الصومال وجماعة شرق إفريقيا: تكامل اقتصادي أم عبء أمني؟
برزت على الساحة الإفريقية مؤخرًا القضية الصومالية على خلفية الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة ذات سيادة وطنية، وهو ما فتح الباب أمام الحديث حول دور الدولة الفيدرالية في مقديشيو وتمكينها اقتصاديًا واجتماعيًا لكي تكون قادرة على بسط سيطرتها السياسية على كافة الأقاليم الصومالية، وإبعاد شبح الدولة الفاشلة عن الدولة الصومالية، ومعالجة أزمة الأقاليم الصومالية.
تكافح مجموعة من دول شرق إفريقيا حاليًا من أجل تعزيز الجهود المشتركة لتحقيق تعاون واندماج اقتصادي بين تلك الدول، من خلال إيجاد سوق مشتركة وعملة موحدة على غرار تجربة الاتحاد الأوروبي، ومن ثم الحديث عن وحدة سياسية فيدرالية بين دول شرق إفريقيا.
على مدار تاريخ منطقة شرق إفريقيا، جرى الحديث مطولًا حول إنشاء وحدة إنمائية تضم كافة دول شرق أفريقيا، ففي عام 1967 تم تأسيس "مجموعة شرق إفريقيا" والمعروفة اختصارًا باسم (EAC)، حيث ضمت دولًا مثل تنزانيا وكينيا ورواندا وبوروندي وأوغندا، إلا أن هذا التحالف سرعان ما فشل، وتم حل المنظمة الوليدة في عام 1977.

وفي 7 يوليو 2000 تم إحياء المنظمة من جديد، لتتوسع في عضويتها وتضم دولًا مثل جنوب السودان الذي انضم في عام 2016، وأيضًا جمهورية الكونغو الديمقراطية في عام 2022، وأخيرًا انضمام الصومال في عام 2024. وفي خضم تطوير مؤسسات الجماعة تم تأسيس اللبنة الأولى للتكامل الاقتصادي بإنشاء السوق المشتركة بين الدول الأعضاء في عام 2010، وحاليًا يقع مقر المجموعة في مدينة أروشا بتنزانيا.
تعد جمهورية الصومال العضو الأحدث والأبرز في تلك الجماعة، إذ تسعى مقديشيو من خلال الانضمام إلى تلك الجماعة إلى تعزيز وضعها الاقتصادي وتحسين أداء مؤشراتها الاقتصادية، والانتشال تدريجيًا من مصطلح الدولة الفاشلة التي وُصمت به الصومال على مدار العقود الأربعة الماضية.
تماسك المجموعة
مرت مجموعة شرق إفريقيا منذ تأسيسها في عام 1967 بالعديد من الاضطرابات السياسية، مما أدى إلى حلها في نهاية المطاف عام 1977، نظرًا للخلافات العقائدية بين دول شرق أفريقيا في ذلك الوقت؛ حيث تبنت تنزانيا في عهد رئيسها الراحل جوليوس نيريري أيديولوجية سياسية موالية لدول الشرق ذات التوجه الاشتراكي، أما كينيا، على سبيل المثال، فكانت ولا تزال من أهم حلفاء الدول الغربية والرأسمالية الدولية.
لكن بعد العودة مرة أخرى في عام 2000، أبدت الجماعة تماسكًا سياسيًا، يتضح ذلك في توسع العضوية من ناحية، وأيضًا تأسيس السوق المشتركة في عام 2010. وحاليًا تعد تلك المجموعة من أكثر الجماعات الإفريقية تماسكًا، وتقترب في أدائها من الجماعة الاقتصادية الإنمائية لدول الجنوب الإفريقي "السادك".
وبات يُنظر إلى مجموعة شرق إفريقيا على أنها الفرصة الإفريقية الواعدة لتحقيق التكامل الاقتصادي، خاصة بعد حالة التصدع التي أصابت مؤخرًا الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "الإيكواس"، والتي شهدت انسحاب كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو منها على خلفية الأزمات السياسية مع نيجيريا.

لماذا الصومال
تعوّل الصومال، أحدث عضو في المجموعة، على انضمامها إليها وفق العديد من الاعتبارات، أبرزها الموقع الجيوسياسي الفريد للصومال في شرق إفريقيا، حيث تمتلك حدودًا سياسية مع معظم دول شرق أفريقيا، كما أن القومية الصومالية ممتدة ومتجذرة في العديد من دول شرق إفريقيا، وليس فقط الصومال. فعلى سبيل المثال، تنتشر القومية الصومالية في منطقة شمال شرق كينيا على الحدود مع الصومال جنوب إقليم جوبالاند الصومالي، كما ساهم فشل الدولة الصومالية عام 1991 في هجرة المزيد من الصوماليين إلى دول شرق إفريقيا مثل كينيا على سبيل المثال.
انضمام صعب
وجدت الصومال ضالتها الاقتصادية في الانضمام إلى مجموعة شرق إفريقيا، حيث تقدم الرئيس الصومالي الأسبق "شيخ شريف شيخ أحمد" بطلب للانضمام إلى المجموعة في 20 مارس 2012، ونوقش الطلب الصومالي خلال القمة الرابعة عشرة المجموعة في نوفمبر 2012، إلا أن ظروف الاضطرابات الأمنية حالت دون تحقيق انضمام الصومال لمدة تزيد على عشر سنوات، لتنضم مؤخرًا في عام 2024.
كان من المفترض أن يتم نشر لجنة للتحقيق في فرضية انضمام الصومال في عام 2013، إلا أن الظروف الأمنية حالت دون تحقيق ذلك، ولكن بعد النجاحات العسكرية الحكومية في عام 2022 طالب رؤساء دول المجموعة باستعادة نشاط لجنة التحقيق في عام 2022، وبالفعل تم إجراء المفاوضات لانضمام الصومال خلال الفترة من 25 يناير وحتى 3 فبراير 2023.

كما شهدت العاصمة الكينية نيروبي خلال الفترة الممتدة من 22 إلى 30 أغسطس 2023 محادثات أسفرت عن الاتفاق بشأن شروط انضمام الصومال، وتمت مراجعة تقرير المفاوضات في الاجتماع الرابع والأربعين لمجلس الوزراء للمجموعة في نوفمبر 2023، وخلال القمة الثالثة والعشرين التي عُقدت في 24 نوفمبر 2023 تمت الموافقة على انضمام الصومال، وتم التوقيع على معاهدة الانضمام في 15 ديسمبر 2023، وتم إيداع وثائق التصديق الصومالية في مارس 2024.
مخاطر حقيقية
بانضمام الصومال مؤخرًا إلى مجموعة شرق إفريقيا، برزت للعلن العديد من المخاطر والفرص الواعدة؛ فالفرص تتجلى من خلال تعزيز التجارة البينية بين دول الإقليم، ورفع النفوذ السياسي لدول الجماعة، مع احتمالية وجود استجابات أكثر تنسيقًا للصراعات الإقليمية.

إلا أن المخاطر تتمحور حول وجود صراعات داخلية في معظم دول المجموعة، خاصة الدول الثلاث المنضمة حديثًا مثل الكونغو الديمقراطية وجنوب السودان وأخيرًا الصومال، فلا تزال تلك الدول تواجه موجات من عدم الاستقرار، الأمر الذي يثير المخاوف حول قدرة المجموعة على استيعاب أعضائها الجدد.
كما أدى توسيع عضوية المجموعة إلى بروز أزمة مالية تهدد الأجندة التكاملية الاقتصادية لدول المجموعة، حيث تعجز حاليًا الدول الشريكة في المجموعة عن دفع مخصصاتها المالية. فعلى سبيل المثال، تمكنت دول مثل كينيا ورواندا وأوغندا وتنزانيا من دفع مساهماتها الكاملة في ميزانية المجموعة، فيما دفعت بوروندي حوالي 19% من مساهمتها، أما الكونغو فقد دفعت 14% فقط، أما الصومال فنجحت في دفع 50% من إجمالي مساهماتها، وأخيرًا جنوب السودان فقد دفعت فقط 7% من إجمالي مساهماتها.
دوافع انضمام الصومال
توجد العديد من الدوافع السياسية التي حثت القيادة الصومالية على الانضمام إلى مجموعة شرق إفريقيا، ومنها على سبيل المثال:
أولًا: كسر العزلة الدولية
عانت الصومال منذ عام 1991، نتيجة اضطراباتها الداخلية، من حالة عزلة دولية مفروضة عليها، لذا جاءت عملية الانضمام مؤخرًا إلى مجموعة شرق إفريقيا لكسر حالة العزلة الدولية والانخراط في المجتمع الدولي مجددًا.

ثانيًا: تعزيز التواصل مع الجاليات الصومالية
تمتلك الصومال جاليات كبيرة في دول مثل كينيا وتنزانيا وأوغندا، لجؤوا إلى تلك الدول في أعقاب الأزمات الأمنية الصومالية.
ثالثًا: الاستفادة من بروتوكول الاتحاد الجمركي
تسعى مقديشيو إلى الاستفادة من بروتوكولات الاتحاد الجمركي الخاصة بالمجموعة ، حيث سيوفر ذلك للصومال إمكانية الوصول إلى الأسواق المعفاة من الضرائب.

رابعًا: الاستفادة من الموانئ الصومالية
تمتلك الصومال سواحل طويلة تصل إلى 3300 كيلومتر، ممتدة من المحيط الهندي جنوبًا وحتى خليج عدن ومضيق باب المندب شمالًا، الأمر الذي خلق واقعًا جيوسياسيًا مهمًا للصومال أغرى الدول الكبرى والإقليمية بالتواجد على الشواطئ الصومالية. لذا تحاول الصومال أن تكون المنفذ البحري الأهم لدول جماعة شرق إفريقيا، خاصة أن العديد من دول المجموعة حبيسة مثل رواندا وبوروندي وأوغندا والكونغو الديمقراطية وأخيرًا جنوب السودان، لذا ستشكل موانئ مقديشيو وكسمايو فرصة تجارية ذهبية للصومال في حال نجاحها في تعزيز تواجدها في الجماعة.
خامسًا: تعزيز الاستفادة الإقليمية من الموارد الطبيعية الصومالية
إذ تمتلك الصومال واحدة من أكبر المصايد السمكية على مستوى العالم، كما تسعى مقديشيو إلى إعادة الاستثمار في قطاع الطاقة، حيث الغاز والنفط، وهو الأمر الذي سيكون حاسمًا من الناحية الاقتصادية في حال إتمامه.

ختامًا:
ما زالت توجد العديد من العقبات أمام الصومال من أجل إتمام انضمامها إلى مجموعة شرق إفريقيا، أبرزها انهيار نظامها النقدي، فلا تزال العملة المتداولة حاليًا في البلاد هي الدولار الأمريكي، كما تشكل التحديات الأمنية عقبة أمام الاقتصاد الصومالي، خاصة بعد تصاعد أنشطة حركة "شباب المجاهدين" مؤخرًا. ومؤخرًا برزت أهمية تحقيق الاندماج السياسي بين مختلف الأقاليم الصومالية التي تسعى بعضها إلى تحقيق الانفصال وتكوين دول مستقلة، مثل إقليم أرض الصومال وبونتلاند، وأخيرًا إقليم جوبالاند.



