قوة الاستقرار في غزة.. مشروع مؤجل أم أزمة في التنفيذ؟
ما زالت عملية تشكيل قوة الاستقرار الدولية المزمع انتشارها في قطاع غزة تؤرق صانعي ومتخذي القرار في تل أبيب، فبعد ثلاثة أشهر تقريبًا من التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار، ما زالت الصورة غامضة للغاية حول تشكيل تلك القوة، وما هي الدول المشاركة، وما هي المهام المنوطة بها خلال الفترة المقبلة.
يُعد تشكيل قوة الاستقرار الدولية أحد البنود العشرين لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإحلال السلام في قطاع غزة، ويُعد تشكيل تلك القوة أمرًا بالغ الأهمية نظرًا لحجم التحديات التي تواجه القوة المزمع تشكيلها؛ فهي من المفترض أن يتم نشرها في قطاع متهدم مكتظ بالسكان، في بيئة تحمل نُذُر الحرب الوشيكة.

ليس مبدأ تشكيل قوة الاستقرار الدولية هو البند الوحيد الذي لم يتم تحقيقه من خطة الرئيس ترامب، فسبقه أيضًا بنود متعلقة بإنشاء حكومة التكنوقراط الفلسطينية ومجلس السلام الدولي الذي سيترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ فعلى سبيل المثال، تم تسريب معلومات في نهاية أكتوبر الماضي عن إيكال تلك المهمة إلى الحقوقي الفلسطيني أمجد الشوا لإدارة قطاع غزة، إلا أنه سرعان ما خفت الحديث عن تلك المسألة، وباتت مسألة حكومة التكنوقراط أمرًا في غياهب النسيان.

وعلى جانب آخر، لا توجد أية معلومات حول وجود أية نية خلال المرحلة الحالية لتشكيل مجلس السلام الدولي بقيادة دونالد ترامب؛ فمعظم التقارير والتحليلات السياسية متعلقة في الأساس بتشكيل القوة الدولية، وما هي الدول المستعدة للمشاركة في تلك القوة، وذلك نظرًا لأن تلك القوة ستشكل الأداة التنفيذية لكل من الحكومة المزمع إنشاؤها، وأيضًا مجلس السلام الدولي.
التحديات التي تواجه قوة الاستقرار
عبّرت دوائر إسرائيلية عن مخاوفها من تشكيل قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة، فمؤخرًا أشار كوبي مايكل، الباحث الأول في معهد الدراسات الأمنية بتل أبيب، إلى العديد من المخاوف الإسرائيلية بشأن تشكيل قوة الاستقرار الدولية، وهي كالتالي:
أولًا: طبيعة مهام القوة

تنقسم طبيعة القوات الدولية إلى نوعين، هما قوات حفظ سلام وقوات فرض سلام؛ فقوات حفظ السلام عادة ما تكون مهامها حفظ السلام والإشراف على تطبيق وقف إطلاق النار، دون أن يكون لها سلطة التدخل في إدارة عملية السلام، أما قوات فرض السلام فهي قوات ذات طبيعة معقدة ومتعددة العمليات، حيث تُخوَّل القوة الدولية استخدام قوتها في فرض السلام على جميع الأطراف من أجل تحقيق الاستقرار والسلام المنشود، كما يكون لتلك القوة الحق في التعامل مع السكان المحليين. وتزداد مهمة تلك القوة تعقيدًا إذا كانت تعمل في بيئة مضطربة أمنيًا وسياسيًا وتعج بالعديد من الأطراف الفاعلة المسلحة.
ثانيًا: المليشيات المسلحة والخط الأصفر
تسعى إسرائيل إلى أن تكون قوة الاستقرار الدولية ذات طبيعة قوى فرض السلام، وأن يكون لها دور عسكري في قطاع غزة، لكن يدور تساؤل هام: هل تريد فعلًا إسرائيل تشكيل قوة استقرار وسلام، أم تشكيل قوة عسكرية تؤدي مهام عسكرية بديلًا عن الجيش الإسرائيلي؟ فالرغبة الإسرائيلية الأولى، والتي عبّر عنها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال زيارته الأخيرة لواشنطن، طالب فيها بنزع سلاح حركة "حماس" في أسرع وقت ممكن، وتعوّل تل أبيب على قوة الاستقرار الدولية في أداء تلك المهمة. لكن يثار تساؤل هنا حول موقف القوة المزمع تشكيلها من الميليشيات الموالية لإسرائيل، مثل مجموعة ياسر أبو شباب التي يقودها حاليًا غسان الدهيني، أو مجموعة حسام الأسطل وغيرها، كما يثار تساؤل آخر حول حدود مهام القوة الدولية داخل منطقة الخط الأصفر التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي.

ثالثًا: التحدي الثقافي
أشار كوبي مايكل، في دراسته المنشورة على موقع معهد الدراسات الأمنية حول تحديات قوة الاستقرار الدولية، إلى تحدٍ جديد وهو التحدي الثقافي لتلك القوة، إذ قسّم التحديات الثقافية إلى ثلاثة أنماط؛ أولها أن تلك القوة سيتم تشكيلها من دول مختلفة، مما يعني ثقافات وحضارات مختلفة، متسائلًا عن كيفية تحقيق التفاهم بين تلك الثقافات داخل قطاع غزة. أما النمط الثاني فيتعلق بمدى قدرة تلك القوة على التعامل مع الفاعلين من المؤسسات المدنية المتواجدة في قطاع غزة، مثل المنظمات الإغاثية ووكالات الإعلام وحقوق الإنسان، الأمر الذي يبرز أهمية احتفاظ تلك القوة بديناميكية كبيرة في التحرك الفعّال على الأرض وسهولة التواصل مع تلك المنظمات. أما التحدي الثالث، والأكثر تعقيدًا، فهو متعلق بالتعامل مع السكان المحليين، وهو الأمر الذي سيحمل العديد من التوترات، خاصة أن تلك القوة ستكون معنية بتوزيع المساعدات وإعادة الإعمار.

رابعًا: التأني أم العجلة
يرى كوبي مايكل أن العجلة عدو، خاصة في ظل الظروف الراهنة في قطاع غزة، إذ ينتقد مايكل مسارعة الرئيس الأمريكي لتشكيل قوة الاستقرار الدولية، والتي من المفترض أن يرأسها جنرال أمريكي متقاعد، وذلك في ظل موقف حركة حماس الرافض لنزع السلاح، وهو ما يعني ضرورة تحضير عملية أبطأ وأكثر قدرة ودقة على مواجهة سلاح حركة حماس. فالتسرع في تشكيل القوة ونشرها من المحتمل أن يؤدي إلى تصادم مع حركة حماس، وقد يعلي هذا من أسهم الحركة مرة أخرى في قطاع غزة. لذا يطالب مايكل بضرورة أن تكون عملية نشر القوات مدروسة، واضعة في الاعتبار مسألة سلاح الحركة، ولتجنب تلك المعضلة يقترح مايكل أن يتم نشر تلك القوة داخل منطقة الخط الأصفر المسيطر عليها من قبل الجيش الإسرائيلي.
خامسًا: التنسيق مع الجيش الإسرائيلي
تبرز نقطة أخرى هامة، وهي مسألة التنسيق مع جيش الاحتلال الإسرائيلي؛ فمن المفترض أن تستلم القوة العديد من المهام الأمنية من جيش الاحتلال الإسرائيلي، خاصة في منطقة الخط الأصفر، كما أنه من المفترض أن يتم التنسيق حول خطوط التماس وخطوط المواجهة وغيرها من الفنيات الأمنية والعسكرية. وهنا يجب أن تُبدي جميع الأطراف نيتها للتفاعل والتعامل الجاد بين الطرفين، لكن ظروف تشكيل القوة والدول المشاركة فيها تحمل دلالات حول احتمالية وجود توترات بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وتلك القوة؛ فعلى سبيل المثال، تشهد العلاقات الإسرائيلية مع كل من مصر وتركيا توترًا سياسيًا ملحوظًا، وكلا الدولتين من المشاركين الأبرز في قوة الاستقرار الدولية، فكيف يمكن ضمان عدم انتقال تلك التوترات السياسية إلى العمليات على الأرض في قطاع غزة؟ وهل يُبدي الجيش الإسرائيلي تعاونًا فعالًا مع قوة دولية قوامها جنود مصريون وأتراك وباكستانيون؟

ختامًا:
يوجد مثل سياسي ردده العديد من القادة السياسيين، وهو: "الشيطان يكمن في التفاصيل". فللوهلة الأولى بدت خطة الرئيس ترامب طموحة وذكية وقادرة على إنهاء عقود طويلة من الحروب في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن تفاصيل تطبيق الخطة أعادتنا مرة أخرى إلى نقطة الصفر، وأظهرت مدى ضعف الخطة وعدم قدرتها على تحقيق السلام المنشود.



