إعادة التمترس العسكري داخل حماس: دلالات تعيين علي العامودي في غزة
عانت حركة حماس خلال العامين الماضيين من حالة فراغ إداري كبير داخل قطاع غزة، خاصة بعد تمكن الجيش الإسرائيلي من تصفية معظم قادة الحركة المسؤولين عن أحداث 7 أكتوبر، مثل رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية، الذي تم اغتياله في طهران في يوليو 2024، ونائبه صالح العاروري الذي اغتيل في الضاحية الجنوبية بلبنان في مطلع يناير 2024، وأيضًا رئيس مكتب الحركة في قطاع غزة يحيى السنوار، الذي اغتيل في أكتوبر 2024، وأخيرًا القائد العام لكتائب عز الدين القسام محمد الضيف، الذي اغتيل في يوليو 2024.
ساهمت الحرب في إبقاء المناصب الإدارية والعسكرية في الداخل في حالة شغور مؤقت، فلم تستطع قيادة الحركة في الخارج، خاصة مجلس الشورى الخاص بالحركة، اختيار بدائل للقادة الذين تم اغتيالهم من قبل إسرائيل.

كما ساهم الوضع العسكري المتردي لـ"كتائب عز الدين القسام"، في عدم وضوح الرؤية بشأن مصير تلك الكتائب وقائدها الجديد، إلا أنه مع مرور الأيام وتطورات الحرب بزغ نجم قائد جديد في حركة حماس يُدعى عز الدين حداد، قائد لواء غزة في الحركة، والذي نجح مع مرور الوقت في ترميم قيادة الجبهة العسكرية وضم العديد من كتائب وألوية الحركة تحت قيادته، حتى بات القائد الأبرز داخل القطاع، وبات يشكل عنصرًا ضاغطًا داخل الحركة وأحد العناصر النافذة في اختيار القرارات المصيرية الخاصة بالحركة.
علي العامودي وقيادة الحركة في الداخل
يُعد منصب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" في قطاع غزة من أهم المناصب داخل الحركة، حيث يتخطى في أهميته الإدارية والاستراتيجية أهمية منصب رئيس المكتب السياسي للحركة عمومًا، فهو المسؤول الأول عن إدارة القطاع، فضلًا عن اتخاذ القرارات المتعلقة بالمواجهة مع إسرائيل، هذا فضلًا عن تواصله الفعّال مع القيادة العسكرية للجناح العسكري للحركة، ومسؤوليته أيضًا عن توزيع المساعدات والمشاركة في عمليات إعادة الإعمار.
لذا في الغالب تكون قرارات المكتب الداخلي نافذة، حتى وإن كانت هناك اعتراضات من قيادة المكتب العام، ومن هنا يمكن تفسير طغيان رئيس المكتب السابق في غزة يحيى السنوار على معظم قرارات الحركة في الفترة الماضية، إذ شكّل السنوار ومحمد الضيف، قائد الجناح العسكري، الدور الأبرز في التخطيط لهجمات 7 أكتوبر 2023، حيث تشير العديد من المصادر، ومنها دراسة سبق أن أعدها معهد واشنطن، إلى أن قرار عملية "طوفان الأقصى" اقتسمه كل من السنوار والضيف، ولم يتم إبلاغ قادة المكتب السياسي في الدوحة بتوقيت العملية ونطاقها وأهدافها.

وأخيرًا، بعد مرور أكثر من 15 شهرًا تقريبًا على اغتيال السنوار، تم اختيار "علي العامودي" رئيسًا لمكتب حركة "حماس" في غزة ليكون خلفًا للسنوار، وسبق أن شغل العامودي منصب المُسيِّر لشؤون الحركة في الداخل خلال فترة الحرب الماضية، خاصة بعد اغتيال السنوار في أكتوبر 2024، إذ كان يُعد من أقرب القادة قربًا من السنوار خلال الفترة التي سبقت أحداث 7 أكتوبر.
يتشارك السنوار والعامودي في العديد من المشتركات، أبرزها:
أولًا: أبناء صفقة وفاء الأحرار
يتشارك العامودي مع السنوار في أن كليهما من أبناء صفقة "وفاء الأحرار" عام 2011، فكلاهما كانا أسيرين في السجون الإسرائيلية حتى تم الإفراج عنهما في إطار صفقة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، التي تم تنفيذها عام 2011.

ثانيًا: الرفقة السياسية
كان العامودي بمثابة ظل السنوار السياسي خلال الفترة الماضية، فمع الصعود السياسي للسنوار عام 2017 وتوليه قيادة الحركة في غزة، تولى العامودي منصب مدير مكتب السنوار خلال الفترة من عام 2017 وحتى عام 2021، وفي عام 2021، ومع إعادة انتخاب السنوار، أصبح العامودي عضوًا في المكتب السياسي للحركة، فضلًا عن توليه قيادة الدائرة الإعلامية للحركة، أي أنه كان المسؤول الأول عن المواد الإعلامية التي كانت تبثها الحركة خلال السنوات الماضية، خاصة عملية طوفان الأقصى التي انطلقت في 7 أكتوبر.

ثالثًا: التوأمة الفكرية
لكلا الطرفين، العامودي والسنوار، نفس التفكير السياسي فيما يخص مستقبل الحركة في غزة وتحالفاتها الخارجية، فكلاهما ما زالا يعولان على محور المقاومة المتمثل في إيران وحزب الله، وتصعيد المواجهة مع الجانب الإسرائيلي، وذلك بالمخالفة مع العديد من الرؤى المنتشرة حاليًا في المكتب السياسي للحركة في الدوحة، والذي يرى أهمية تقليل الاعتماد على المحور الإيراني، ومد جسور التعاون والتحاور مع الدول العربية، خاصة الخليجية، وتحويل الحركة إلى كيان سياسي ينافس على الإدارة والحكم في قطاع غزة.
هل تم اختيار العامودي أم تم فرضه؟
تدور تساؤلات حول الكيفية التي تم بها تعيين العامودي في قطاع غزة، خاصة أنه جاء بالمخالفة الفكرية لقيادة الحركة في الدوحة، خاصة خالد مشعل وموسى أبو مرزوق، فقيادة الدوحة حاليًا باتت ترى ضرورة إدخال تعديلات هيكلية وجوهرية في فكر وقيادة الحركة، بعيدًا عن الأسلوب القديم، وتحويل الحركة إلى حركة سياسية في الأساس، وتخفيف العمل العسكري، وبالأحرى تجميد العمل العسكري لسنوات طويلة تصل إلى عشر سنوات، وفك الارتباط مع المحور الإيراني، وتعزيز التعاون مع الدول العربية المعتدلة، كالإمارات والسعودية على سبيل المثال.

لا توجد معلومات واضحة حول كيفية اختيار العامودي لقيادة الحركة، إلا أنه يمكن استقراء شبه انقلاب داخلي قاده العامودي خلال الفترة السابقة، التي كان يشغل فيها دور المُسيِّر لعمل الحركة في الداخل، إذ عمل على إعفاء العديد من القادة الداخليين والمسؤولين عن الهيئات الإدارية، وعيّن آخرين مكانهم، كما قام بالتخلص من القادة الذين وُصفوا بالتخاذل خلال الحرب الماضية وتعيين آخرين مكانهم، كما نجح في سد فراغ القادة المغتالين بتعيينات جديدة، أي أنه قام بثورة إدارية كبرى داخل صفوف الحركة بقطاع غزة، الأمر الذي جعل تعيينه في منصب رئيس المكتب السياسي للحركة في غزة أمرًا واقعًا.
وجديرًا بالذكر أن تحركات العامودي الداخلية لترتيب البيت الداخلي واكبتها تحركات أيضًا من قائد لواء غزة في الحركة "عز الدين الحداد" لفرض الاستقرار والانضباط داخل صفوف الجناح العسكري للحركة، إذ نجح في ضم معظم الألوية والكتائب تحت قيادته، حتى بات بمثابة القائد العام لكتائب القسام، دون أن يتم اختياره من قبل المكتب السياسي للحركة أو مجلس الشورى الخاص بالحركة، ومن المحتمل أن يكون الحداد أيضًا من أبرز داعمي اختيار العامودي لرئاسة الحركة في الداخل، وذلك نظرًا للتقارب الفكري والمنهجي بين الطرفين، ومن هنا يمكن اعتبار أن اختيار العامودي رئيسًا للحركة في غزة رفقة عز الدين الحداد رئيسًا للجناح العسكري يحمل دلالات معينة، وهي:

أولًا: تصاعد الخلافات حول منصب رئيس المكتب السياسي
بات من الواضح حاليًا وجود فريقين متصارعين داخل حماس، أحدهما يتولاه خالد مشعل بنظرة براجماتية للوضع الحالي، مطالبًا بتجميد العمل العسكري، وفك الارتباط مع الجانب الإيراني، وإعادة التموضع السياسي الداخلي، وأخيرًا فتح قنوات اتصال مع الدول العربية المعتدلة، وفريق آخر يرى ضرورة استمرار ساحة المقاومة بقيادة خليل الحية، الذي كان عين في السابق نائبًا ليحيى السنوار قبل خروجه من قطاع غزة، لذا من المحتمل خلال الفترة المقبلة أن نشهد صراعًا داخليًا بين مشعل والحية من أجل منصب رئيس المكتب السياسي للحركة، ومن المحتمل أن يلقى الحية دعمًا كبيرًا من المكتب السياسي للحركة في غزة، نظرًا للتشابه الأيديولوجي بين العامودي والحية، فكلاهما كانا من مساعدي السنوار.
ثانيًا: احتمالية الانشقاق التنظيمي
في الفترة الأخيرة عانى جناح خالد مشعل من حالة تهميش في اتخاذ القرار السياسي والعسكري للحركة، فأغلب القادة المقربين من مشعل قام السنوار باستبعادهم من قيادة الحركة، الأمر الذي همّش مشعل تمامًا من قيادة الحركة، إلا أن نجمه عاد من جديد بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت قادة الحركة خلال الحرب الماضية، ولكن لاحقًا بات يعاني أيضًا من عودة سياسة التهميش التي يمارسها المكتب السياسي في غزة ضده، لذا من المحتمل أن تشهد الحركة، التي تعاني من حالة الضعف، احتمالية انشقاق إلى طرفين، أحدهما معتدل والآخر ثوري، وذلك إذا استمرت سياسة تهميش بعض القيادات التي ترى ضرورة فك الارتباط مع إيران والعودة إلى المحور السني بقيادة السعودية والإمارات.

ثالثًا: تأكيد سردية حماس في التضحية والنصر
بتعيين العامودي، يبدو أن الحركة ما زالت تتمترس حول مقولات المقاومة والحرب مع إسرائيل، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى تأكيد السردية الخاصة بالنصر، وهي أن حماس نجحت عبر تضحياتها الكبرى في الوقوف أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية، وتصدت لمحاولات إسرائيل تصفية المقاومة الفلسطينية، وأن بقاء الحركة كما هي دلالة على النصر وفشل إسرائيل في تحقيق أهدافها.
رابعًا: فيتو القسام
في السابق كان يلعب الجناح العسكري لحركة حماس دورًا محوريًا في اتخاذ القرارات المصيرية للحركة، إلا أنه بعد الحرب الأخيرة وتضرر الحركة إداريًا بات يُعتقد أن قبضة القسام على قرارات حماس قد ضعفت، إلا أن اختيار العامودي لقيادة الحركة في الداخل من شأنه التأكيد على استمرارية هيمنة الجناح العسكري على قرارات الحركة.
ختامًا:
معطيات تعيين علي العامودي رئيسًا لحركة حماس في قطاع غزة تشير إلى أن الحركة تمضي في مسار إعادة إنتاج نمط القيادة ذاته الذي ساد في مرحلة يحيى السنوار، بما يحمله من أولوية للمسار العسكري على السياسي، وترسيخ نفوذ الجناح المسلح في دوائر اتخاذ القرار. ويعكس هذا الاختيار حجم التعقيدات التي تواجهها الحركة في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تتقاطع تحديات إعادة البناء الداخلي مع تصاعد الخلافات الفكرية والتنظيمية بين قيادات الداخل والخارج. وفي ظل هذه المعادلة، تبدو حماس مقبلة على مرحلة دقيقة ستحدد فيها خيارات القيادة الجديدة ملامح دورها المستقبلي، سواء بالاستمرار في نهج الصدام والمقاومة المسلحة، أو بالانخراط في تحولات سياسية أوسع قد تعيد صياغة موقع الحركة داخل المشهد الفلسطيني والإقليمي.



