رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أزمة فنزويلا: لماذا تعود واشنطن لسياسة العصا الغليظة في أمريكا اللاتينية؟

اعتقال رئيس فنزويلا
اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو

في ظل مشهد دولي مثقل بالأزمات والصراعات المفتوحة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجيه ضربات واسعة النطاق على فنزويلا، وإلقاء القبض على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته على يد قوات "دلتا" التابعة للجيش الأمريكي، فيما ترى كاراكاس فيما يجري محاولة جديدة لإعادة إنتاج سياسات التدخل وتغيير الأنظمة في أمريكا اللاتينية، بما يحمله ذلك من دلالات على عودة أدوات القوة الخشنة إلى واجهة السياسة الأمريكية.

غير أن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن التصعيد لا ينفصل عن حسابات النفوذ الإقليمي أكثر من كونه خطوة نحو مواجهة مفتوحة؛ فالولايات المتحدة، التي تواجه استنزافًا سياسيًا وعسكريًا في أكثر من ساحة، تبدو حريصة على توجيه رسائل ضغط محسوبة، تستثمر في هشاشة الوضع الاقتصادي والسياسي الفنزويلي، دون الانخراط في سيناريوهات مكلفة أو طويلة الأمد.

 الرئيس الفنزويلي - نيكولاس مادورو
 الرئيس الفنزويلي - نيكولاس مادورو

في هذا السياق، يبرز التساؤل الأهم حول دوافع هذا التصعيد وتوقيته، وحدود القوة التي تسعى واشنطن لاستخدامها في ساحتها الخلفية، فضلًا عن السيناريوهات المحتملة لمآلات الأزمة داخليًا وإقليميًا، وهو ما نحاول تفكيكه وتحليله.

دوافع التصعيد الأمريكي 

يرتبط التصعيد الأمريكي بجملة من الدوافع السياسية المتراكمة، في مقدمتها فشل مسارات الاحتواء الدبلوماسي والعقوبات الاقتصادية في إحداث تغيير جوهري داخل بنية نظام نيكولاس مادورو، ومع استمرار الأزمة الاقتصادية وتآكل الشرعية السياسية، ترى واشنطن أن لحظة الضغط القصوى قد تكون مناسبة لإعادة فرض معادلة النفوذ.

يمثل النفط عنصرًا محوريًا في الأزمة الفنزويلية، لكنه لا يشكل بالضرورة الدافع الوحيد أو المباشر للتصعيد؛ فالعقوبات المفروضة على قطاع الطاقة تهدف بالأساس إلى تقليص موارد النظام وإضعاف قدرته على المناورة، أكثر من السيطرة المباشرة على الإنتاج.

وتشير تحولات سوق الطاقة العالمية إلى تراجع مركزية النفط الفنزويلي مقارنة بعقود سابقة، ما يقلل من احتمالات انخراط الولايات المتحدة في مغامرة عسكرية واسعة من أجل الموارد فقط، كما أن واشنطن باتت تعتمد على أدوات السوق والعقوبات أكثر من التدخل المباشر.

الرئيس ترامب 
الرئيس ترامب 

في هذا السياق، يصبح النفط أداة ضغط سياسية واقتصادية تُستخدم لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية، وليس شرارة لحرب تقليدية، ومع ذلك أعلنت كاراكاس أن الهدف من الهجوم الأمريكي هو الاستيلاء على المعادن والنفط.

فنزويلا بين هشاشة

يعاني الداخل الفنزويلي من أزمات متراكمة تشمل تدهور الوضع المعيشي، وانكماش الاقتصاد، واهتزاز الثقة بين السلطة وقطاعات واسعة من المجتمع. هذه العوامل تجعل النظام أكثر عرضة للضغوط الخارجية، لكنها في الوقت ذاته تعزز خطابه القائم على المؤامرة الخارجية لحشد الأنصار.

يعتمد مادورو في مواجهة التصعيد على أدوات السيطرة المؤسسية والأمنية، إلى جانب توظيف الخطاب السيادي والقومي، لتقديم نفسه كحائط صد أمام التدخل الخارجي؛ إذ أعلن مادورو حالة الطوارئ في البلاد، ووجّه الأجهزة الأمنية للتعامل مع الهجوم الأمريكي، وذلك قبل إعلان القبض عليه وزوجته وترحيلهما جوًا خارج فنزويلا. هذا النهج، رغم محدوديته اقتصاديًا، أثبت قدرته سابقًا على إطالة أمد بقاء النظام، لكن عدوان واشنطن هذه المرة أكبر من قدرته على التعامل بالأسلوب نفسه.

القوات الأمريكية في الكاريبي - أرشيفية 
القوات الأمريكية في الكاريبي - أرشيفية 

ولم تذكر الحكومة أي حادث مرتبط بالقبض على مادورو، مطالِبةً الولايات المتحدة بإثبات أن الرئيس على قيد الحياة، وقالت إنه أعلن حالة الطوارئ الوطنية، وأمر بتنفيذ جميع خطط الدفاع الوطني في الوقت المناسب وفي ظل الظروف الملائمة، بما يتوافق تمامًا مع دستور جمهورية فنزويلا، والقانون الأساسي لحالات الطوارئ، والقانون الأساسي للأمن القومي، وهي القرارات التي تسير عليها كاراكاس لحين إشعار آخر.

ومع حالة الفراغ الحالية، تظل قدرة المؤسسات على الصمود مرتبطة بمدى تماسك النخبة الحاكمة، واستمرار ولاء المسؤولين في المؤسسات الحيوية، وهو عامل تراهن عليه واشنطن في حساباتها، دون ضمانات حقيقية لنجاحه في المدى القريب.

حلفاء فنزويلا

تحظى فنزويلا بدعم عدد من الحلفاء الدوليين، أبرزهم روسيا والصين وإيران، إلا أن هذا الدعم يتخذ طابعًا سياسيًا ودبلوماسيًا أكثر منه عسكريًا مباشرًا؛ فهذه الدول ترى في كاراكاس ورقة نفوذ في مواجهة الولايات المتحدة، دون الرغبة في تحويلها إلى ساحة صدام مفتوح.

 

القوات الأمريكية في الكاريبي - أرشيفية 
القوات الأمريكية في الكاريبي - أرشيفية 

تكتفي موسكو وبكين، على سبيل المثال، بإدانة التصعيد شفهيًا والدعوة إلى احترام السيادة وضمان حرية الملاحة، مع الحفاظ على مصالح اقتصادية واستثمارية قائمة، دون تقديم التزامات أمنية قد تجرّها إلى مواجهة مع واشنطن في ساحة بعيدة جغرافيًا.

أما إقليميًا، فتتسم مواقف دول أمريكا اللاتينية بالحذر، إذ تفضل أغلبها النأي بالنفس عن التصعيد، ما يحد من قدرة فنزويلا على بناء جبهة مضادة فعالة. وفي المحصلة، يبقى دعم الحلفاء عامل إسناد سياسي ومعنوي، لا عنصر ردع حاسم.

القوات الأمريكية في الكاريبي - أرشيفية 
القوات الأمريكية في الكاريبي - أرشيفية 

ختامًا:

مع تأكد اعتقال نيكولاس مادورو، فإن الأزمة الفنزويلية تدخل مرحلة جديدة لا تعني بالضرورة نهاية النظام، بل انتقال الصراع من شخص الرئيس إلى بنية الحكم ذاتها. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في غياب مادورو، بل في مدى تماسك المؤسسات التي حكمت باسمه، وقدرتها على إدارة فراغ السلطة في مواجهة ضغط أمريكي متصاعد. وفي هذا السياق، تصبح فنزويلا أمام مفترق طرق حاسم: إما تفكك داخلي يفتح الباب أمام تسوية مفروضة، أو صمود مؤسسي مؤقت يؤجل الحسم دون أن يمنع إعادة تشكيل المشهد السياسي بالكامل.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء