من الضفة إلى غزة: الدولة الفلسطينية في خطاب اليمين المتطرف الإسرائيلي
مر حلم إقامة الدولة الفلسطينية، بالعديد من المحطات التاريخية، بدءًا من تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية، مرورًا بالأحداث الفلسطينية الكبرى مثل أحداث أيلول الأسود وغزو لبنان عام 1982، والانتفاضتين الفلسطينية الأولى والثانية، وأخيرًا صعود حركة حماس وحروبها المستمرة مع إسرائيل، خاصة الحرب الأخيرة (2023 ــ 2025).
خلال الحرب الأخيرة، انبرت العديد من الدول في أوروبا وبعض الدول المحسوبة على الجانب الغربي للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما أثار حفيظة واستياء العديد من القوى الإسرائيلية، خاصة قوى اليمين المتطرف، التي تنظر إلى الضفة الغربية على أنها جزء من الدولة اليهودية التاريخية، ولها مخططات ومشاريع قوانين سبق تقديمها إلى الكنيست خلال الفترة الأخيرة تطالب بترحيل سكان الضفة الغربية وإتمام السيادة الإسرائيلية عليها. وفي السياق نفسه، شرعت مؤسسات مثل الشاباك في إعادة تسمية الضفة الغربية في مكاتباتها الداخلية إلى المسمّى العبري القديم "يهودا والسامرة".

ولا تختلف الخطط الصهيونية الموجهة إلى "قطاع غزة" عن الخطط الموجهة إلى الضفة الغربية، فعادة ما يُشار إلى غزة باسم "غوش قطيف"، وهو الاسم الذي أُطلق على المستوطنات القديمة في القطاع قبل تفكيكها عام 2005، إبان عملية فك الارتباط بين إسرائيل وقطاع غزة.
ويُنظر الآن إلى قطاع غزة على أنه فرصة استيطانية واسعة النطاق، خاصة بعد نجاح الجيش الإسرائيلي في إفراغ القطاع من سكانه وتشريدهم في نطاق ضيق جنوبي القطاع، وتطهير المناطق الواقعة شرق الخط الأصفر من فصائل المقاومة الفلسطينية.
وفي هذا الإطار، انبرت العديد من التصريحات والمقالات التحليلية الصهيونية التي تحاول عبثًا ادعاء سيادة إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة. ففي مقالة رأي نشرتها صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية يوم الأحد 4 يناير 2026، للكاتب الإسرائيلي رؤوفين بيركو، تحت عنوان "الأردن هو الدولة الفلسطينية التي يرفض العالم رؤيتها"، حاول الكاتب الإسرائيلي الادعاء بأن الدولة الفلسطينية قائمة بالفعل، مشيرًا إلى المملكة الأردنية، وأنها الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين، وأن العالم يعترف بتلك الحقيقة لكنه لا يريد الإفصاح عنها.

قيام الدولة الفلسطينية
يرى بيركو أن انخراط "حماس" في أحداث 7 أكتوبر وهجومها على المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة من شأنه تقليل فرص قبول إسرائيل بإنشاء دولة فلسطينية في غزة والضفة الغربية، هذا بالإضافة إلى فساد السلطة الوطنية الفلسطينية ومساعدتها لحركات المقاومة الفلسطينية، فكل هذه العوامل من شأنها تقليل فرص إنشاء دولة فلسطينية في الضفة وقطاع غزة.
ويرى بيركو أن مطالبات الدول الأوروبية حاليًا بإنشاء الدولة الفلسطينية بمثابة مكافأة لحماس وحركات المقاومة على عملياتها العسكرية ضد إسرائيل، ويرى أن إقامة الدولة الفلسطينية بمثابة تحرير صك لإبادة جماعية ضد اليهود في إسرائيل، ومكافأة لحماس على عملياتها العسكرية التي تردد شعارات تدعو إلى تطهير اليهود من النهر إلى البحر.
المؤامرة الدولية
يدّعي الكاتب الإسرائيلي وجود مؤامرة دولية هدفها الخسف بالدولة الإسرائيلية وإنشاء الدولة الفلسطينية على حساب الدولة الإسرائيلية، ويعود تاريخ تلك المؤامرات إلى عام 1920، خاصة بعد مؤتمر سان ريمو، الذي مُنحت فيه بريطانيا حق الانتداب على كامل فلسطين بهدف إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
يرى بيركو أن سلطات الانتداب البريطاني هي من أسست فكرة إقامة الدولة الفلسطينية على حساب الدولة اليهودية، ففي البداية أصدرت مرسومًا عام 1921 بفصل المناطق الواقعة شرق نهر الأردن وإضافتها إلى الدولة الهاشمية في الحجاز، التي تمكنت لاحقًا من تأسيس المملكة العربية الهاشمية في شرق الأردن عام 1946.

ويرى الكاتب أن شرق نهر الأردن هو الموطن الحقيقي للشعب الفلسطيني، والذي اقتسمته سلطات الانتداب البريطاني لصالح مملكة الحجاز في عشرينيات القرن الماضي، ويسرد الكاتب في تضليلاته بادعاء أن قرار الأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947، المعروف تاريخيًا بقرار التقسيم، اقتطع جزءًا كان مخصصًا للدولة اليهودية وأضافه إلى الفلسطينيين، وهذا الجزء هو الضفة الغربية، من أجل إقامة الدولة الفلسطينية.
المملكة الأردنية
ويرى الكاتب أن المملكة الأردنية حاولت احتواء الفلسطينيين، فقامت بضم الضفة الغربية خوفًا من إسقاط نظام الحكم الهاشمي، إلا أن ذلك لم يمنع من قيام ثورة مسلحة فلسطينية ضد الملك حسين خلال أحداث أيلول الأسود عام 1970، وقد قامت الحكومة الأردنية بقمع الانتفاضة وطرد المسلحين الفلسطينيين إلى لبنان.

ويشير الكاتب إلى سيطرة الفلسطينيين على معظم الأردن، فمعظم سكان الأردن فلسطينيون، أي ما يقارب من 60 إلى 70% من السكان، والذين يهيمنون أيضًا على الاقتصاد والخطاب العام في البلاد، والذي يتمحور حول فرضية العداء مع إسرائيل.
ويرى الكاتب أيضًا أن إسرائيل انتهجت سياسة مفتوحة عقب حرب 1967 هدفت إلى إعادة دمج الضفة الغربية في الدولة الإسرائيلية، مثل سياسة "الجسور المفتوحة" لموشيه ديان، وكذلك خطة "ألون" الصادرة عام 1967، والتي مهدت لبناء وانتشار المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، الأمر الذي منع إعادة الالتحام بين الضفة الغربية والأردن مرة أخرى.
ويرى الكاتب أن إسرائيل حاولت التفريط في الضفة الغربية عام 1987، من خلال اتفاق لندن بين وزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز والملك الأردني حسين بن طلال، والذي يتضمن اعتراف إسرائيل بسيطرة الأردن على الفلسطينيين في الضفة الغربية وربما غزة، إلا أن هذا الاتفاق قوبل بمعارضة قوية من رئيس الوزراء آنذاك إسحق شامير، مما أدى إلى سحب الملك حسين دعمه لتلك المبادرة.

وفي عام 1988 اندلعت الانتفاضة الفلسطينية، مما دفع الملك حسين وقتها إلى فك الارتباط مع الضفة الغربية وتمكين منظمة التحرير الفلسطينية من إعلان قيام الدولة الفلسطينية. ويرى الكاتب أن دوافع الملك حسين في ذلك الوقت كانت الخوف من انتقال الانتفاضة الفلسطينية إلى الداخل الأردني الذي يعج بالفلسطينيين.
وأخيرًا، يرى الكاتب الإسرائيلي، الذي سبق أن عمل مستشارًا للشؤون العربية في شرطة مدينة القدس، أن الأردن ليس وطنًا بديلًا للفلسطينيين، بل هو الدولة العربية الفلسطينية، معتمدًا في ذلك على سياقات التطور التاريخي لإنشاء الدولة الفلسطينية منذ الانتداب البريطاني، وكذلك على التوزيع الديمغرافي الأردني الذي يغلب عليه الطابع الفلسطيني.

تبعية غزة لإسرائيل
تزامنًا مع مقال رؤوفين بيركو، أدلى النائب عن حزب الليكود ووزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهر بتصريحات أخرى تكشف عن النوايا الإسرائيلية في السيطرة على قطاع غزة، إذ صرّح بأن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من إسرائيل، وأن 2.3 مليون فلسطيني في غزة هم مجرد ضيوف تسمح إسرائيل باستضافتهم في القطاع. ولعل رؤية زوهر تتفق بشكل كبير مع رؤى اليمين المتطرف، مثل رؤية وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي يدعو إلى ضرورة استمرارية الحرب في قطاع غزة وتهجير سكانه خارج البلاد، وإعادة فرض السيادة الإسرائيلية على القطاع، واستعادة بناء المستوطنات.
ختامًا:
ورغم المحاولات الأمريكية لتسكين وإسكات الطموحات الإسرائيلية في بسط السيطرة والسيادة على كامل التراب الفلسطيني، سواء في الضفة الغربية أو في غزة، فإن الطموحات والأطماع الإسرائيلية لن تتوقف عن إيجاد المبررات السياسية والقانونية لتحقيق هدفها. ففي مقالة بيركو حاول إيجاد مبرر قانوني للأفعال الإسرائيلية في الضفة الغربية باعتبارها أرضًا إسرائيلية، منتقدًا في الوقت نفسه قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام 1947، معتبرًا أن الضفة كانت أرضًا مخصصة لليهود، متناسيًا في ذلك وعد بلفور الذي اعترف بالوجود الفلسطيني قبل قيام الدولة الإسرائيلية، إذ نص الوعد صراحة على إقامة دولة يهودية في أرض فلسطين، أي اقتطاع جزء من أرض فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر لصالح إقامة الدولة اليهودية المزعومة.



