رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من طهران إلى تل أبيب: تداعيات الأزمة الفنزويلية على الشرق الأوسط

القبض على رئيس فنزويلا
القبض على رئيس فنزويلا

ألقت العملية العسكرية الأمريكية في مدينة كراكاس، عاصمة فنزويلا، والتي تم بموجبها اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، بظلال ثقيلة على الأوضاع السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة في إسرائيل وإيران. فالعملية تم تنفيذها في منطقة الكاريبي، لكن ارتداداتها سمعت في الشرق الأوسط.

يعود تأثر منطقة الشرق الأوسط بالعملية في فنزويلا للعديد من العوامل التاريخية، أبرزها ارتباط النظام الفنزويلي بالعديد من الأنظمة في المنطقة، والتي توسم بالمقاومة مثل إيران والنظام السوري السابق في عهد بشار الأسد، فضلاً عن العلاقات القديمة بين النظام الليبي السابق بقيادة معمر القذافي وبين الحكومة في كراكاس بقيادة الرئيس الراحل هوجو شافيز ولاحقه الرئيس نيكولاس مادورو.

هذا فضلاً عن انتهاج النظام الفنزويلي أيديولوجية يسارية اشتراكية معادية لقوى الإمبريالية العالمية، والتي تعد إسرائيل أبرز وجوهها وفق المقولات اليسارية والاشتراكية، لذا كانت العلاقات الإسرائيلية الفنزويلية في حالة توتر دائم، هذا فضلاً عن فتح كراكاس أبوابها أمام أنشطة حزب الله اللبناني لإدارة أنشطته الاقتصادية.

القبض على رئيس فنزويلا
القبض على رئيس فنزويلا

ترحيب إسرائيلي وإدانة إيرانية

أشادت إسرائيل بالعملية الأمريكية، والتي أسفرت عن القبض على الرئيس الفنزويلي مادورو، وجاء ذلك من خلال منشور على منصة (X) كتبه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، مؤكدًا وقوف بلاده بجانب الشعب الفنزويلي الذي عانى لسنوات تحت وطأة الاستبداد والحكم غير الشرعي للرئيس مادورو، وأضاف أن تل أبيب ترحب بإزاحة الديكتاتور الذي قاد شبكة موسعة من الإرهاب والمخدرات في بلاده. وفي وقت لاحق أيضًا، هنأ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الرئيس ترامب بنجاح عملية القبض على مادورو.

وعلى الجهة المقابلة، أدانت وزارة الخارجية الإيرانية ما حدث في فنزويلا، واصفة العملية الأمريكية بأنها انتهاك صارخ لسيادة البلاد ووحدة أراضيها، ودعت الأمم المتحدة إلى إدانة واشنطن، فيما نشر حساب المرشد الإيراني علي خامئني على الإنترنت العديد من التصريحات، أبرزها ضرورة الوقوف بحزم أمام أطماع العدو، وعدم الاستسلام، والتوكل على الله، والثقة في الشعب، وأن الرئيس الأمريكي ينشر مزيجاً من الافتراءات والوعود الكاذبة، متهمًا واشنطن بالتناقض، حيث تظاهرت بالتفاوض مع إيران حول برنامجها النووي في الوقت الذي كانت فيه تستعد للحرب معها.

نتنياهو 
نتنياهو 

اتهامات بالصهيونية

وفي مقابل التهنئة الإسرائيلية بنجاح العملية العسكرية الأمريكية، اتهمت ديلسي رودريجيز العملية بأنها تحمل دوافع صهيونية، وذلك خلال خطاب ألقته أمام مجلس الدفاع الوطني، وطالبت بالإفراج عن الرئيس مادورو وزوجته، مؤكدة أن اعتقالهما جاء تحت ذرائع كاذبة بهدف تغيير النظام والاستيلاء على الموارد الطبيعية للبلاد.

وأثارت تصريحات رودريجيز قلق أفراد الجالية اليهودية في فنزويلا، خاصة أنها أتت بعد سلسلة من الاتهامات سبق أن وجهها الرئيس مادورو إلى الصهيونية، حيث أشار خلال تجمع عسكري في نوفمبر الماضي إلى أن الصهيونية تحاول تسليم البلاد إلى الشيطان، وأن بلاده في حالة حرب دينية تشنها الصهيونية على الديانة المسيحية التي يؤمن بها الفنزويليون.

 

ونتيجة عملية اعتقال مادورو، انتفضت العديد من الجماعات السياسية في فنزويلا المناهضة لإسرائيل والمؤيدة للحق الفلسطيني في الاحتجاج على العملية العسكرية الأمريكية، حيث حثت حركة "الشباب الفلسطيني" أنصارها على الانضمام إلى الاحتجاجات، مؤكدة أنه بعد أسابيع من الاستفزازات الأمريكية صعّج ترامب انتهاكاته للسيادة الفنزويلية باختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، كما دعت منظمة "الطلاب الوطنيين من أجل العدالة في فلسطين" عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنصارها إلى التحرك والدفاع عن سيادة فنزويلا ضد استفزازات الولايات المتحدة الأمريكية.

المرشد الإيراني - أرِشيفية 
المرشد الإيراني - أرِشيفية 

رسالة إلى طهران

في إطار تغطيتها للأحداث في فنزويلا، نشرت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية تقريرًا أشارت فيه إلى أن اعتقال واشنطن لمادورو يمثل تهديدًا مباشرًا للنظام الإيراني، سواء قصدت أم لم تقصد أمريكا ذلك، وأعتبرت تهديد النظام الإيراني بمثابة أثر جانبي لعملية اعتقال مادورو.

فإيران، والتي تعد أحد أبرز حلفاء فنزويلا، تعاني من اضطرابات سياسية واسعة على خلفية الاحتجاجات الشعبية الناجمة عن ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض قيمة العملة الرسمية منذ نهاية ديسمبر الماضي، وشيئًا فشيئًا توسع رقعة الاحتجاجات لتشمل العديد من المحافظات والمدن الإيرانية المختلفة، مما دعا النظام الإيراني إلى تشديد قبضته الأمنية، الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تهديد النظام الإيراني بالتدخل في حالة قمع المظاهرات.

حملت تصريحات ترامب تهديدًا ضمنيًا بالتدخل المسلح واستخدام القوة لتغيير النظام الإيراني في حال اتجاه النظام إلى العنف ضد المتظاهرين، لذا جاءت عملية مادورو لتثبت جدية تهديدات الرئيس الأمريكي ترامب. ونقطة أخرى ينبغي الإشارة إليها هي أن عملية مادورو تزامنت مع الذكرى الخامسة لاغتيال قائد فيلق القدس الإيراني الراحل قاسم سليماني في محيط مطار بغداد.

وفي هذا الإطار أيضًا، انبرت العديد من الشخصيات الصهيونية للترحيب بالعملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا، مشيرة إلى أنها تحمل دلالات تحذيرية لإيران، فمثلًا قال يائير لابيد، رئيس حزب يش عتيد، إنه على النظام الإيراني أن يولي اهتمامًا بالغًا لما يحدث في فنزويلا، وأن العملية الأمريكية وجهت ضربة إلى محور الشر العالمي ورسالة واضحة إلى خامئني.

 ديلسي رودريجيز 
 ديلسي رودريجيز 

فيما قال عميحاي تشكيلي، وزير شؤون المغتربين، إن مادورو لم يكن يدير دولة، بل كان يدير إمبراطورية للجريمة والمخدرات التي غذت حزب الله وإيران بشكل مباشر، وقد أثبتت خطوات الرئيس الحاسمة مرة أخرى أن القادة الأقوياء هم السبيل الوحيد لهزيمة الديكتاتوريين، فيما خلصت جمعية "قادة من أجل أمن إسرائيل"، وهي جمعية تضم أكثر من 550 مسؤولًا متقاعدًا، إلى أن العملية الأمريكية في فنزويلا بمثابة تحذير للنظام الإيراني.

ارتدادات العملية الأمريكية

مما سبق، نجد أن العملية العسكرية الأمريكية في كراكاس حملت ارتدادات مهمة وصلت تأثيراتها إلى منطقة الشرق الأوسط، أهمها تقليل أعداء إسرائيل في أمريكا اللاتينية، فالبلدان الأمريكية الجنوبية لطالما شكلت مساحة حركة جيدة لمناهضي الصهيونية والإمبريالية العالمية، وتوسع الأنشطة الراديكالية اليسارية، إلا أنه بعد سقوط مادورو ونجاح قوى اليمين المتطرف في تشيلي، هناك احتمالات بأن تنتقل موجة اليمين المتطرف إلى دول أخرى كالبرازيل، ومن هنا نجد أن أمريكا اللاتينية بدأت تدير ظهرها إلى قوى المقاومة واليسار الراديكالي وبدأت تحقق انفتاحًا سياسيًا فعالًا على إسرائيل وقبول الصهيونية في بلادها.

ومن أبرز الارتدادات أيضاً خسارة إيران وحزب الله حليفهما الرئيس في أمريكا اللاتينية، وهو ما قد يزيد من عزلة النظام الإيراني خلال الفترة المقبلة.

ختامًا:

 توجد نقطة أخيرة يجب الإشارة إليها، وهي أن القوة العسكرية الأمريكية التي نفذت عملية اختطاف مادورو، وهي قوة "الدلتا" الأمريكية، تمتلك سجلًا سيئًا وفاشلًا في إيران، فقد كانت مسئولة عن عملية "مخلب النسر" التي نفذتها واشنطن في 25 إبريل 1980 لتحرير الرهائن الأمريكيين المحتجزين في السفارة الأمريكية في طهران، إلا أن العملية فشلت فشلًا ذريعا، مما أدى إلى مقتل 8 جنود من تلك القوة، فضلًا عن تدمير مروحية وطائرة نقل أخرى، مما أدى إلى إلغاء المهمة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء