رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مفاوضات باريس.. كسر الجمود أم إدارة الخلاف بين سوريا وإسرائيل؟

مفاوضات باريس بين
مفاوضات باريس بين سوريا وإسرائيل

شهدت العاصمة الفرنسية باريس يوم الثلاثاء 6 يناير 2026 اختتام الجولة الخامسة من المفاوضات بين سوريا وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، وقد خلصت جولة المفاوضات، حسبما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، إلى إنشاء آلية اتصال للتنسيق في مختلف القضايا الأمنية والاستخباراتية والتجارية.

مثل إسرائيل في المفاوضات كل من السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر، وكذلك رومان جوفمان السكرتير العسكري لرئيس الوزراء، وأخيرًا جيل رايخ المرشح لرئاسة الموساد. أما على الجانب السوري فقد كان الوفد برئاسة أسعد الشيباني وزير الخارجية، ورئيس الاستخبارات العامة حسين السلامة. أما الجانب الأمريكي فقد تمثّل بواسطة مبعوثي ترامب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وأخيرًا السفير الأمريكي في أنقرة ومبعوث ترامب إلى سوريا توم باراك.

من المؤكد أن آلية الاتصال المزمع إنشاؤها ستعمل تحت إشراف الولايات المتحدة، وذلك تسهيلًا لعملية التنسيق المشترك والفوري بين دمشق وتل أبيب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري بين الجانبين، وإمكانية فتح القنوات الدبلوماسية، وتعزيز التبادل التجاري.

 وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني
 وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني

وفيما يخص الملف العسكري بين الطرفين، تم الاتفاق على إنشاء "خلية اندماج" ثلاثية أمريكية إسرائيلية سورية مشتركة، يكون مقرها العاصمة الأردنية عمّان، وتكون مهمتها الإشراف على الوضع الأمني في جنوب سوريا، واستضافة المحادثات المشتركة، والإشراف على خطط نزع السلاح، وأخيرًا مناقشة ملف انسحاب إسرائيل من المناطق التي تم احتلالها في 8 ديسمبر 2024.

وأتت الجولة الخامسة تزامنًا مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة ولقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما قد يُفسَّر على أنه ثمة ضغوط أمريكية على الجانب الإسرائيلي من أجل الولوج مرة أخرى في المفاوضات المشتركة مع الجانب السوري، خاصة بعد حالة الجمود التي أصابتها عقب عملية بيت جن الأخيرة في شهر نوفمبر الماضي، وإصرار نتنياهو على الاحتفاظ بالمواقع المتقدمة التي احتلتها إسرائيل عقب سقوط نظام بشار الأسد. وفي هذا السياق، تناولت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية معلومات تشير إلى أن نتنياهو غير متحمس في الأساس لتلك المفاوضات مع الجانب السوري، وأنها فُرضت من الجانب الأمريكي، خاصة أن نتنياهو يريد الاحتفاظ بالمكاسب التي حققتها إسرائيل في ديسمبر 2024 بالاستيلاء على منطقة جبل الشيخ وإنشاء 9 مواقع عسكرية متقدمة في جنوب سوريا.

 السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر
 السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر

وترغب دمشق من خلال مفاوضاتها المباشرة مع إسرائيل في العودة إلى وضع ما قبل 8 ديسمبر، والارتكان في العلاقات بين الجانبين إلى اتفاقية فك الاشتباك التي تم تحريرها في عام 1974، وتأكيد انسحاب الجيش الإسرائيلي من محيط جبل الشيخ في أقصى الجنوب السوري.

كما تم الاتفاق على العديد من المشاريع التجارية في الجنوب السوري، مثل تشجيع الاستثمار الزراعي، والاستثمار في قطاع الطاقة المتجددة، مثل إنشاء مزارع الرياح لإنتاج الطاقة الكهربائية، وغيرها من المشاريع المشتركة.

رومان جوفمان السكرتير العسكري لرئيس الوزراء الإسرائيلي
رومان جوفمان السكرتير العسكري لرئيس الوزراء الإسرائيلي

من المؤكد أن المفاوضات التي تم إنهاؤها في باريس مؤخرًا شكّلت إلقاء حجر في المياه الراكدة بين سوريا وإسرائيل، إلا أنها في الحقيقة أبرزت العديد من الملفات العالقة بين الجانبين، والتي قد تتسبب في انهيار المفاوضات مجددًا، ومن أبرز تلك الملفات:

أولًا: تعليق العمل العسكري الإسرائيلي في سوريا

شكّلت العمليات والغارات الإسرائيلية المتواصلة في الجنوب السوري إحراجًا لنظام الشرع، والذي بدا غير قادر على ضبط الحدود مع إسرائيل، فضلًا عن عدم قدرته على صد الغارات الإسرائيلية المستمرة على مناطق الجنوب. لذا يرغب النظام الحالي في دمشق في تعليق تلك العمليات، إلا أنه في المقابل تتخوف إسرائيل من أية أنشطة عدائية لها في مناطق الجنوب، خاصة في ظل الضعف الأمني والاستخباراتي الذي تعاني منه الأجهزة الأمنية السورية، الأمر الذي يدفع تل أبيب إلى اتخاذ زمام المبادرة من حين لآخر للتدخل في الجنوب السوري.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مع  أسعد الشيباني 
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مع  أسعد الشيباني 

كما توجد نقطة ينبغي الإشارة إليها، وهي عدم الثقة في الأنظمة الأمنية والعسكرية السورية، والتي قد تكون مخترقة من قبل الجماعات والتنظيمات المسلحة، مثلما حدث في كمين تدمر الذي راح ضحيته اثنان من الجنود الأمريكيين ومترجمهما الخاص، مما دفع واشنطن إلى استبعاد سوريا من العملية التي شنتها مؤخرًا على معاقل داعش في سوريا.

ثانيًا: قلق نتنياهو والعودة للتجميد 

من المحتمل أن يتعرض الاتفاق الأخير للفشل في ظل عدم تحمس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الاتفاق، خاصة أنه نجح في تحقيق العديد من المكاسب الواقعية على الأرض بعمليات عسكرية محدودة النطاق والتكاليف الاقتصادية، إذ نجح في إنشاء 9 مواقع عسكرية متقدمة في الجنوب السوري، والسيطرة على أعلى قمة في الجنوب السوري، والتي تشرف على جميع الطرق الرئيسية والمدقات، وهي قمة جبل الشيخ. وأخيرًا، فإن عدم قدرة النظام السوري حاليًا على مقارعة تل أبيب عسكريًا، إضافة إلى أن المفاوضات الحالية لم تقدم أية حوافز للجانب الإسرائيلي تدفعه للرضوخ للمطالب السورية الأمريكية والتخلي عن مكتسباته العسكرية.

 ثالثًا: نظرية الجدر العازلة

تعتمد إسرائيل في تأمينها على نظرية الجدر العازلة، بمعنى وجود مناطق عازلة بينها وبين المناطق التي ترى فيها مصادر تهديد لأمنها القومي، وقد تكون تلك المناطق أو الجدر على شكل منشآت هندسية، مثل السور الذي تبنيه حاليًا على حدودها مع الأردن، أو الجدار الفاصل في الضفة الغربية. وقد تكون تلك المناطق العازلة عبارة عن مناطق مأهولة بالسكان موالية لها، وفي الوقت نفسه معادية للآخرين، الأمر الذي يجعلها بمثابة حائط صد عن إسرائيل وخط الدفاع الأول بالنسبة لها. ومنذ 8 ديسمبر 2024 دشنت تل أبيب تلك الخطة في الجنوب السوري عبر دعمها غير المحدود لجماعة الدروز في محافظة السويداء الحدودية، وبالفعل دخلت الطائفة الدرزية في اشتباكات مستمرة مع النظام السوري في دمشق.

حسين السلامة رئيس جهاز الاستخبارات السورية
حسين السلامة رئيس جهاز الاستخبارات السورية

رابعًا: عدم تقبل الداخل السوري للتطبيع مع إسرائيل

قد لا يتقبل الداخل السوري مسألة التطبيع مع إسرائيل، خاصة أن الداخل السوري منقسم إلى فئتين رئيسيتين؛ الأولى أنصار النظام الحالي من أبناء التيار الإسلامي، والذين يمتلكون خطابًا معاديًا لإسرائيل في أدبياتهم الفكرية، وقد يلعب هؤلاء دورًا في وأد تحركات أحمد الشرع للتطبيع مع إسرائيل. أما الفئة الأخرى فهي أنصار النظام البائد، والذين يحملون أيضًا خطابًا معاديًا لإسرائيل ويرفضون مسألة التطبيع معها.

كما تلعب الخلفية الأيديولوجية للنظام الحاكم في دمشق دورًا كبيرًا في تعزيز عدم الثقة بين الأطراف المختلفة، خاصة أن تلك الأيديولوجية بُنيت مقولاتها على العداء مع إسرائيل.

خامسًا: عدم استقرار النظام السياسي في دمشق

نقطة أخرى تضعها إسرائيل نصب أعينها في المفاوضات مع الجانب السوري، وهي عدم تمتع النظام الحالي بالاستقرار السياسي؛ فالنظام ما زال في مراحله الأولى، ولا توجد أية أسس واضحة له، كما لا يوجد دستور مكتوب حاليًا يستند إليه النظام في شرعيته السياسية الداخلية. لذا تتضاعف احتمالية فشل النظام الحالي، الأمر الذي يدفع إلى عدم تحمس تل أبيب لتلك المفاوضات، خاصة أن النظام الحالي في دمشق بدأت تتجمع خيوط معارضته، لا سيما بعد فشل المفاوضات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، فضلًا عن تأزم العلاقات مع الدروز والعلويين، وترى إسرائيل أن ثمة وقتًا حتى تتزعزع أركان النظام السياسي الحالي.

رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو 
رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو 

 سادسًا: احتمالية العودة الإيرانية وتفخيخ الوضع السوري 

تواجه إيران اضطرابات داخلية مصحوبة بتهديدات أمريكية بالتدخل في الشأن الإيراني في حال قيام طهران بقمع الاحتجاجات، الأمر الذي يدفع القادة الإيرانيين إلى استعادة نظرية الأطراف الإيرانية، والتي تم إضعافها خلال الحرب الأخيرة. وقد تجد طهران ضرورة استعادة الساحة السورية مرة أخرى عبر دعم الجماعة العلوية في الساحل، وهو الأمر الذي قد يعرض النظام القائم للخطر الشديد، ويهدد بعودة الاقتتال الأهلي من جديد.

ختامًا:

 تعكس المفاوضات السورية الإسرائيلية التي اختُتمت في باريس محاولة حذرة لكسر حالة الجمود التاريخي بين الجانبين، دون أن ترقى حتى الآن إلى مستوى التحول الاستراتيجي الحقيقي. فعلى الرغم من إنشاء آليات تنسيق أمنية وفتح مسارات تعاون محدودة، ما تزال الملفات الخلافية الجوهرية قائمة، وفي مقدمتها الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري، وهشاشة الوضع السياسي والأمني في دمشق، وغياب الثقة المتبادلة، فضلًا عن التعقيدات الإقليمية المرتبطة بإيران والتركيبة الداخلية السورية. وعليه، يبقى مستقبل هذا المسار التفاوضي مرهونًا بقدرة الأطراف المعنية على تجاوز حسابات المكاسب الآنية، وبمدى استعدادها لتحويل التفاهمات الفنية إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار، وإلا فإن هذه الجولة لن تكون سوى محطة مؤقتة قد تعقبها عودة سريعة إلى دائرة التجميد والتصعيد.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء