رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حصن موسكو الأمامي: صواريخ "أوريشنيك" الفرط صوتية تصل بيلاروسيا

صواريخ  أوريشنيك
صواريخ أوريشنيك الروسية

في تصعيد نوعي لموازين القوى في شرق أوروبا، أعلنت وزارة الدفاع الروسية رسميًا دخول منظومة صواريخ "أوريشنيك" (Oreshnik) الفرط صوتية والمتنقلة الخدمة القتالية الفعلية فوق الأراضي البيلاروسية، إذ بثت وكالة "تاس" للأنباء مقاطع فيديو هي الأولى من نوعها التي تكشف عن هذه الأنظمة المتطورة في وضع الاستعداد القتالي وسرعتها التي تتجاوز 10 أضعاف سرعة الصوت (ماخ 10)، مما يكرس بيلاروسيا كقاعدة انطلاق استراتيجية متقدمة لموسكو بمواجهة الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي.

ويعكس توقيت الإعلان ذروة التوتر بين الشرق والغرب على خلفية الصراع في أوكرانيا، خاصة مع اختيار مواقع نشر في بلد يمتلك حدودًا مباشرة مع أوكرانيا وثلاث دول أعضاء في الناتو هي بولندا وليتوانيا ولاتفيا. ويرى مراقبون أن هذا التحرك لا يهدف فقط إلى تعزيز القدرات الهجومية، بل يرسل رسالة سياسية حازمة مفادها أن العمق الأوروبي بات في مرمى النيران الروسية السريعة رداً على أي انخراط غربي متزايد في الحرب.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

الإعلان الرسمي والظهور الميداني الأول

جاء إعلان وزارة الدفاع الروسية، بالتنسيق مع نظيرتها البيلاروسية، عن دخول منظومة صواريخ "أوريشنيك" الفرط صوتية الخدمة القتالية الفعلية على الأراضي البيلاروسية، مدعومًا بمقاطع فيديو رسمية أظهرت للمرة الأولى وحدات الصواريخ المتنقلة وهي تتخذ مواقعها القتالية وتجري عمليات التمويه والاختباء في مناطق غابية غير محددة، مما يمثل انتقال السلاح من مرحلة "التجارب" إلى مرحلة "الاشتباك العملياتي".

يأتي هذا النشر تنفيذاً لاتفاقية دفاعية مشتركة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والبيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، وبموجب هذا الترتيب، بدأت فصائل الصواريخ الروسية مهام الدورية القتالية في مناطق جغرافية استراتيجية، مع تدريبات يومية للطواقم لضمان الجاهزية القصوى، وهو ما أكدته وكالة "تاس" الروسية التي وصفت الخطوة بأنها تدشين لعصر جديد من "الردع النشط".

صواريخ  أوريشنيك الروسية
صواريخ  أوريشنيك الروسية

ويعتبر هذا الظهور الأول للمنظومة المتنقلة تأكيدًا على قدرة روسيا على إنتاج وتوزيع هذا النوع المعقد من الأسلحة بكميات صناعية، وليس كمجرد نماذج اختبارية، إذ شدد لوكاشينكو في تصريحاته على أن بيلاروسيا ستستضيف ما يصل إلى 10 أنظمة من هذا الطراز، مشيرًا إلى أن بلاده باتت تمتلك الآن قدرة ضرب "مراكز القرار" الغربية إذا ما تعرضت لأي عدوان مباشر.

المسافة صفر وكسر حاجز الدفاع الجوي

تعد منظومة "أوريشنيك" صاروخًا باليستيًا متوسط المدى يعمل بالوقود الصلب، ويتميز بقدرته على حمل رؤوس حربية متعددة قابلة للاستهداف المستقل، وبحسب المواصفات الروسية، فإن الصاروخ قادر على حمل رؤوس نووية أو تقليدية ذات طاقة تدميرية هائلة، بمدى يصل إلى 5500 كيلومتر، مما يضعه تقنيًا في خانة الصواريخ التي كانت محظورة سابقًا بموجب المعاهدات الدولية.

وتكمن القوة الضاربة لهذه المنظومة في سرعتها الفرط صوتية التي تتجاوز 10 أضعاف سرعة الصوت (نحو 12 ألف كيلومتر في الساعة)، ووفقًا للرئيس بوتين، فإن هذه السرعة تجعل الصاروخ يبدو "مثل النيزك" عند دخوله الغلاف الجوي، مما يحرم الرادارات وأنظمة الدفاع الصاروخي الحالية، بما في ذلك منظومات "باتريوت" و"ثاد" الأمريكية، من أي فرصة لاعتراضه أو تدميره قبل وصوله إلى الهدف.

 رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو
 رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو

وإلى جانب السرعة، يتميز "أوريشنيك" بقدرة فائقة على المناورة أثناء الطيران، مما يجعل مساره غير متوقع لأنظمة التتبع المعادية؛ لذلك فهو لا يُصنف مجرد أداة للتدمير، بل هو سلاح يمكنه ضرب أهداف محصنة في أعماق الأرض بفضل الطاقة الحركية الهائلة الناتجة عن سرعته الارتطامية، حتى دون استخدام رؤوس متفجرة تقليدية.

حتى  نوفمبر 2025 ، لم يكن هذا السلاح الجديد معروفًا، ووصفه بوتين بأنه صاروخ باليستي "متوسط المدى"، ويمكنه بالتالي بلوغ أهداف يتراوح مداها بين 3 آلاف و5 آلاف و500 كيلومتر، وفقاً لـ"وكالة الصحافة الفرنسية".

صواريخ  أوريشنيك الروسية
صواريخ  أوريشنيك الروسية

وقال الباحث في "معهد الأمم المتحدة لأبحاث نزع السلاح (Unidir)" في جنيف، بافيل بودفيغ، في مقابلة مع الوسيلة الإعلامية "أوستوروزنو نوفوستي"، إن "(أوريشنيك) يمكنه (أيضاً) أن يهدّد أوروبا بشكل شبه كامل".

وحتى عام 2019 لم يكن بوسع روسيا والولايات المتحدة نشر مثل هذه الصواريخ بموجب "معاهدة القوى النووية متوسطة المدى" الموقّعة في عام 1987 خلال الحرب الباردة، وفي نهاية عام 2019 سحب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، واشنطن من هذه المعاهدة، متهمًا موسكو بانتهاكها؛ مما فتح الطريق أمام سباق تسلح جديد.

في عام 2018، جُمّد برنامج التسليح "RS - 26 Roubej"، الذي يعود أول اختبار ناجح له إلى عام 2012، وفق وكالة "تاس" الحكومية؛ بسبب عدم توفر الوسائل اللازمة لتنفيذ هذا المشروع "بالتزامن" مع تطوير الجيل الجديد من أنظمة (Avangard) التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، ويُفترض أنها قادرة على الوصول إلى أي هدف في أي مكان بالعالم.

صواريخ  أوريشنيك الروسية
صواريخ  أوريشنيك الروسية

الجغرافيا السياسية ومعادلة "دقائق الوصول"

يمثل نشر الصواريخ في بيلاروسيا تحولًا جغرافيًا جذريًا؛ إذ تتقاسم مينسك حدودًا مباشرة مع ثلاثة أعضاء في الناتو هما بولندا وليتوانيا ولاتفيا، هذا التموضع يجعل مخالب روسيا الصاروخية في أقرب نقطة ممكنة من العمق الأوروبي، مما يلغي فعليًا المسافات الفاصلة ويقلص زمن الاستجابة العسكرية للدول الغربية إلى مستويات دنيا لم تشهدها القارة منذ أزمة الصواريخ الكوبية.

صواريخ  أوريشنيك الروسية
صواريخ  أوريشنيك الروسية

وتعكس أرقام زمن الوصول التي تداولتها وسائل الإعلام الروسية حجم التهديد؛ إذ يستغرق الصاروخ 11 دقيقة فقط لضرب القواعد الجوية في بولندا، و17 دقيقة للوصول إلى العاصمة البلجيكية بروكسل حيث يقع مقر حلف الناتو. هذه المدد القصيرة تعني أن القادة الغربيين لن يكون لديهم الوقت الكافي للتحقق من نوع الرأس الحربي، نووي أم تقليدي، قبل حدوث الانفجار، مما يزيد من مخاطر الانزلاق نحو حرب شاملة.

وبهذه التغيرات، تتحول بيلاروسيا إلى منطقة عازلة هجومية، حيث تكتسب موسكو عمقًا استراتيجيًا يسمح لها بتهديد كامل أوروبا الغربية دون الحاجة لإطلاق الصواريخ من أراضيها السيادية. كما تهدف الخطوة إلى الضغط على الجناح الشرقي للناتو، وإشعار سكان تلك الدول بأن مظلة الدفاع الجوي التي يعتمدون عليها باتت "مخترقة" أمام الجيل الجديد من الصواريخ الروسية.

رسائل الردع وسياق المواجهة الدولية

يأتي هذا النشر كتتويج لمسار طويل من التصعيد بين موسكو والغرب، وكرد مباشر على قرار واشنطن وحلفائها السماح لأوكرانيا باستخدام أسلحة بعيدة المدى لضرب العمق الروسي، وتعتبر موسكو أن وضع "أوريشنيك" في حالة تأهب قتالي هو الرسالة النهائية للردع، ومفادها أن التمادي في دعم كييف سيقابله تهديد مباشر وغير مسبوق لأمن العواصم الأوروبية نفسها.

صواريخ  أوريشنيك الروسية
صواريخ  أوريشنيك الروسية

وفي سياق الحرب الإدراكية، تهدف روسيا من خلال استعراض قوة "أوريشنيك" إلى إجبار الغرب على إعادة حساباته بشأن الانخراط العسكري في أوكرانيا؛ فالرسالة الروسية واضحة: "لا يوجد سلاح غربي يمكنه حمايتكم من صواريخنا"، وهي محاولة واضحة لضرب التماسك داخل حلف الناتو وإثارة مخاوف الدول الأوروبية من الانجرار إلى مواجهة نووية لا يمكن كسبها.

وعلى الصعيد السياسي، يكرس هذا القرار تبعية بيلاروسيا العسكرية الكاملة لروسيا، ويجعل من أراضيها جزءًا لا يتجزأ من المسرح النووي الروسي، وبينما تحاول مينسك تصوير الخطوة كإجراء دفاعي بحت لحماية سيادتها، يراها الغرب كخطوة هجومية بامتياز تهدف إلى تغيير الوضع الراهن في أوروبا وفرض شروط روسيا في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بالأمن القومي.

ختامًا:

نشر منظومة "أوريشنيك" في بيلاروسيا يمثل تجاوزًا لمرحلة التحذير الشفهي والدخول في واقع عسكري جديد يفرض قواعد اشتباك لم يعهدها القارة الأوروبية منذ عقود، فهذا التحرك لا يقتصر على كونه مجرد إضافة لسلاح متطور، بل هو إعلان صريح عن نهاية حقبة "الخطوط الحمراء" التقليدية.

صواريخ  أوريشنيك الروسية
صواريخ  أوريشنيك الروسية

إن وضع هذه التكنولوجيا الفتاكة على تخوم الناتو يضع المجتمع الدولي أمام سيناريوهات قاتمة؛ فإما الانزلاق نحو سباق تسلح فرط صوتي غير محكوم بمعاهدات دولية، أو الرضوخ لواقع جيوسياسي تفرض فيه موسكو شروطها الأمنية من موقع القوة المتفوقة تقنيًا. وفي ظل غياب قنوات اتصال فعالة بين القوى الكبرى، تزداد مخاطر "سوء التقدير" التي قد تحول خطأً فنيًا أو قرارًا متسرعًا إلى مواجهة شاملة لا تمنح أحدًا فرصة للتراجع أو النجاة.

ويبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا الانتشار: هل سيكون "أوريشنيك" الأداة التي ستجبر الأطراف المتصارعة على العودة إلى طاولة المفاوضات بحثًا عن معمار أمني جديد، أم أنه سيكون المسمار الأخير في نعش الاستقرار العالمي؟ إن الأيام القادمة ستكشف ما إذا كان هذا السلاح سيقوم بمهمة "الردع" ومنع الحرب الكبرى، أم أنه سيشكل الشرارة الأولى لصراع لا يمكن لأي منظومة دفاعية في العالم احتواء تداعياته.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء