد الحرب.

ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات جوهرية تتعلق بتمويل هذه المهام وتحديد خطوط التماس النهائية، حيث أشار الجانب الأمريكي إلى أن القضايا الحدودية والتنازلات الترابية تبقى الملف الأكثر حساسية، وسط إصرار أوروبي على ضرورة أن يكون الحل السياسي مستدامًا ولا يمس السيادة الأوكرانية.
"حق الرفض" الفرنسي
في خطاب حاد أمام السفراء الفرنسيين، أطلق وزير الخارجية جان نويل بارو مبدأ "حق الرفض"، مؤكدًا أن من حق أوروبا رفض أي مقترحات أمريكية تمس مصالحها الحيوية؛ وجاءت هذه التصريحات ردًا على ما وصفته باريس بسياسات الابتزاز التجاري والضغوط الاقتصادية التي تمارسها إدارة ترامب الجديدة.
وانتقدت باريس بشدة التوجهات الأمريكية التي تتجاهل القواعد الدولية، مشيرةً إلى ملفات مثيرة للجدل، مثل العقوبات المفروضة على مسؤولين أوروبيين بتهمة تقييد حرية التعبير، ومحاولات التدخل في القواعد المنظمة للفضاء الرقمي الأوروبي، معتبرةً إياها خرقًا للسيادة الوطنية لدول الاتحاد.
ووصف بارو الوضع الراهن والخطر الذي يهدد النظام السياسي الأوروبي، حيث وضع الضغوط الأمريكية في كفة واحدة مع التهديدات الروسية من حيث قدرتها على تفكيك الروابط التاريخية بين الحلفاء، مشددًا على أن أوروبا لن تقبل أن تظل رهينة للتقلبات السياسية في واشنطن.
وتزامن هذا الموقف مع تحذيرات فرنسية من "الأطماع الإقليمية" التي لمّح إليها بعض أقطاب الإدارة الأمريكية، مثل قضية جرينلاند، حيث أكدت الخارجية الفرنسية أن السيادة الأورو"ليست للبيع"، وأن الحوار مع واشنطن يجب أن يقوم على الندية والاحترام المتبادل، وليس الإملاءات.
صدام الهوية
لم تكف واشنطن عن الدعم السياسي المكشوف الذي تقدمه إدارة ترامب للأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، وعلى رأسها "التجمع الوطني" في فرنسا، وهو ما اعتبرته باريس يمثل تدخلًا سافرًا في العملية الديمقراطية ويهدف إلى إضعاف مؤسسات الاتحاد الأوروبي من الداخل.

وترى باريس أن واشنطن تحاول تصدير نموذج الشعبوية العابرة للأطلسي عبر تعزيز القوى السياسية التي تشكك في الوحدة الأوروبية، وهو ما اعتبره بارو محاولةً لاستغلال "التعب الديمقراطي" لدى الشعوب الأوروبية لإحداث شرخ في التضامن القاري في توقيت جيوسياسي حرج.
وبرز الخلاف حول مفهوم "الدفاع عن الحضارة"، حيث رفض الوزير بارو الادعاءات الأمريكية بأن أوروبا تواجه "محوًا حضاريًا"، مؤكدًا أن الحضارة الأوروبية بخير، لكن النظام السياسي هو الذي يواجه التهديد بسبب الدعم الخارجي لتيارات ترفض الإرث الديمقراطي والقيم المشتركة للقارة.
وتكتسب هذه القضية أبعادًا انتخابية حساسة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، حيث تخشى باريس أن يتحول الدعم الأمريكي لليمين المتطرف إلى "أداة تأثير" قوية في صناديق الاقتراع، مما يدفع الحكومة الفرنسية إلى المطالبة بوضع قوانين أوروبية صارمة تمنع التدخلات السياسية الخارجية في الشؤون السيادية.
ختامًا:
تشير التفاعلات الدبلوماسية المتسارعة في مطلع عام 2026 إلى أن العلاقة بين باريس وواشنطن قد دخلت مرحلة الازدواجية الإجبارية؛ حيث يفرض الواقع العسكري في أوكرانيا تعاونًا لا مفر منه تحت مظلة "إعلان باريس"، بينما تدفع الطموحات السيادية الفرنسية نحو صدام قيمي وسياسي غير مسبوق مع إدارة ترامب، فضلًا عن أن باريس لا تخوض معركة دفاع عن حدود أوروبا الشرقية فحسب، بل تقود جبهة دفاع عن "النموذج السياسي الأوروبي" في مواجهة موجة شعبوية عابرة للقارات ترى في تفكيك الاتحاد الأوروبي مصلحةً استراتيجية لها.
يعتمد نجاح أو فشل هذا التوجه الفرنسي بالدرجة الأولى على قدرة أوروبا على تحويل "حق الرفض" الذي أعلنه بارو إلى قدرة فعلية حقيقية، من خلال تعزيز الاستقلال الدفاعي والاقتصادي. فإذا استمرت واشنطن في نهج التدخل لدعم القوى اليمينية المتطرفة، فإن الفجوة بين الحلفاء التاريخيين مرشحة للاتساع، مما قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة التحالفات الدولية بشكل جذري، وتكريس واقع جديد تكون فيه أوروبا "قطبًا ثالثًا" يبحث عن أمنه واستقراره بعيدًا عن مظلة التبعية التقليدية.



