رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تظاهرات إيران: ما بين مناشدات الموساد وتهديدات ترامب

الاحتجاجات في الداخل
الاحتجاجات في الداخل الإيراني -أرشيفية

خلال الأيام القليلة الماضية، اندلعت الاحتجاجات في العديد من المدن الإيرانية على خلفية الأزمة الاقتصادية الخانقة التي ألمّت بالشعب الإيراني مؤخرًا، نظرًا لارتفاع معدلات التضخم في أسعار المواد الغذائية بحوالي 64%، كما انخفضت قيمة الريال الإيراني بمقدار 60% أمام الدولار الأمريكي، وهو الأمر الذي أشعل المظاهرات في العديد من المحافظات الإيرانية، سواء في شرق البلاد أو غربها.

تأتي الأزمة الاقتصادية الإيرانية على خلفية عوامل كثيرة ومركبة، أبرزها خروج البلاد من حرب الاثني عشر يومًا مع إسرائيل، والتي اندلعت أحداثها في 12 يونيو 2025، وتسببت تلك الحرب في تدمير العديد من المقومات العسكرية الإيرانية، فضلًا عن تدمير كبير للبنية التحتية للمشروع النووي الإيراني. وبالإضافة إلى عامل الحرب الأخيرة، تعاني إيران من أثر العقوبات الدولية الخانقة على الاقتصاد الإيراني، والمانعة من بناء طهران علاقات اقتصادية سليمة مع باقي دول العالم، وأخيرًا لا ينبغي إخفاء عامل الفساد السياسي والإداري في تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تواجهها إيران مؤخرًا.

مظاهرات إيران - أرشيفية 
مظاهرات إيران - أرشيفية 

تصاعد الاحتجاجات الإيرانية

منذ بداية الأسبوع الماضي، اندلعت موجة احتجاجات واسعة في المدن الإيرانية على خلفية الارتفاع الكبير في الأسعار والتضخم المتسارع في أسعار المواد الغذائية، مما أدى إلى سقوط قتلى خلال تلك الاحتجاجات؛ إذ أشارت وكالات أنباء إيرانية إلى مقتل ثلاثة محتجين وإصابة سبعة عشر آخرين خلال هجوم استهدف مركز الشرطة في إقليم لورستان غرب البلاد.

كما امتدت الاحتجاجات إلى أقاليم فارس الجنوبي وكرمان وخوزستان وهمدان، مما أدى إلى تزايد حالات الاعتقال في أوساط المحتجين. كذلك تزايدت الاحتجاجات في مدينة لردغان الإيرانية، مما أدى إلى مقتل شخصين خلال محاولة اقتحام مبنى المحافظة الإيرانية. وتُعد موجة الاحتجاجات التي تتعرض لها طهران حاليًا هي الأعنف منذ احتجاجات عام 2022، على خلفية مقتل الشابة الإيرانية مهسا أميني خلال احتجازها من قبل الشرطة الإيرانية.

تدخل حكومي

على استحياء، حاولت الحكومة الإيرانية ضبط الأمور داخليًا من خلال إعلان الرئيس مسعود بزشكيان فتح حوار مع ممثلي المحتجين، والإقرار بعمق الأزمة الاقتصادية في البلاد، ومحاولة إبراز نبرة تصالحية مع الاحتجاجات، في مسعى للسيطرة على الأوضاع وتهدئة المظاهرات الصاخبة.

 مسعود بزشكيان
 مسعود بزشكيان

وبدأت أولى الإجراءات بإقالة محافظ البنك المركزي الإيراني وتعيين عبد الناصر همتي محافظًا جديدًا للبنك المركزي، من أجل السيطرة على التضخم ووقف انهيار العملة الإيرانية، فيما دعا رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إلى ضرورة معاقبة المتلاعبين بقيمة العملة الإيرانية.

البرنامج النووي وإعادة العقوبات

تزامن انتهاء الحرب على قطاع غزة مع انتهاء مدة الاتفاق النووي الإيراني، الذي وُقّع في عام 2015، وكانت مدته عشر سنوات انقضت في نوفمبر 2025. وبانقضاء الاتفاق النووي، ساهمت السياسات الإيرانية في مرحلة ما بعد الحرب في تزايد الشكوك حول نية طهران إعادة تفعيل برنامجها النووي وتسريع وتيرة التخصيب النووي والحصول على السلاح النووي، الأمر الذي دفع دول الترويكا الأوروبية (ألمانيا – فرنسا – بريطانيا) إلى تفعيل مبدأ إعادة الإرجاع الخاص بإعادة فرض العقوبات الأممية على إيران، في حال اكتشاف وجود نية إيرانية لمخالفة الاتفاق النووي.

محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي 
محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي 

وبجانب الموقف الأوروبي، بدأت تل أبيب تتحسس أسلحتها؛ فخلال الفترة الماضية تصاعدت وتيرة التهديدات الإسرائيلية باحتمال شن حرب ثانية ضد النظام الإيراني، ولعل الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن خلال هذا الأسبوع تأتي في إطار محاولات حث الولايات المتحدة على منح تل أبيب غطاءً سياسيًا من أجل شن حربها الثانية ضد إيران.

من المؤكد أن إعادة فرض العقوبات الأممية على النظام الإيراني في أكتوبر/ نوفمبر الماضي بدأت آثارها تتجلى للعلن خلال الأيام القليلة الماضية؛ حيث انهارت العملة الإيرانية وارتفعت معدلات التضخم بشكل ملحوظ في أسعار المواد الغذائية، مما أدى إلى اندلاع المظاهرات والاحتجاجات الأخيرة التي تشهدها المدن الإيرانية المختلفة.

مظاهرات إيران - أرشيفية 
مظاهرات إيران - أرشيفية 

ورغم خصوصية المظاهرات الإيرانية، وأنها نابعة من رحم المعاناة الاقتصادية الإيرانية، فإن إسرائيل لا تقف بعيدًا عن الاحتجاجات الأخيرة؛ ففي يوم الأربعاء 31 ديسمبر 2025، دعا جهاز الموساد الإسرائيلي عبر موقعه على منصة (X) وإذاعة الجيش الإسرائيلي المتظاهرين الإيرانيين إلى تكثيف حراكهم الاجتماعي، وأشار بيان الموساد إلى أنه يقف مع المظاهرات على الأرض، في إشارة غير مباشرة إلى احتمالية تورط الموساد في إشعال غضب المظاهرات الإيرانية الأخيرة. ليعيد بيان الموساد الحديث حول الاختراقات الإسرائيلية للمؤسسات الحيوية الإيرانية، والتي برزت خلال حرب الاثني عشر يومًا، وقبلها نجح الموساد في تنفيذ العديد من العمليات في الداخل الإيراني، مثل اغتيال إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في طهران في يوليو 2024.

تهديدات ترامب

مؤخرًا، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن استعداد بلاده للتدخل من أجل حماية المتظاهرين السلميين في إيران في حال تعرضهم للقمع والعنف في الاحتجاجات التي تشهدها البلاد مؤخرًا، وذلك عبر منشور له على منصة "الحقيقة". وأكد أن بلاده تراقب ما يحدث في إيران، وهدد بأن أي قوة ستُوجَّه ضد المحتجين ستواجه بتدخل عسكري أمريكي.

مظاهرات إيران - أرشيفية 
مظاهرات إيران - أرشيفية 

وتهديد ترامب الأخير أشبه بتهديداته السابقة لنيجيريا في نوفمبر الماضي، وقد أوفى ترامب بتهديداته فعليًا في نهاية ديسمبر الحالي، مما يعني أن تلك التهديدات ليست مجرد تصريحات إعلامية تهدف إلى التأثير السياسي على النظام الإيراني، بل هي تهديدات فعلية تحمل العديد من الدلالات الهامة، وهي كالتالي:

أولًا: مخالفة ترامب لمبادئه السياسية

تأتي تصريحات ترامب الأخيرة حول تظاهرات إيران بمثابة مخالفة لمبادئه الأساسية؛ فلأول مرة يبرر ترامب تدخله السياسي في دول أخرى من أجل حماية المتظاهرين وترسيخ الديمقراطية، مستعينًا في ذلك بإرث الرؤساء السابقين جورج بوش وباراك أوباما، اللذين كانا يتخذان من الأوضاع الداخلية لبعض الدول ذريعة للتدخل السياسي.

ومن المؤكد أن ترامب أسقط من حساباته السياسية أوضاع النظم الداخلية للدول الأخرى في تحركاته الدولية، وتجاوز هذا الأمر بمسافة كبيرة، إذ سبق له أن التقى زعيم كوريا الشمالية في 30 يونيو 2019.

لذا يمكن اعتبار الأزمة الداخلية الإيرانية كعب أخيل للتدخلات الأمريكية في الشأن الإيراني، فالتوجسات الإسرائيلية الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني ما زالت غير مقنعة للجانب الأمريكي.

مظاهرات إيران - أرشيفية 
مظاهرات إيران - أرشيفية 

ثانيًا: غل يد الحكومة الإيرانية

عادة ما تواكب الاحتجاجات والمظاهرات أعمال شغب واعتداءات على المال العام والممتلكات الخاصة والعامة، مما يدفع الحكومات إلى فرض النظام عبر نشر قواتها الخاصة بفض الشغب للسيطرة على الأوضاع، وعادة ما تحدث إصابات ووفيات خلال تلك العمليات. إلا أن الوضع الإيراني، بعد التهديدات الأمريكية الأخيرة، بات أكثر تعقيدًا؛ فلأول مرة في التاريخ الإيراني باتت يد الحكومة مغلولة في مواجهة التظاهرات، ولا تستطيع منع أية أعمال شغب، الأمر الذي قد يؤدي في النهاية إلى سريان فوضى سياسية تفضي إلى انهيار النظام الإيراني برمته.

ثالثًا: إحباط محاولات السيطرة على الأزمة

جاءت التهديدات الأمريكية بمثابة ضربة قاصمة أيضًا للمحاولات الحكومية للسيطرة على الأوضاع وبناء خطاب تصالحي مع المحتجين وإيجاد أرضية مشتركة. فمؤخرًا تمت إقالة محافظ البنك المركزي، مع تقديم وعود خطابية بمحاسبة المسؤولين عن تردي الأوضاع الاقتصادية.

مظاهرات إيران - أرشيفية 
مظاهرات إيران - أرشيفية 

إلا أنه من المؤكد أن تلك الإصلاحات الاقتصادية لن تتم في يوم أو ليلة، بل ستأخذ فترة زمنية معينة قد تمتد إلى شهور وسنة على الأقل حتى تؤتي ثمارها، وهو ما قد لا تجد الحكومة صداه وسط أوساط المحتجين، الذين باتوا يتمتعون حاليًا بحماية أمريكية من أية محاولات حكومية للكشف عن أنيابها.

رابعًا: ضربات مركزة وليست حربًا شاملة

يبدو أن ترامب وجد ضالته في المسألة الإيرانية؛ فتهديداته الأخيرة تكشف عن تحركاته المقبلة في الشأن الإيراني. فهو أولًا لن يدخل في حرب شاملة مع إيران على خلفية الحرب الماضية، حتى لا يفوّت الفرصة على النظام الإيراني في تبني خطاب قومي لتوحيد الصف الداخلي، لذا سيعتمد على أسلوب الإيلام المباشر، سواء عبر توجيه ضربات وغارات محدودة على مراكز قوة النظام، أو تشديد الملاحقات الأمريكية للتجارة الخارجية الإيرانية، وتشديد الحصار الاقتصادي عليها بشكل أكثر خنقًا، مما يؤدي في النهاية إلى فقدان النظام الإيراني السيطرة على مفاصل الدولة، وبالتالي إسقاط النظام السياسي.

خامسًا: زيادة الوجود الإسرائيلي

أشار بيان الموساد الأخير بقوة إلى دور الجهاز الاستخباراتي الإسرائيلي في الأزمة الإيرانية؛ فنظرة سريعة على خريطة الاحتجاجات الإيرانية تكشف أنها ابتعدت بعض الشيء عن العاصمة طهران، وامتدت إلى الأقاليم الإيرانية الأخرى مثل لورستان وهمدان وخوزستان ولردغان وإقليم فارس الجنوبي، مما يشير بوضوح إلى محاولة شد أطراف النظام الإيراني، خاصة أن تلك المناطق، من الناحية الديمغرافية، تضم كثافة من الأقليات العرقية مثل الأكراد والعرب وجماعة اللور وغيرهم.

مظاهرات إيران - أرشيفية 
مظاهرات إيران - أرشيفية 

وختامًا:

 بات النظام الإيراني حاليًا عند مفترق طرق؛ فمن المحتمل أن الاحتجاجات الحالية لن تمر مرور الاحتجاجات السابقة كما حدث في احتجاجات 2022 واحتجاجات 2018/2019، التي تمكن النظام في نهايتها من قمع الاحتجاجات وتقديم بعض التنازلات السياسية الهامة. ففي هذه المرة، تدخلت الولايات المتحدة بفرض حصانة وحماية للمظاهرات الإيرانية، مما قد يشل قدرة النظام فعليًا على وأد تلك الاحتجاجات. لذا، يجب على النظام الإيراني سرعة الالتفاف على الخطة الأمريكية بتقديم تنازلات سياسية مؤلمة قد تصل إلى تغيير شكل النظام السياسي نفسه، على أن يأتي هذا التغيير بأيدٍ إيرانية، خيرًا من أن يأتي بأيدٍ أمريكية إسرائيلية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء