رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقدير موقف| انتخابات أوغندا ومستقبل الاستقرار السياسي في البحيرات العظمى

مرشح حزب  الوحدة
مرشح حزب الوحدة الوطنية" بوبي واين في الانتخابات الأوغندية

تعاني منطقة البحيرات العظمى في شرق إفريقيا من حالة عدم استقرار سياسي كبيرة نتيجة الحرب الدائرة حاليًا في شرق الكونغو، والمنخرط فيها تقريبًا كل دول المنطقة؛ فأوغندا وبروندي تدخلتا في الأزمة دعمًا لحكومة كينشاسا، فيما تدخلت رواندا في دعم الفصائل المتمردة في شرق الكونغو. وعلى الجانب الموازي، تشهد الصومال منذ عقود اضطرابات أمنية مزمنة على خلفية فشل الحكومة، بالإضافة إلى انتشار الجماعات الإرهابية مثل حركة "شباب المجاهدين" وتنظيم "داعش" في الصومال.

وشمالًا، تندلع أحداث الحرب الأهلية السودانية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في منطقة الفاشر الحدودية مع تشاد. وبجانب تلك التطورات الميدانية المتسارعة في منطقة البحيرات، تشهد دولة أوغندا يوم 15 يناير المقبل انتخابات رئاسية بين الرئيس المنتهية ولايته يوري موسيفني، ذو 81 عامًا، وبين مرشح المعارضة بوبي واين، ذو 43 عامًا.

الرئيس الأوغندي يوري موسيفني 
الرئيس الأوغندي يوري موسيفني 

أهمية الانتخابات الأوغندية

تأتي الانتخابات الأوغندية في سياق إقليمي مضطرب سياسيًا وأمنيًا، كما أنها تأتي باعثًا على عدم الاستقرار السياسي وشيوع الاضطرابات السياسية والأمنية في البلاد، والتي من المحتمل أن تكون مؤهلة لإدخال البلاد في نفق مظلم من الاضطرابات الداخلية، سيمتد أثرها إلى باقي دول إقليم البحيرات وشرق أفريقيا.

الحالة المتوترة التي تعيشها الانتخابات الأوغندية المقبلة تعود إلى العديد من الأسباب الداخلية في البيئة السياسية الأوغندية، أبرزها على الإطلاق:

أولًا: حالة الكهولة السياسية

يعاني النظام السياسي في كمبالا من حالة كهولة سياسية حادة؛ فالرئيس الحالي يوري موسيفني يحكم البلاد منذ أربع عقود تقريبًا، وتحديدًا منذ عام 1986، ولا ينافسه في إفريقيا سوى الرئيس الكاميروني بول بيا، الذي يحكم منذ عام 1982.

ثانيًا: الفجوة الجيلية الحادة

تعاني الانتخابات المقبلة من حالة فجوة جيلية حادة بين المرشحين؛ فالرئيس الحالي موسيفني يبلغ من العمر 81 عامًا، فيما يبلغ مرشح المعارضة بوبي واين نحو 43 عامًا. فموسيفني يعبر عن أجيال عاصرت الاستقلال في بداية الستينيات، وعاصرت النضال ضد حكم عيدي أمين في السبعينيات، وعاصرت أيضًا حالة عدم الاستقرار والفراغ السياسي في أوائل الثمانينيات. أما مرشح المعارضة فيعبر عن أجيال الشباب الحديثة، بدءًا من جيل الألفية وانتهاءً بجيل زد.

المعارض الأوغندي بوبي واين
المعارض الأوغندي بوبي واين

كما أن موسيفني أتى من مدرسة سياسية أفريقية كلاسيكية قائمة على دعم النظام اللاتحزبي، أو ما يسمى في أفريقيا بـ"ديمقراطية الشجرة"، وهي أن يجتمع الشعب الأوغندي لتقرير كيفية حل قضاياه الداخلية بعيدًا عن أية تحزبات عرقية أو دينية.

أما مرشح المعارضة بوبي واين فيأتي من مدرسة سياسية تتخذ من الشعبوية أداة لها، مستغلًا شعبيته المجتمعية كمغنٍ، رغم كونه ينتمي إلى أسرة منخرطة في العمل السياسي، إذ إن جده ووالده كانا من مناصري الرئيس الحالي موسيفني.

ثالثًا: انخراط كمبالا في العديد من الملفات الإقليمي:

تتداخل كمبالا في العديد من الملفات الإقليمية، مثل الأزمة الدائرة حاليًا في شرق الكونغو، فضلًا عن احتفاظها بنفوذ واسع المدى في دولة جنوب السودان، إذ كانت أوغندا هي الظهير السياسي والميداني للمتمردين في جنوب السودان. كما تتداخل أيضًا في الأزمة الصومالية، وأخيرًا تشرف على المنبع الرئيسي لنهر النيل، وهو بحيرة فيكتوريا؛ لذا فإن الانتخابات القادمة ونتائجها سيكون لها ارتدادات على الأزمات الإقليمية المنخرطة فيها كمبالا.

رابعًا: تمترس جيش الرب الأوغندي شمال البلاد

تنتشر في شمال أوغندا حاليًا واحدة من أخطر التنظيمات الإرهابية في البلاد، وهي جماعة جيش الرب الأوغندية المسيحية، التي تسعى إلى استغلال أي فراغ أمني في البلاد من أجل استعادة عملياتها من جديد.

أزمة متجددة

يبدو أننا أمام أزمة متجددة منذ الانتخابات الماضية في عام 2021؛ فخلال الانتخابات السابقة، عملت الشرطة الأوغندية على اعتقال مرشح المعارضة بوبي واين وإيداعه الإقامة الجبرية في منزله بأحد ضواحي العاصمة كمبالا، الأمر الذي أكسب الانتخابات الأوغندية وقتها زخمًا دوليًا، إذ حاولت السفيرة الأمريكية آنذاك في أوغندا، ناتالي براون، زيارة زعيم المعارضة في منزله، إلا أن قوات الشرطة حالت دون تحقيق ذلك، الأمر الذي أدى إلى أزمة دبلوماسية بين أوغندا والولايات المتحدة، حيث اتهمت كمبالا واشنطن بالتدخل في شؤونها الداخلية.

جيش الرب الأوغندي
جيش الرب الأوغندي

سيناريوهات مستقبلية

لا يزال أمامنا سوى أيام معدودات على إجراء الانتخابات الأوغندية خلال منتصف الشهر الجاري، والتي قد تحمل العديد من السيناريوهات المتوقعة، أبرزها:

أولًا: شيوع العنف الانتخابي 

من المؤكد استمرار حالة العنف الانتخابي في الانتخابات المقبلة، خاصة في ظل التوجهات السياسية التي تحملها الشرطة الأوغندية، إذ عادة ما يتم اتهام الشرطة الأوغندية بالتحيز السياسي لصالح الرئيس الحالي يوري موسيفني. ويرجع ذلك إلى العديد من الأمور، أبرزها ما أوضحه جود كاغورو، الباحث في معهد الدراسات بين الثقافات بجامعة بريمن، الذي أشار في مقاله المعنون "الرقابة السياسية في أوغندا ودلالاتها على انتخابات 2026"، المنشور على موقع "المحادثة"، إلى أن العمل الشرطي في أوغندا تطور مع التوجه السياسي في البلاد نحو تكريس حكم الفرد. 

جيش الرب الأوغندي
جيش الرب الأوغندي

وأكد كاغورو أنه في بداية حكم موسيفني تم تهميش دور الشرطة لصالح الجيش والاستخبارات العسكرية، إلا أنه في العقد الأول من الألفية تم تعيين قادة الجيش الأوغندي مسؤولين في الشرطة، الأمر الذي وسّع أدوارها الداخلية وأحدث اندماجًا بين الثقافة العسكرية والعمل الشرطي المدني. كما توسعت الشرطة في مهامها مع تعيين الجنرال كالي كاييهورا عام 2005، الذي عمل على توسيع سلطات الشرطة من حيث حجم القوات والميزانية والتوظيف، فضلًا عن تدشين العديد من الميليشيات الشعبية غير الرسمية من العاطلين، وتم توظيفهم في فرق مكافحة الجريمة وتثبيت أركان النظام السياسي، إذ عادة ما يتم استخدام تلك الميليشيات في حماية أنصار موسيفني، وفي المقابل التعرض لأنصار المعارضين ومنعهم. وواجه جهاز كاييهورا الأمني في عام 2021 تصدعًا أمنيًا على خلفية أزمة الانتخابات الرئاسية، مما دفع الرئيس موسيفني إلى إقالته وإعادة هيكلة الشرطة من جديد، وتعد الانتخابات المقبلة المختبر الحقيقي لجهاز الشرطة الأوغندية في حلته الجديدة.

ثانيًا: استمرارية حاجز الثلث

منذ بدء المعترك الانتخابي في أوغندا عام 1996، لم تستطع أي قوى معارضة تجاوز حاجز ثلث الأصوات تقريبًا؛ ففي انتخابات مايو 1996 حصد مرشح المعارضة 23.7% من إجمالي الأصوات، وفي انتخابات مارس 2001 حصل مرشح المعارضة كيزا بيسيجي على 27% من الأصوات، وحسن بيسيجي من وضعه في انتخابات فبراير 2006 حيث حصد 37% من الأصوات، ثم تراجعت نسبته مرة أخرى إلى 26% خلال انتخابات 2011، وفي انتخابات 2016 حصل أيضًا على 35% من الأصوات، وخلال الانتخابات الأخيرة حصد بوبي واين 34.8% من الأصوات، لذا من المحتمل ألا يتجاوز واين حاجز 37% من الأصوات خلال الانتخابات المقبلة.

مرشح حزب
مرشح حزب "الوحدة الوطنية" بوبي واين 

ثالثًا: عودة التقلبات السياسية

منذ تحقيق الاستقلال السياسي وحتى مطلع الستينيات، كانت أوغندا عنوانًا للتقلبات والاضطرابات السياسية؛ فخلال الفترة من عام 1961 وحتى 1986، أي نحو 24 عامًا، تعاقب على حكم البلاد ثمانية رؤساء، بعضهم ظل في الحكم أيامًا معدودة قبل الإطاحة به عبر انقلاب عسكري. لذا من المحتمل أن تكون الانتخابات المقبلة بداية لعودة عصر التقلبات السياسية، فكبر سن موسيفني يضعف آمال بقاء النظام السياسي في حالة استقرار نسبي، وقد تكون الانتخابات المقبلة هي الأخيرة له في حكم أوغندا، وبعدها ستدخل البلاد في دوامة من عدم الاستقرار السياسي كالتي شهدتها منذ الاستقلال وحتى تولي موسيفني الحكم عام 1986.

رابعًا: انزواء المعارضة التقليدية 

باتت صورة المعارضة التقليدية، المتمثلة في الأحزاب والحركات السياسية، في حالة تراجع، في مقابل تصاعد الشعبوية والفوضوية السياسية، وهو ما تكشف عنه الحالة الأوغندية التي تشهد تصاعدًا للشعبوية السياسية، خاصة في صفوف المعارضة، وهو الأمر الذي ينذر بشيوع الفوضوية السياسية في البلاد.

ختامًا:

 تعكس الانتخابات الأوغندية المقبلة أكثر من مجرد تنافس على السلطة، إذ تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة الأوغندية على الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار السياسي في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. فالتداخل بين عوامل داخلية مثل الكهولة السياسية، والفجوة الجيلية، وطبيعة الأجهزة الأمنية، وبين عوامل إقليمية تتعلق بانخراط كمبالا في أزمات شرق أفريقيا، يجعل من هذه الانتخابات نقطة ارتكاز لمستقبل أوغندا ودورها في منطقة البحيرات. وبين احتمالات العنف الانتخابي، واستمرارية هيمنة النظام القائم، أو عودة دوامة التقلبات السياسية، تبقى نتائج هذا الاستحقاق مؤثرة ليس فقط على الداخل الأوغندي، بل على مجمل معادلة الأمن والاستقرار في شرق أفريقيا خلال السنوات المقبلة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء