اختراق "جناح صهيون": هل سقطت الجنائية الدولية في فخ الأجواء السيادية؟
جددت واقعة عبور طائرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المعروفة بـ"جناح صهيون"، أجواء عدد من الدول الأوروبية الأعضاء في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، نقاشًا قانونيًا وسياسيًا شائكًا حول مدى التزام الدول الموقعة بتعهداتها الدولية، لا سيما في ظل صدور مذكرة توقيف بحق نتنياهو؛ إذ حملت الرحلة دلالات أعمق تتجاوز كونها مسارًا جويًا عاديًا، لتتحول إلى اختبار عملي لمصداقية منظومة العدالة الجنائية الدولية.
وكانت طائرة "جناح صهيون" متجهة إلى الولايات المتحدة لعقد لقاء ثنائي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، إلا أن الحدث سلّط الضوء على التناقض القائم بين النصوص القانونية الملزمة لنظام روما، والاعتبارات السياسية التي تحكم سلوك الدول، لا سيما حين يتعلق الأمر بقادة دول مثل فرنسا وإيطاليا واليونان، الذين يتمتعون بدعم وتحالفات دولية واسعة.
ومن هذا المنطلق، تحولت رحلة نتنياهو إلى مدخل تحليلي لفهم كيفية تعامل الدول مع القانون الدولي عندما يتعارض مع حسابات النفوذ والتحالف، وما إذا كانت العدالة الجنائية الدولية لا تزال قادرة على فرض حضورها في نظام عالمي تحكمه اعتبارات القوة أكثر مما تحكمه نصوص القانون.

رمادية القانون الدولي
وفق نصوص القانون الدولي، يُصنَّف المجال الجوي بوصفه جزءًا لا يتجزأ من الإقليم السيادي للدول، ما يضع عبور أي طائرة رسمية ضمن نطاق الولاية القانونية للدولة التي تمر فوقها؛ وبناءً عليه، يصبح عبور طائرة نتنياهو أجواء ثلاث دول أعضاء في نظام روما مسألة قانونية، لا مجرد إجراء فني للطيران.
ورغم ذلك، لا يتضمن نظام روما نصًا تفصيليًا صريحًا يتعامل مع حالات العبور الجوي لمسؤولين مطلوبين دون هبوط، وهو ما خلق منطقة رمادية في التطبيق العملي للالتزامات القانونية، حيث سمح هذا الفراغ للدول بتبني تفسير ضيق للالتزام، يحصر واجب التنفيذ في حال الدخول الفعلي إلى الأراضي أو المطارات، وليس مجرد المرور عبر الأجواء.
وللأسباب السابقة، تحوّل المجال الجوي إلى مساحة اختبار غير معلنة لمدى استعداد الدول لترجمة التزاماتها القانونية إلى ممارسات عملية، وهو ما فعله رئيس الوزراء الإسرائيلي، رغم حديث بلاده عن تنسيقات سابقة مع الجانب الفرنسي لتجنب أي إجراءات قانونية بحقه.
طائرة جناح صهيون- أرشيفية ">الموازنة بين الالتزام القانوني والمصالح السياسية
في سبتمبر الماضي، تجنبت طائرة "جناح صهيون" عبور الأجواء الفرنسية، لكن ديسمبر الجاري شهد اختراق باريس، ما يعني وجود حصانة جوية لرئيس الوزراء الإسرائيلي، فضلًا عن وضع الجانب الأمريكي في الاعتبار؛ إذ يصعب على الدول الثلاث اعتراض نتنياهو خلال مساره نحو واشنطن.
يمكن القول إن الدول الأوروبية التي عبرت الطائرة أجواءها وجدت نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما الالتزام الصارم بنظام روما بما يحمله من تبعات سياسية، أو تمرير العبور وتجنب التصعيد، منعًا لخسارة الجانب الأمريكي. وقد برزت الحسابات السياسية عاملًا حاسمًا، خاصة في ظل علاقات استراتيجية وأمنية مع واشنطن وتل أبيب، وضغوط غير مباشرة من حلفاء دوليين نافذين.
تعكس هذه المقاربة اتجاهًا أوسع في السياسة الأوروبية، يقوم على إدارة الأزمات القانونية عبر حلول وسط، لا تُغضب جميع الأطراف ولا تلتزم بالكامل بنص القانون؛ فالسماح بالعبور الجوي يترجم براجماتية تسعى إلى تفادي المواجهة العلنية، دون تقديم دعم سياسي مباشر أو استضافة رسمية.
وعلى صعيد قدرة المحكمة الجنائية الدولية على فرض قراراتها، لا سيما عندما يتعلق الأمر بقادة دول يتمتعون بحماية سياسية غير مباشرة، فإن عدم اتخاذ أي إجراء ملموس عزز الانتقادات الموجهة للمحكمة بشأن الانتقائية وضعف النفاذ، وتكريس صورة العدالة الدولية بوصفها أداة محدودة التأثير.
فيما تؤكد المحكمة مرارًا أن دورها قضائي بحت، وأن تنفيذ قراراتها يظل مرهونًا بتعاون الدول الأعضاء، دون امتلاك أدوات تنفيذ قسرية، وهو ما يضعها في موقف حرج بين إصدار قرارات قانونية من جهة، والعجز عن ضمان تطبيقها من جهة أخرى.

دلالات أوسع على مستقبل نظام روما
تكشف واقعة عبور طائرة نتنياهو أجواء دول موقعة على نظام روما عن فجوة متزايدة بين الالتزامات القانونية المعلنة والممارسات السياسية الفعلية؛ فبينما يفترض النظام الدولي تطبيق قواعد العدالة الجنائية دون استثناءات، تُظهر الوقائع أن ميزان المصالح والتحالفات لا يزال قادرًا على تعطيل النصوص أو إعادة تفسيرها بما يخدم اعتبارات سياسية آنية.
وتطرح هذه الواقعة تساؤلًا أوسع حول مستقبل العدالة الدولية في ظل نظام عالمي تتقدم فيه البراجماتية على القانون، وما إذا كان نظام روما قادرًا على استعادة فاعليته وهيبته، أم أنه سيظل محكومًا بمعادلة القوة والنفوذ، حيث تُختبر العدالة لا في قاعات المحاكم فقط، بل في الأجواء المفتوحة بين الدول.
ومن المحتمل أن يشجع صمت الدول الأوروبية تجاه سلوك نتنياهو، المُدان بارتكاب جريمة الحرب المتمثلة في التجويع كأسلوب من أساليب الحرب، والجرائم ضد الإنسانية المتمثلة في القتل والاضطهاد وغيرها من الأعمال اللاإنسانية، وفق ما أقره قضاة المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024، استنادًا إلى توجيهه هجومًا متعمدًا ضد السكان المدنيين في غزة، دولًا أخرى على تبني سلوك مشابه، بالاستناد إلى الغموض القانوني ذاته لتفادي تنفيذ أوامر المحكمة في حالات حساسة.
ومن المتوقع أن تدفع منظمات حقوقية وأطراف قانونية باتجاه توضيحات أكثر صرامة لمسؤوليات الدول الأعضاء، لا سيما فيما يتعلق بالمجال الجوي، إلا أن مستقبل نظام روما يظل، في المحصلة، معلقًا على قدرته على تقليص الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق السياسي في نظام دولي شديد التعقيد.



