تخوفات يهود نيويورك: تزايد معاداة السامية في الخطاب الأمريكي
باتت معاداة السامية سمة بارزة في الخطاب السياسي الأمريكي مؤخرًا، لا سيما الخطاب المتعلق بطرفي النظام السياسي في الولايات المتحدة؛ فرغم التباينات الواضحة في الفكر والأيديولوجية السياسية بين قوى اليمين الأمريكي الجديد وقوى اليسار الراديكالي، فإن كلا الطرفين اتفقا على تبني خطاب معادٍ لإسرائيل واليهودية والصهيونية، وعبر كل منهما عن رؤيته وفق تعبيراته السياسية وأطره الفكرية
باتت إسرائيل اليوم في أقل مراحل دعمها من الناحية الفكرية داخل الأوساط السياسية الأمريكية؛ فقوى اليسار الراديكالي بدأت في اتخاذ العديد من التدابير مؤخرًا، والتي تراها إسرائيل ومناصروها معادية للسامية، في حين ينتظر اليمين الأمريكي المتشدد الفرصة المواتية لفض الشراكة مع الصهيونية ودعم أمريكا لإسرائيل، إذ يرى العديد من قادة اليمين الجديد في واشنطن أن الدعم الأمريكي لإسرائيل ليس أبديًا، وقد آن الأوان لكي يتوقف حتى تنهض أمريكا مرة أخرى.
ارتفاع معاداة السامية
في دراسة أعدها مؤخرًا "معهد سياسات الشعب اليهودي" في تل أبيب باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، أشار المعهد إلى زيادة ملحوظة في المحتوى الإعلامي المعادي لإسرائيل، والذي ينشره العديد من المذيعين الموالين للحزب الجمهوري الأمريكي واليمين الجديد في البلاد، خاصة المحتوى الذي يقدمه كل من تاكر كارلسون وكانديس أوينز، فالأخيرة تعتمد على رسائل شديدة الصراحة وغير مواربة في عدائها للس

وأكد معهد سياسات الشعب اليهودي أن الشخصيتين الإعلاميتين انتقلتا من موقف المنتقد لإسرائيل إلى موقف المعادي لإسرائيل خلال الفترة الماضية؛ فمن خلال تتبع المحتوى الإعلامي لكل منهما وتعليقات المشاهدين، استطاع المعهد توثيق زيادة حادة وحديثة في المحتوى السلبي الموجه ضد إسرائيل، وجدير بالذكر أن قناتي تاكر كارلسون وكانديس أوينز تضمان أكثر من خمسة ملايين متابع.
موضوع محوري
أوضحت دراسة معهد سياسات الشعب اليهودي وجود ارتفاع حاد في تناول إسرائيل واليهود ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الخطاب الإعلامي لكلا الشخصيتين المؤثرتين، إذ تخطت التغطية الإعلامية للشأن الإسرائيلي التغطية الإعلامية لأحداث أخرى مثل الحرب الأوكرانية، والتوترات المستمرة مع الصين، وكذلك إيران وبرنامجها النووي.
ويمكن ملاحظة أن بداية الاهتمام بالمحتوى الإعلامي الخاص بإسرائيل بدأت في فبراير 2025، حيث بدأ كانديس أوينز في زيادة اهتمامه الجلي بالأخبار الإسرائيلية والتعليق عليها، أما تاكر كارلسون فبدأ التركيز على إسرائيل في خطابه الإعلامي بداية من أبريل 2025، ومنذ ذلك الحين بدأ الطرفان في توجيه خطاب إعلامي سلبي لاذع موجه إلى إسرائيل والأيديولوجية الصهيونية، إذ ارتفع المحتوى السلبي لكارلسون تجاه إسرائيل من 48.9% خلال النصف الأول من عام 2025 إلى 70.3% خلال النصف الثاني من العام ذاته.

أما الناشطة الأمريكية المناصرة لترامب، كانديس أوينز، فأغلب محتواها الإعلامي (96%) يحتوي إشارات سلبية تجاه إسرائيل، وكلا الشخصيتين تستخدمان خطابًا حادًا تجاه إسرائيل، يتضمن اتهامات لها بارتكاب إبادة جماعية وقتل الأطفال عمدًا، ونشر مرويات تدل على وجود نفوذ إسرائيلي واسع في الولايات المتحدة يجب تحجيمه، هذا بالإضافة إلى توفير كارلسون منصة إعلامية مهمة للعديد من الشخصيات المحسوبة على التيار النازي، والتي تشكك في مسألة المحرقة وتدافع عن سياسات الزعيم الألماني هتلر، مثل النازي الأمريكي "نيك فوينتس"، الذي حل ضيفًا مرارًا على برنامج كارلسون خلال الشهور الماضية.
خطاب اليسار الراديكالي
ظلت مصطلحات مثل اتهام إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين منسوبة بشكل كبير إلى التيار الراديكالي التقدمي، إلا أنها مؤخرًا باتت من أبرز مصطلحات اليمين الأمريكي في التعبير عن الجرائم الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني.
وعلى ذكر التيار اليساري الراديكالي الأمريكي، فقد اتخذ مؤخرًا العديد من السياسات التي تراها إسرائيل مزعجة ومعادية للسامية، وتخالف تعريف "التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة" (IHRA) لمعاداة السامية.
التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة (IHRA) هو منظمة حكومية دولية تضم 35 دولة عضوًا، ودولة اتصال واحدة، و7 دول مراقبة. تأسس التحالف عام 1998 على يد رئيس الوزراء السويدي السابق غوران بيرسون، ويتناول قضايا المحرقة والإبادة الجماعية للغجر، ويهتم بنشر وتعليم ذكرى المحرقة والوفاء بالتزامات إعلان ستوكهولم لعام 2000 وإعلان IHRA الوزاري لعام 2020.

وفي إطار الخطاب الراديكالي اليساري المعادي للصهيونية، كانت أولى قرارات عمدة نيويورك المنتخب حديثًا "زهران ممداني"، والمنتمي إلى ذلك التيار الفكري، هو إلغاء تبني ولاية نيويورك لتعريف "التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة" لمعاداة السامية، وكان سلفه إريك آدامز قد تبنى هذا التعريف خلال فترة ولايته، وتحديدًا في سبتمبر 2024، وذلك في خضم الحرب على غزة وارتفاع الأصوات والمظاهرات في نيويورك للمطالبة بوقف الحرب، ووقتها كان ممداني عضوًا في مجلس ولاية نيويورك، وقد تعهد بإلغاء القرار في حال فوزه في الانتخابات، ليكون أول قرار يتخذه عقب أداء اليمين الدستورية.
وكان التعريف الملغى يتضمن منع إنكار حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره، كما يمنع اتهام اليهود بازدواجية الولاء بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ويمنع تصنيف إسرائيل على أنها دولة عنصرية، كما يمنع التشكيك في أحداث المحرقة وويلاتها وأرقام ضحاياها، ويجرم أي محاولة للمقارنة بين السياسات الإسرائيلية الحديثة والسياسات التي كان يرتكبها الحزب النازي في ألمانيا، كما يمنع تحميل جميع اليهود مسؤولية السلوكيات والأفعال التي تقوم بها الدولة الإسرائيلية.
تخوفات يهودية
أدى مسلك زهران ممداني إلى تخوف يهود نيويورك من سياساته، حيث لم يصوت ثلثا يهود نيويورك لصالحه في الانتخابات الماضية، فيما أظهر مؤشر "صوت الشعب اليهودي" أن 67% من يهود أمريكا يرون أن ممداني سيعرض يهود نيويورك للخطر. وكشف تقرير صادر عن رابطة مكافحة التشهير، وهي منظمة يهودية غير حكومية مقرها نيويورك وتدعم إسرائيل وتؤمن بحل الدولتين، أن 20% من الموظفين الإداريين الذين تم تعيينهم من قبل ممداني على صلة بجماعات مناهضة للصهيونية، وأن بعضهم برر هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023. كما ينتمي هؤلاء الموظفون إلى منظمتي "طلاب من أجل العدالة في فلسطين" و"الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا"، وهما المنظمتان اللتان سبق أن عمل فيهما زهران ممداني كمنظم ومنسق.

وردًا على قرارات ممداني، كتبت وزارة الخارجية الإسرائيلية على حسابها على موقع (X): "يكشف ممداني عن وجهه الحقيقي"، أما وزير شؤون الشتات أميخاي شيكلي فأكد أن ممداني متعاطف مع حماس، ويعلن بوضوح عن أولويته القصوى في استهداف المجتمع اليهودي وإلحاق الضرر به من خلال قراره الأخير بإلغاء تعريف معاداة السامية الخاص بالتحالف الدولي.

إلغاء القرار رقم 60
كان رئيس مدينة نيويورك السابق إريك آدامز قد أصدر القرار التنفيذي رقم 60 المناهض لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل، إذ يمنع هذا القرار استخدام عقود المشتريات الحكومية وصناديق التقاعد لأغراض سياسية، لذا جاء قرار ممداني الأخير بإلغاء هذا القرار فاتحًا الباب أمام فرض المزيد من الضغوط الاقتصادية على إسرائيل، خاصة إذا علمنا أن واردات نيويورك من إسرائيل تبلغ نحو 5.1 مليار دولار، وذلك وفقًا لبيانات مكتب الإحصاء الأمريكي.
ختامًا:
تم إلغاء أمر آخر يتعلق بكيفية تعامل الشرطة في ولاية نيويورك مع الاحتجاجات أمام دور العبادة، خاصة بعد قرار آدامز السابق بحظر التظاهر أمام دور العبادة عقب مظاهرات حاشدة أمام كنيس يهودي، ولم يُلغِ ممداني حتى الآن مكتب مكافحة معاداة السامية الذي كان آدامز قد أسسه في مايو 2025.
وأخيرًا، يمكن اعتبار أن قرارات ممداني الأخيرة، التي تأتي بالتوازي مع الحملة الإعلامية المعادية لإسرائيل في اليمين الأمريكي، تشكل معًا المطرقة والسندان اللذين سيكون لهما الدور الأكبر خلال الفترة المقبلة في تقليص النفوذ الإسرائيلي في الولايات المتحدة، كما ستفتح هذه القرارات الباب أمام زيادة حدة الانتقادات الأمريكية للسياسات الإسرائيلية، وإمكانية فرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل تحت بند مقاطعة البضائع الإسرائيلية المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية.



