رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الأزمة اليمنية: بين تصاعد الإخوان وانحسار الجنوبيين

قيادات قوات درع الوطن
قيادات قوات درع الوطن اليمنية - أرشيفية

عادت الأزمة اليمنية لتفرض نفسها من جديد على الساحة السياسية والإعلامية العربية، فمنذ مطلع ديسمبر الماضي شهدت الأزمة اليمنية تسارعًا في الأحداث، بدأت مع قيام قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي بعملية عسكرية نجحت خلالها في السيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة في جنوبي اليمن، مما أدى إلى تدخل عسكري سعودي بقصف قوات المجلس الانتقالي، وتعميق الخلافات السعودية–الإماراتية فيما يخص اليمن.

تصاعدت هوة الخلاف في وجهة النظر بين الرياض وأبوظبي على خلفية تحرك المجلس الانتقالي الجنوبي؛ ففي الوقت الذي تدعم فيه أبوظبي المجلس الانتقالي الجنوبي، طالبت الرياض بسحب القوات الإماراتية العاملة في اليمن، وعودة التموضع العسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي إلى مرحلة ما قبل ديسمبر 2025.

رشاد العليمي وقوات درع الوطن اليمنية 
رشاد العليمي وقوات درع الوطن اليمنية 

واصلت الإمارات سحب قواتها العاملة في اليمن في بداية يناير 2026، وذلك بعد قيام رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، بإنهاء اتفاقية الدفاع المشترك مع أبوظبي في 30 ديسمبر الماضي، ومطالبته بسحب القوات الإماراتية من اليمن، مما أدى إلى انسحاب القوات الرابضة في مطار الريان ومنطقة شبوة إلى ميناء المكلا، تسريعًا لعملية الانسحاب الإماراتي.

ولا تزال العمليات العسكرية السعودية جارية في اليمن إلى اليوم؛ ففي يوم الجمعة 2 يناير 2026 شنت القوات الجوية السعودية غارات على معسكر اللواء 37 بمدينة الخشعة الواقعة شمال محافظة حضرموت، كما سيطرت قوات "درع الوطن" التابعة للمجلس القيادي اليمني على المنطقة العسكرية في الخشعة، وتقدمت نحو مدينة سيئون، والسيطرة على مطارها الجوي، وإزاء تلك الضغوط العسكرية لجأ المجلس الانتقالي الجنوبي إلى قطع طريق عدن.

  قوات درع الوطن اليمنية 
  قوات درع الوطن اليمنية 

اتهامات إخوانية

أدى تقدم قوات "درع الوطن" إلى بروز اتهامات باستغلال جماعة الإخوان في اليمن للأزمة الحالية من أجل اكتساب المزيد من التقدم الميداني على الأرض على حساب القضية الجنوبية، فمن الجدير بالذكر أن قوات "درع الوطن" تضم في طياتها العديد من العناصر المحسوبة على جماعة الإخوان.

وفي المقابل، تسعى السعودية إلى نشر قواتها البحرية قبالة السواحل اليمنية في بحر العرب منعًا لتهريب أية أسلحة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، خاصة بعد قصفها لميناء المكلا اليمني واستهداف سفينتين حربيتين ادعت الرياض أنهما كانتا تحملان عربات وأسلحة موجهة إلى قوات الانفصاليين في الجنوب اليمني.

المجلس الانتقالي في اليمن 
المجلس الانتقالي في اليمن 

وفي السياق نفسه، تبادلت الاتهامات بين السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي؛ حيث قال السفير السعودي في اليمن، محمد الجابر، في تصريحات صحفية له إن المملكة سعت جاهدة على مدار شهر لإنهاء التصعيد في المناطق الجنوبية، إلا أن المجلس الانتقالي واجه الدعوات السعودية بالتعنت والرفض الشديد. وفي المقابل، عبّر العديد من قيادات المجلس الانتقالي عن أن السعودية لا تمارس أعمالًا سلمية في الجنوب اليمني، خاصة بعد قصف اللواء 37 في مدينة الخشعة بمحافظة حضرموت.

التصعيد السياسي

لا تقل التطورات السياسية سخونة عن نظيرتها العسكرية؛ ففي الوقت الذي تشتبك فيه قوات المجلس الانتقالي مع قوات درع الوطن، أعلنت الخارجية السعودية يوم السبت 3 يناير 2026 أنها تعتزم عقد اجتماع لبحث حل الأزمة الجنوبية اليمنية، وسيتم فيه دعوة جميع فصائل الجنوب لمناقشة الأمر، والوصول إلى حل عادل للأزمة الجنوبية.

قوات درع الوطن اليمنية 
قوات درع الوطن اليمنية 

وتأتي الدعوة السعودية عقب التصعيد السياسي الذي أعلنه رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، يوم الجمعة 2 يناير، بإعلان سياسي بدخول المنطقة الجنوبية مرحلة انتقالية لمدة عامين، تنتهي بتحقيق استفتاء جنوبي يحدد مصير الشعب الجنوبي، سواء في الاستقلال أو الاستمرار في الوحدة اليمنية.

كما طالب الزبيدي باستمرار السلطات المحلية العاملة في الجنوب في أداء مهامها في تحسين الأوضاع والخدمات، واستمرار صرف الرواتب، واستمرار عمل البنك المركزي في عدن باعتباره سلطة مركزية مستقلة.

عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن
عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن

إعلان الزبيدي السياسي، وما قبله من تطورات ميدانية عسكرية، يطرح مرة أخرى قضية الجنوب اليمني؛ إذ مرت القضية الجنوبية بالعديد من المحطات التاريخية، بدأت في منتصف القرن التاسع عشر مع وجود الاحتلال البريطاني في مناطق جنوب اليمن واحتلال مدينة عدن عام 1839. ولاحقًا، في عام 1959، تم تأسيس اتحاد إمارات الجنوب العربي لمواجهة طموحات اليمن الشمالي في التوسع جنوبًا باتجاه عدن، إلا أن شرارة الاستقلال اندلعت في عام 1963، مما اضطر بريطانيا إلى الانسحاب عام 1967، وتولى قحطان الشعبي أول رئيس لليمن الجنوبي.

وفي مارس 1979 دخل الطرفان الشمالي والجنوبي لليمن في مفاوضات معقدة من أجل الوحدة السياسية، التي بدأت تؤتي ثمارها في عام 1988، لتتم الوحدة رسميًا في عام 1990، إلا أنه سرعان ما اندلعت الحرب مرة أخرى في مايو 1994، ونجح خلالها الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح في وأد التطلعات الجنوبية بإعادة الانفصال.

قوات درع الوطن اليمنية 
قوات درع الوطن اليمنية 

وفي عام 2007، ومع تجدد الاشتباكات بين الحوثيين والجيش اليمني، ظهر الحراك الجنوبي إلى الواجهة مرة أخرى، والذي أخذ دفعة قوية بالأحداث التي شهدتها اليمن في عام 2011، إلا أن البروز الحقيقي للحراك الجنوبي بدأ في عام 2014، حين سيطر الحوثي على العاصمة صنعاء؛ إذ اشتركت القوات الموالية للحراك الجنوبي في الحرب الدائرة ضد تنظيم الحوثي، ونجحت في يوليو 2015 في تحرير مدينة عدن جنوب اليمن، والعاصمة السابقة لليمن الجنوبي. وإزاء هذا التطور، نجحت القوى الجنوبية في تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي في عام 2017 برئاسة محافظ عدن الأسبق عيدروس الزبيدي.

دلالات التحولات اليمنية

يحمل التصعيد الجنوبي في اليمن العديد من الدلالات السياسية، أبرزها:

أولًا: المأزق الجنوبي

 بات المجلس الانتقالي الجنوبي في مأزق سياسي، خاصة بعد جدية الردع السعودي في مواجهة المحاولات الانفصالية في الجنوب اليمني، الأمر الذي أعاد تسليط الضوء على الأزمة اليمنية، وقد يخلق رأيًا عامًا عالميًا رافضًا لعملية استقلال جنوب اليمن، حيث تزامنت تحركات المجلس الانتقالي مع محاولات جمهورية أرض الصومال، الواقعة على الشطر الآخر لخليج عدن، لتحقيق استقلالها والاعتراف الإسرائيلي بها، وهو ما لم يلقَ استحسانًا دوليًا وإقليميًا.

قيادات قوات درع الوطن اليمنية 
قيادات قوات درع الوطن اليمنية 

ثانيًا: إضعاف الجبهة اليمنية في مواجهة الحوثي

التحالف اليمني الذي تشكل في مارس 2015 بين مختلف الاتجاهات اليمنية كان له الفضل في تحرير مدينة عدن من الاحتلال الحوثي في يوليو 2015، وذلك بدعم خاص من تحالف قوات عاصفة الحزم التي شكلتها السعودية في العام نفسه. إلا أن التطورات الجارية من شأنها إضعاف الجبهة اليمنية في مواجهة الحوثي، وقد وجدت ميليشيات الحوثي نتيجة التشرذم اليمني في هذه الحالة فرصة لإعادة التموضع السياسي والعسكري من جديد، خاصة بعد الزخم الذي اكتسبته الجماعة مؤخرًا بالحرب مع إسرائيل.

ثالثًا: صعود حزب الإصلاح اليمني

 منذ عام 2015 يسعى حزب التجمع اليمني للإصلاح، والمحسوب أيديولوجيًا على جماعة الإخوان المسلمين، إلى إيجاد نافذة له على خريطة التجمعات السياسية اليمنية، لذا يجد الحزب في الحرب الأخيرة الدائرة في الجنوب فرصة ووسيلة للعمل من أجل التوسع والتمدد السياسي في اليمن وتعزيز دوره في الشأن اليمني، حيث تشير العديد من المصادر الجنوبية إلى مشاركة فعالة لميليشيات حزب الإصلاح "قوات الطوارئ" في قوات درع الوطن التي تتقدم حاليًا في منطقة حضرموت ومدينة سيئون اليمنية.

رابعًا: إعادة تشكيل خارطة النفوذ الإقليمي في اليمن

 ساهم انسحاب الإمارات مؤخرًا من اليمن في تغير خارطة النفوذ الإقليمي في اليمن، إذ باتت السعودية وحدها في مواجهة النفوذ الإقليمي لإيران في اليمن، الأمر الذي يطرح تساؤلًا حول ما إذا كانت السعودية ستنجح وحدها في موازنة النفوذ الإيراني في اليمن.

ختامًا:

في ضوء هذه التطورات المتسارعة، تبدو الأزمة اليمنية مقبلة على مرحلة أكثر تعقيدًا، تتجاوز الصراع العسكري المباشر إلى إعادة تشكيل موازين القوى السياسية داخل المعسكر المناهض للحوثيين. فالتصعيد في الجنوب لا يعكس فقط خلافًا حول ترتيبات السلطة والنفوذ، بل يكشف عن صراع أعمق على هوية الدولة اليمنية ومستقبلها، في ظل تضارب الأجندات الإقليمية وتداخلها مع حسابات القوى المحلية.

 قوات درع الوطن اليمنية 
 قوات درع الوطن اليمنية 

وفي الوقت الذي يسعى فيه المجلس الانتقالي الجنوبي إلى فرض واقع سياسي جديد مستندًا إلى خطاب تقرير المصير، تجد قوى أخرى، وعلى رأسها حزب الإصلاح، فرصة سانحة لإعادة التموضع وتعزيز الحضور داخل مؤسسات القوة، مستفيدة من حالة الانقسام والتوتر. وبين هذين المسارين، تقف السعودية أمام اختبار صعب يتمثل في إدارة التوازن بين منع تفكك الجبهة اليمنية، واحتواء الطموحات الانفصالية، ومواجهة النفوذ الإيراني المتصاعد.

وعليه، فإن مستقبل الأزمة اليمنية سيظل مرهونًا بقدرة الفاعلين الإقليميين والمحليين على الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى البحث عن تسوية شاملة تعالج جذور الأزمة، لا مظاهرها فقط. فاستمرار التصعيد في الجنوب لا يهدد وحدة اليمن فحسب، بل يفتح المجال أمام إعادة إنتاج الفوضى، بما يمنح القوى الأكثر تنظيمًا -وفي مقدمتها الحوثيون - فرصة جديدة لتعزيز نفوذهم على حساب الدولة اليمنية ومؤسساتها.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء