رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ترامب ونيجيريا: توظيف اضطهاد المسيحيين في الخطاب السياسي الأمريكي

الجماعات الإرهابية
الجماعات الإرهابية في إفريقيا -أرشيفية

لا تزال عمليات اختطاف المسيحيين في نيجيريا متتالية؛ فمؤخرًا، يوم الأربعاء 17 ديسمبر، أعلن كينجسلي فانو، مفوض الإعلام في ولاية كوجي بوسط نيجيريا، عن اختطاف ما لا يقل عن 13 مُصلِّيًا من داخل إحدى الكنائس في الولاية، أثناء أدائهم إحدى الصلوات في كنيسة نائية بالولاية.

وتمت عملية الاختطاف في ظل غياب تام لأجهزة الأمن والجيش في نيجيريا، ما استدعى تدخل سلطات الولاية إلى الاستعانة بالصيادين، وتبادل إطلاق نار بين الطرفين، وقد أسفرت المواجهة عن مقتل أربعة من المهاجمين وإصابة عشرة أفراد آخرين. وتأتي تلك الحادثة بعد حادثة اختطاف 300 طفل في إحدى ولايات وسط نيجيريا في 21 نوفمبر الماضي، أثناء تواجدهم في إحدى المدارس الكاثوليكية بالولاية.

الجماعات الإرهابية في إفريقيا -أرشيفية
الجماعات الإرهابية في إفريقيا -أرشيفية

تجدد عمليات الاختطاف للمسيحيين في نيجيريا يعيد الحديث مرة أخرى حول حقيقة وجود اضطهاد ديني في نيجيريا، وأن هناك حربًا دينية ضد المسيحيين في البلاد، خاصة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي اتهم فيها نيجيريا بعجزها عن حماية المسيحيين في البلاد، وأن بلاده على استعداد للتدخل لحماية المسيحيين في نيجيريا.

تُعد الأمور شديدة التعقيد في نيجيريا؛ فمؤخرًا تصاعدت الهجمات بشكل لافت ضد المسيحيين، ولا يمكن إنكار ذلك. وأيضًا نجد أن هناك رغبة غربية محمومة تسعى إلى توظيف الصراع في نيجيريا على أنه صراع ديني بين الإسلام والمسيحية، وعليه يجب أن ينقسم العالم ما بين مسلم ومسيحي، وكأنها محاولة لإعادة توظيف الحروب الصليبية مرة أخرى، لكن في غرب أفريقيا هذه المرة.

تعزيز المكانة الشعبية

في تحقيق معمق أجراه كل من تسنيم فانيا وستيفن جروزد، تم نشره على موقع معهد "هوفر" التابع لجامعة ستانفورد بولاية واشنطن العاصمة، أوضح أن انزعاج دونالد ترامب جراء الهجمات على المسيحيين في نيجيريا ينبع في الأساس من محاولة ترامب توسيع قاعدته الشعبية، رغم وجود العديد من الحالات الأخرى التي يتعرض فيها المسيحيون لهجمات مشابهة في دول أخرى غير نيجيريا، مثل باكستان على سبيل المثال، لكن الأحداث في تلك الدول تمر مرور الكرام.

الجماعات الإرهابية في إفريقيا -أرشيفية
الجماعات الإرهابية في إفريقيا -أرشيفية

يرى جايلز فريزر، القس الأنجليكاني والصحفي، أن العديد من الهجمات على المسيحيين في معظم الدول تمر مرور الكرام للعديد من الأسباب، أبرزها شيوع التيار العلماني في أوروبا الغربية، الذي يرى أن المسيحية تلقي جزاءها على الجرائم التي ارتُكبت في الماضي، مثل معاداة السامية ومحاكم التفتيش التي انتشرت في العصور الوسطى ورفض الإجهاض. ويضيف فريزر أن التخوف من الاتهام بالإسلاموفوبيا يعرقل مناقشة اضطهاد المسيحيين في العديد من المناطق حول العالم. 

الفرق بين الإسلام والإسلاموية

يوضح القس فريزر أنه يجب التفريق بين الإسلاموية والإسلام، إذ يتهم الجماعات الأصولية بالتطرف ومحاولة تحويل الدين الإسلامي إلى أيديولوجية سياسية، والتي تسعى إلى يجب إدارج الجميع تحت مظلتها الفكرية والعقائدية، ومن ثم معاقبة واستهداف الخارجين عن توجهاتها. وهنا لا يفرق  الباحث في دراسته بين المسيحي أو الغير مسيحي في طريقة تعامل هذه الجماعات مع المناوئين لمشروعها الفكري والسياسي.

وفي إطار نيجيريا، تطرق القس فريزر إلى مسألة التلاعب في الأرقام؛ فقد أشار إلى تصريحات سابقة للنائب الجمهوري تيج كروز عن ولاية تكساس الأمريكية، والتي أشار فيها إلى أن أكثر من 50 ألف مسيحي قُتلوا منذ عام 2009، وتم تدمير ما يقارب 18 ألف كنيسة وألفي مدرسة مسيحية، وهو ما شكك فيه فريزر، موضحًا أن هناك تلاعبًا في الأرقام ومحاولة لاختزال الصراع في نيجيريا إلى صراع بين مسلمين ومسيحيين. 

الرئيس ترامب 
الرئيس ترامب 

مشهد أوسع

يفسر فريزر أن مشهد مقتل المسيحيين في نيجيريا هو جزء من مشهد أوسع للعنف الذي تمارسه بعض الجماعات والحركات الأصولية المتطرفة؛ فالمسيحيون مجرد جزء من هؤلاء الذين لا يلتزمون بمبادئ وتعليمات هذه الجماعات، موضحا أن حركة "طالبان" في أفغانستان لا تقتصر عملياتها ضد المسيحيين، بل تشمل أيضًا أبناء الطوائف الأخرى مثل الهزارة الشيعية والطائفة الأحمدية. ويشير كذلك إلى أن جماعة "التوحيد" في سريلانكا، لا تفرق بين هجماتها على الكنائس وبين هجماتها على المساجد الصوفية في البلاد؛ لذا فالهجمات على الكنائس لا تكون مبنية في الأساس على معايير الكراهية الدينية، بل مبنية في الأساس على رغبة الحركات في التوسع الأيديولوجي وضم الجميع تحت طياتها.

وبالعودة إلى نيجيريا، نجد أن جماعة "بوكو حرام" استهدفت في الأساس المسلمين في شمال البلاد، وكذلك قوات الشرطة والجيش، وأي شخص يعارض توجهات الجماعة، وكذلك أيضًا موظفي الأمم المتحدة في البلاد.

لذا فإن مصطلح "اضطهاد المسيحيين" يحمل دلالات إغوائية يصر عليها البعض المتعلق بمفهوم صراع الحضارات بين العالمين الإسلامي والمسيحي. ويحذر فريزر من هذا السياق في استعمال مفهوم اضطهاد المسيحيين في نيجيريا من أجل تعميق الكراهية تجاه المسلمين في نيجيريا، والعمل على تأصيل الانقسام الديني في البلاد، ودخول البلاد فعليًا في حالة حرب طائفية بين المسلمين والمسيحيين.

ختامًا:

 يؤكد تقرير "معهد هوفر" الأمريكي أن الهجمات على المسيحيين في نيجيريا تأتي في الأساس في سياق الإخفاقات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤجج السخط الشعبي؛ فالحركات الأصولية خاصة جماعة "بوكو حرام"، لم تنشأ من فراغ ولم يتم استحداثها من العدم، فهي وليدة تلك الإخفاقات السابقة، حيث استغلت "بوكو حرام"، وقبلها حركة "طالبان" الباكستانية، حالة الفقر وانعدام الفرص وضعف الخدمات الاجتماعية في التوسع واستقطاب أعضاء جدد لها.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء