من رفض المحرقة إلى الاتهام بالنازية: الصورة الإسرائيلية عن مصر
تتسارع حاليًا موجات غضب إسرائيلية إزاء المواقف السياسية والشعبية المصرية تجاه القضايا الإسرائيلية، فمؤخرًا برزت العديد من المواقف المصرية الرافضة للسياسات الإسرائيلية، سواء الخاصة باتفاق وقف إطلاق النار وأطر المرحلة الثانية، والتي تشدد فيها القاهرة على وقف الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، وعزم القاهرة الجاد التام على إتمام الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة وإيقاف العدوان الإسرائيلي.
سبق اتفاق وقف إطلاق النار مواقف مصرية رافضة لعملية تهجير الفلسطينيين إلى قطاع غزة، وإفساح المجال أمام استغلال تل أبيب للقطاع بما يخدم مصالحها في استعادة الاستيطان في غوش قطيف ("المسمى العبري لمستوطنات قطاع غزة سابقًا").
وبلغ الأمر ذروته مؤخرًا بالرفض المصري القاطع للاعتراف الإسرائيلي بجمهورية أرض الصومال، إذ اعتبرت القاهرة أن الاعتراف بأرض الصومال من شأنه الاعتداء على السيادة الكاملة للصوماليين، ولم يكن موقف القاهرة أحادي الجانب، إذ انطلقت أيضًا العديد من ردود الفعل العربية والأفريقية الرافضة للتصرف الإسرائيلي المنفرد بالاعتراف بـ"صوماليلاند" كدولة مستقلة ذات سيادة، وهو الأمر الذي قد يزعزع استقرار بقية الدول الأفريقية، وهو اتجاه أيضًا أيدته الولايات المتحدة، التي رفضت الانجرار وراء السياسة الإسرائيلية بالاعتراف بأرض الصومال كدولة مستقلة، مفضلة التعاون البيني بين واشنطن وهرجيسيا دون عتبة الاعتراف الدولي.
وإزاء المواقف المصرية الرافضة للتوجهات الإسرائيلية السابقة، حاولت العديد من الأطر الفكرية والثقافية الإسرائيلية تفسير الموقف المصري، وفي هذا الإطار برزت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، التي أبرزت مقالتين تحليليتين حاولت فيهما تفسير عمق الرفض المصري للمواقف الإسرائيلية، ذهبت الصحيفة الإسرائيلية بعيدًا عن الأطر الطبيعية للتحليل السياسي وحاولت إيجاد دوافع خفية للرفض المصري. فوفق الصحيفة، المواقف المصرية الرافضة لإسرائيل في العموم مبنية على شيئين: هما امتناع مصر ومؤسساتها التعليمية عن تدريس المحرقة اليهودية في الصفوف التعليمية، والأمر الآخر هو سيطرة الأفكار النازية على الطبقة المثقفة المصرية وتداول تلك الطبقة مقولات النازية الألمانية فيما يخص اليهود.
رفض تدريس الهولوكوست
المحرقة أو الهولوكوست هي الفرضية التي استندت عليها المنظمة الصهيونية العالمية في تهجير اليهود من ألمانيا وأوروبا الشرقية إلى فلسطين، ومنذ الحرب العالمية الثانية تستغل المؤسسات والجمعيات اليهودية العالمية أمر المحرقة في جذب تعاطف المجتمعات الغربية تجاه القضايا اليهودية. فعلى سبيل المثال، بعد حادث شاطئ بوندي الأخير في أستراليا، عادت تلك الجمعيات لتذكير المجتمع الأوروبي من جديد بأهوال المحرقة التي ارتكبت في أربعينيات القرن الماضي، في محاولة من تلك المؤسسات اليهودية ممارسة المزيد من الضغوط السياسية والاجتماعية على الحكومات الأوروبية، باتخاذ العديد من السياسات والتدابير التي من شأنها حماية المصالح اليهودية وخدمة الأجندات الإسرائيلية المختلفة، حيث نجحت الجاليات اليهودية ومن ورائها المنظمات وجماعات الضغط اليهودية في جعل المحرقة بمثابة التزام أدبي ونفسي على المجتمعات الغربية لخدمة الدولة الإسرائيلية.

التعليم والإعلام المسيس
ترى جيروزاليم بوست أن الفكر العربي والمصري الرافض للصهيونية والمواقف العربية نابع من التعليم والإعلام المسيس، إذ يغلب الإنكار في التعليم العربي، خاصة المصري، مسألة الهولوكوست، حيث لا يتم تدريس مواد تعليمية توضح للأطفال في مصر كيف قتل اليهود إبان الحرب العالمية الثانية.
وترى الصحيفة الإسرائيلية أن عدم ذكر المحرقة في المواد التعليمية المصرية كان سببًا في برود التعامل الشعبي المصري إزاء الضحايا الإسرائيليين في أحداث السابع من أكتوبر، وبلغ هذا الإنكار حد التشكيك في الصور المتداولة عن أحداث ذلك اليوم، باعتبارها صورًا مفبركة بثتها الآلة الدعائية الإسرائيلية، من أجل تشويه المواقف الإسرائيلية من ناحية، وإعلاء قيمة فصائل المقاومة الفلسطينية من ناحية أخرى.
وترى الصحيفة الإسرائيلية أن هناك عدة نماذج من الدول العربية في التعامل مع الهولوكوست، إذ صنفت الدول العربية إلى: دول معتدلة، ودول مقاومة، ودول ذات سلام بارد. فالدول المعتدلة مثل الإمارات والمغرب اتخذت خطوات جادة من أجل التعريف بالمحرقة في الأوساط التعليمية الخاصة بها، أما الدول المقاومة مثل إيران وقطر فتنكر في الأساس أحقية قيام الدولة الإسرائيلية، وبالتالي إنكار حقيقة وجود الهولوكوست، أما دول السلام البارد، كمصر والأردن، فما زالت تدرس سرديات من شأنها تهميش المحرقة. فعلى سبيل المثال، تدرس الأردن مناهج تعليمية من شأنها وصف إسرائيل بالكائن الاستيطاني الاستعماري، ووسم الجانب الفلسطيني بالضحية الإنسانية، كما تم تبرير عملية 7 أكتوبر في دول السلام البارد على أنها عملية مقاومة مشروعة.
نازية الثقافة العربية
في مقالة أخرى نشرتها الصحيفة الإسرائيلية، أوضحت تغلغل الثقافة النازية في عقول مثقفي مصر والعرب، مستندة في ذلك إلى أهمية كتاب كفاحي الذي كتبه مؤسس الرايخ الثالث الألماني أدولف هتلر، كأحد الكتب الرئيسية المتداولة بين مثقفي مصر، وهو ما أدى في النهاية إلى إنكار العقل العربي لمعاناة اليهود وعدم تعاطفه مع إسرائيل خلال أحداث 7 أكتوبر.
تشير الصحيفة إلى بلوغ كتاب هتلر مكانة مرموقة لدى الطبقة المثقفة العربية، فعادة ما كان يحتفظ بالكتاب الألماني في أرفف الكتب المقدسة مثل القرآن والإنجيل. وأشارت الصحيفة الإسرائيلية إلى أن القومية العربية التي دشنها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر كانت السبب الرئيسي في تدشين الثقافة النازية في المجتمعات المصرية والعربية.
وعلى حسب الصحيفة، لجأت الحكومات العربية في منتصف العقد الماضي إلى تبرير إخفاقاتها السياسية والاقتصادية بالحرب مع إسرائيل، وتصوير إسرائيل على أنها العدو الأكبر الذي يهدد رغد وحياة المجتمعات العربية، حيث تم تصوير الصهيونية على أنها أداة إمبريالية عالمية هدفها استعادة الاستعمار في المجتمعات العربية، وازداد الأمر خاصة بعد صعود الجماعات الإسلامية في منتصف السبعينيات، حين أضفت الجماعات الإسلامية بُعدًا أيديولوجيًا دينيًا حول حقيقة العداء مع الجانب الصهيوني، إذ تم استخدام النصوص الدينية بشكل انتقائي لتعزيز الحالة العدائية ضد إسرائيل.

تفكيك السرديات الإسرائيلية
تواجه السرديات الإسرائيلية حالة انفصام فكري، فما يجب توجيهه للمجتمعات الغربية لا ينبغي أن ينطلي على المجتمعات العربية. فالمحرقة اليهودية، على سبيل المثال، ارتكبت على أرض أوروبية وليست على أراضٍ عربية، كما ارتكبت بواسطة مواطنين أوروبيين تجاه مواطنين أوروبيين يحملون نفس جنسياتهم، بل كانوا يتشاركون ويتجاورون في الأحياء السكنية.
لذا، فتذكير المجتمعات الغربية الأوروبية بالمحرقة والنازية أمر ضروري لتنبيه تلك المجتمعات بخطورة تلك التصرفات، أما المجتمعات العربية فلم تنجر في مرحلة تاريخية إلى مثل تلك الحوادث الكبرى، بل تعايشت المجتمعات المسلمة والمسيحية واليهودية جنبًا إلى جنب خلال حقب زمنية فيما قبل تدشين الدولة الإسرائيلية.
استعداء الصهيونية
أما حقيقة العداء الموجه للصهيونية في العالم العربي، فنبع في الأساس من الجرائم الإنسانية التي ارتكبتها إسرائيل إزاء المجتمعات العربية، مثل مذابح دير ياسين التي ارتكبت في عام 1948، والعديد من المذابح التي قامت بها العصابات الصهيونية، كما أن العداء بين مصر الناصرية وإسرائيل ليس نابعًا من التوجهات الاشتراكية الماركسية كما تتدعي الصحف الإسرائيلية، بل كان نابعًا من الاعتداءات الإسرائيلية على الحدود المصرية في عام 1956، حين اشتركت إسرائيل في العدوان الثلاثي على مصر.
هذا بالإضافة إلى مجزرة بحر البقر، التي قتلت فيها الطائرات الإسرائيلية الأطفال المصريين أثناء تلقيهم حصصهم التعليمية، فكيف لدولة كمصر أن تدرس في مدارسها قصصًا ومرويات عن المحرقة وجرائم النازية وطائرات الصهيونية تقصف هؤلاء الطلاب بالفانتوم؟
وبالانتقال إلى محيط عربي آخر، كيف يمكن إقناع طلاب قطاع غزة بتدريس المحرقة وجرائم النازية والتعاطف مع إسرائيل، وفي المقابل دمرت تل أبيب جميع المباني في القطاع وتركت الفلسطينيين عراة في الخيام يفترشون الأرض، وذلك بعد مجزرة عظيمة راح ضحيتها حوالي 70 ألف شهيد وتشريد مليوني شخص؟

وفي لبنان، والتي تعتبرها إسرائيل إحدى الدول التي تكرس حالة العداء مع الصهيونية، فهذا نابع في الأساس من العمليات العسكرية الإسرائيلية في الداخل اللبناني منذ عام 1972 وحتى اليوم، والتي راح ضحيتها آلاف المواطنين اللبنانيين.
وختامًا:
الرفض العربي والمصري للسياسات الإسرائيلية ناجم في الأساس من السياسات الإسرائيلية العدوانية تجاه الدول العربية، سواء ضد مصر وفلسطين ولبنان، وليس ناجمًا عن اقتناء الأفكار النازية أو تلقين كتاب كفاحي لدى الطبقة المثقفة المصرية كما تتدعي الصحافة الإسرائيلية. وأخيرًا نعيد التذكير بأن المحرقة شأن أوروبي خالص ارتكب بواسطة أوروبيين ألمان تجاه مواطنين ألمان، ولم يكن لمصر أو للعرب أي ناقة أو جمل فيها. لذا، فإن أي تعاطف مصري مع المحرقة سيكون تعاطفًا عابرًا، كالتعاطف المصري مع الإبادة الجماعية في رواندا منتصف التسعينيات، وأيضًا التعاطف مع قضايا العالم الثالث مثل الجوع والتشريد والحروب الأهلية. فنحن كمصريون ليس لدينا أية التزامات أدبية أو سياسية تجاه ما يسمى بالهولوكوست، وأن التزاماتنا الوحيدة تجاه قضايانا الداخلية هي حماية مصالحنا الخاصة ورفض أية اعتداء على سيادتنا الوطنية.



