رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

وثيقة بكين: خارطة للهيمنة الاقتصادية وتحجيم للنفوذ الأمريكي

الصين ودول أمريكا
الصين ودول أمريكا اللاتينية - أرشيفية

تكتسب التحركات الصينية الحالية طابعًا رسميًا وحاسمًا؛ فبعد أقل من أسبوع على صدور الاستراتيجية الأمريكية في ديسمبر الماضي، أصدرت بكين وثيقة سياسات بشأن أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، ورغم هدوء نبرتها الدبلوماسية، إلا أنه يمكن اعتبارها وثيقة صينية تنذر بمرحلة جديدة من التنافس الوجودي؛ فهي لم تعد مجرد ورقة اقتصادية، بل إعلانًا صريحًا عن نية بكين تقديم نفسها كبديل استراتيجي متكامل للولايات المتحدة في عقر دارها.

لذلك، لم تعد الهيمنة على نصف الكرة الغربي شأنًا أمريكيًا خالصًا كما استقر العرف الجيوسياسي لقرنين من الزمان؛ فاليوم تعيد الصين رسم ملامح القارة عبر غزو ناعم يقوده المهندسون والمستثمرون لا الجنرالات؛ فبينما كانت واشنطن منشغلة بصراعات الشرق الأوسط وشرق أوروبا، نجحت بكين في التحول من مجرد شريك تجاري بعيد إلى محرك اقتصادي لا غنى عنه لدول أمريكا اللاتينية.

هذه السيطرة لم تعد تقتصر على شحنات الصويا والنحاس، بل امتدت لتشمل السيادة التقنية والدبلوماسية، مما يضع واشنطن أمام واقع مرير، فلم تعد تتوقف تعد المنافسة مع القوة العظمى القادمة حدود بحر الصين الجنوبي فحسب، بل بدأت بالفعل داخل نصف الكرة الغربي نفسه.

 دبلوماسية الموانئ 

دخل ميناء "تشانكاي" في البيرو مرحلة التشغيل الكامل ليصبح أول ميناء في أمريكا الجنوبية قادرًا على استقبال أكبر سفن الحاويات عالميًا، مما قلّص زمن الشحن إلى آسيا بنحو أسبوعين. هذا المشروع، الذي تملكه شركات صينية، لم يعد مجرد منصة تجارية، بل صار "محطة ارتكاز" تمنح بكين نفوذًا ماديًا على حركة الملاحة في المحيط الهادئ، بعيدًا عن الرقابة الأمريكية التقليدية.

ميناء تشينغداو الصيني 
ميناء تشينغداو الصيني 

كما تشير البيانات اللوجستية إلى أن الاستثمارات الصينية في الموانئ البديلة على طول سواحل الأطلسي والهادئ بدأت تسحب البساط تدريجيًا من الأهمية الاستراتيجية لقناة بنما؛ فمن خلال تطوير موانئ ذكية في البرازيل والكاريبي، نجحت الصين في خلق طرق حرير جديدة، وهي خطوة تضمن تدفق موارد القارة اللاتينية نحو الشرق بأمان وسرعة، وبإشراف مباشر من شركاتها المملوكة للدولة.

الصين ودول أمريكا اللاتينية 
الصين ودول أمريكا اللاتينية 

لهذه الأسباب، تراقب الدوائر العسكرية في واشنطن بقلق تحول هذه الاستثمارات المدنية إلى بنية تحتية مزدوجة الاستخدام؛ حيث توفر السيطرة الصينية على موانئ المياه العميقة في نصف الكرة الغربي لبكين قدرات لوجستية مستقبلية قد تسمح لقطعها البحرية بالتواجد الدائم في المنطقة، مما ينهي عصر الانفراد الأمريكي بالأمن البحري في الأمريكتين.

احتكار معادن المستقبل

أحكمت الشركات الصينية قبضتها، خلال عام 2025، على عقود التنقيب والإنتاج في الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، المعروفة بمثلث الليثيوم، وهي الدول التي تمتلك أكثر من 50% من احتياطي الليثيوم العالمي. هذا الاستحواذ حوّل الصين إلى "الناظم الوحيد" لسلاسل توريد الذهب الأبيض، مما جعل خطط التحول الأخضر في الولايات المتحدة وأوروبا رهينة للقرارات الاقتصادية الصادرة من بكين.

ولم يقتصر التوغل الصيني على المعادن، بل امتد ليشمل قطاعي الطاقة والاتصالات؛ حيث أصبحت شركة "هواوي" المزود الرئيسي للبنية التحتية لشبكات الجيل الخامس (5G) في معظم دول أمريكا اللاتينية. وبحسب تقارير فنية، فإن هذا الوجود الرقمي يمنح الصين سيادة تقنية وقدرة على الوصول إلى البيانات الضخمة في المنطقة، مما يعزز نفوذها في صياغة المعايير التكنولوجية للجيل القادم.

النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية 
النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية 

علاوة على ما سبق، تواجه الحكومات اللاتينية ضغوطًا متزايدة بين حاجتها إلى الاستثمارات الصينية الضخمة وبين الحفاظ على سيادتها على مواردها الحيوية. ومع حلول عام 2026، بات من الواضح أن الصين تستخدم هذه الموارد كأوراق ضغط سياسي؛ حيث يتم ربط القروض والتسهيلات الائتمانية بضمانات طويلة الأمد في قطاعي التعدين والطاقة، مما يعمّق الارتباط العضوي بين اقتصادات المنطقة والقرار الصيني.

بناء التحالفات البديلة

سجّل عام 2025 انضمام دول جديدة إلى مبادرة "الحزام والطريق" في منطقة الكاريبي، ليصل إجمالي الدول الموقعة إلى 24 دولة. هذا التوسع يعكس نجاح بكين في تقديم نفسها كشريك تنموي يحترم الخصوصيات السياسية، مما دفع دولًا كانت تُعد تاريخيًا حلفاء لواشنطن إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية والبحث عن مظلة اقتصادية في الشرق.

فيما شكّلت وثيقة السياسات الصينية بشأن أمريكا اللاتينية "إعلان استقلال" للدول اللاتينية عن الوصاية الأمريكية؛ إذ طرحت الوثيقة رؤية شاملة للتعاون الأمني والسياسي والثقافي، متجاوزة الأطر الاقتصادية، وهو ما ترجمته دول مثل البرازيل وكولومبيا بتبني مواقف دبلوماسية أكثر استقلالية وتوافقًا مع رؤية عالم متعدد الأقطاب.

 النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية
 النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية

بالإضافة إلى ما سبق، نجحت الدبلوماسية الصينية النشطة في استخدام الثقل الاقتصادي لتقليص النفوذ الدبلوماسي لتايوان في نصف الكرة الغربي إلى أدنى مستوياته التاريخية؛ بفضل سياسة عدم التنازل، حيث استطاعت بكين استمالة آخر المعاقل الدبلوماسية لتايبيه في المنطقة، مما عزز من صورتها كقوة عظمى وحيدة قادرة على فرض إرادتها السياسية في منطقة كانت تُحسب حصريًا ضمن النفوذ الأمريكي.

ختامًا:

تؤكد المعطيات الراهنة أن نصف الكرة الغربي لم يعد منطقة نفوذ حصرية لواشنطن، بل تحوّل إلى ساحة الاختبار الأكثر إثارة للتنافس بين القوى العظمى؛ فلطالما تعاملت واشنطن مع أمريكا اللاتينية بوصفها ثابتًا جيوسياسيًا، استطاعت الصين تحويلها إلى متغير استراتيجي عبر سياسة النفس الطويل والارتباط الهيكلي بالبنى التحتية والموارد الحيوية.

 ميناء شانكاي
 ميناء شانكاي

إن "وثيقة السياسات الصينية" لم تكن مجرد حبر على ورق، بل كانت إعلانًا عن انتهاء حقبة "مبدأ مونرو" وبدء عصر التعددية القطبية في عقر دار الغرب. ومع استمرار هذا الزحف الهادئ، تجد دول المنطقة نفسها أمام "مقايضة تاريخية"؛ فبينما تقدم واشنطن مظلة أمنية وقيمية تقليدية، توفر بكين مفاتيح الازدهار المادي والتحرر من ضغوط المؤسسات الدولية الغربية.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الكبير معلقًا، هل تمتلك واشنطن الأدوات الاقتصادية والإرادة السياسية لاستعادة نفوذها المفقود؟، أم أن "التنين الصيني" قد غرس مخالبه بعمق في تربة الأمريكتين إلى درجة تجعل من التراجع أمرًا مستحيلًا؟ بالطبع الإجابة على هذا السؤال لن تحدد مصير القارة اللاتينية فحسب، بل سترسم الملامح النهائية لصراع السيادة على القرن الحادي والعشرين.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء