إلغاء اتفاقية الدفاع بين اليمن والإمارات: دلالات التوقيت وتحولات النفوذ
قرر رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، رشاد العليمي، إلغاء اتفاقية الدفاع الموقعة مع دولة الإمارات، وإعلان حالة الطوارئ في البلاد اعتبارًا من 30 ديسمبر 2025 ولمدة 90 يومًا، في خطوة أعادت فتح ملف العلاقات المتشابكة داخل التحالف العربي، وأعادت تسليط الضوء على الخلافات المؤجلة بين الطرفين منذ سنوات الحرب الأولى.
لم تتم هذه الخطوة بمعزل عن التطورات الميدانية والسياسية في اليمن، ولا عن التحولات الإقليمية الأوسع، خصوصًا مع تراجع العمل العسكري المباشر وتزايد الحديث عن حلول سياسية وتفاهمات أمنية بديلة، إذ طالب العليمي القوات الإماراتية بمغادرة البلاد، مانحًا إياها مهلة 24 ساعة فقط للخروج من الأراضي اليمنية.

ويأتي إلغاء اتفاقية الدفاع بعد سنوات من التعاون العسكري المكثف، في وقت تشهد فيه اليمن تحولات سياسية وأمنية ملموسة، خصوصًا في جنوب البلاد، إذ يعكس هذا القرار الخلافات المتراكمة حول إدارة القوات المحلية ودور الإمارات في تشكيل ودعم بعض الفصائل المسلحة، ويطرح تساؤلات حول مستقبل التحالفات الإقليمية واستراتيجيات الدولة اليمنية في تأمين أراضيها دون الاعتماد الكامل على شركاء خارجيين.
كما أعلنت الإمارات سحب وحداتها المتبقية لمكافحة الإرهاب في اليمن، بعد تحذير سعودي بشأن المساس بالأمن القومي للمملكة، ودعوة الحكومة اليمنية المعترف بها أبوظبي لسحب قواتها.
وأشارت، في بيان صدر مساء الثلاثاء، إلى أن وزارة الدفاع اتخذت قرارها طواعية وبالتنسيق مع الشركاء الدوليين المعنيين، لضمان سلامة أفرادها، وأن هذه الخطوة تأتي في أعقاب تقييم شامل للأوضاع الحالية، وتتماشى مع التزامات دولة الإمارات العربية المتحدة الأوسع نطاقًا تجاه الأمن والاستقرار الإقليميين.

خلفية اتفاقية الدفاع وسياق الإلغاء
بدأت اتفاقية الدفاع بين اليمن والإمارات في إطار التحالف العربي لدعم الشرعية، وهدفت إلى تعزيز القدرات العسكرية والأمنية للقوات اليمنية المحلية. وتمثل هذه الخطوة نهاية للاتفاقية المثيرة للجدل، التي كانت قد أُبرمت في ديسمبر 2022، وهدفت آنذاك إلى تعزيز التنسيق التدريبي واللوجستي لمواجهة التهديدات الإرهابية.
ومع دخول القرار حيز التنفيذ، وجهت القيادة اليمنية بتسليم الثكنات والمعسكرات التي كانت تشغلها القوات الإماراتية إلى قوات «درع الوطن»، في تحول استراتيجي يعكس عمق الخلافات بين الحكومة الشرعية وأبوظبي، ويعيد رسم خريطة التحالفات العسكرية في البلاد مع نهاية عام 2025.
ومع مرور الوقت، ظهرت خلافات حول إدارة الملف الأمني في الجنوب ودور الإمارات في تشكيل فصائل مسلحة مستقلة، ما أدى إلى تراكم التوترات بين الطرفين؛ وبذلك فإن قرار الإلغاء يعكس رغبة اليمن في إعادة ترتيب العلاقة مع الشركاء في التحالف، وتقليل الاعتماد على الدعم الخارجي المباشر لضمان سيادته على أراضيه الجنوبية.
ويعكس القرار توتر العلاقة بين الحكومة اليمنية الشرعية والإمارات، خصوصًا فيما يتعلق بالتحكم في مناطق الجنوب ودور الفصائل المسلحة المدعومة خارجيًا، ويشير إلى سعي اليمن لتعزيز سيادته الوطنية والحفاظ على وحدة أراضيه، خاصة في ظل دعوات الانفصال.

وعلى المدى الطويل، قد يؤثر القرار في مسار المفاوضات بين القوى المحلية والإقليمية، ويمهد الطريق لتعزيز حضور الحكومة اليمنية في المناطق التي كانت تحت نفوذ مباشر للدعم الإماراتي.
التأثير العسكري على أرض الواقع
تطرح القرارات الأخيرة للعليمي تساؤلات حول استمرار الدعم العسكري الإماراتي للفصائل المحلية، إذ يُحتمل أن تؤدي إلى صعوبات في التمويل والتجهيز لبعض المجموعات المسلحة، كما قد تدفع الحكومة اليمنية إلى تعزيز قواتها النظامية وتحسين التنسيق مع السعودية لضمان استمرارية العمليات الأمنية والعسكرية، خصوصًا في المناطق الاستراتيجية.
وعلاوة على ما سبق، فإن إلغاء اتفاقية التعاون المشترك من شأنه أن يؤدي إلى إعادة انتشار القوات الوطنية على الأرض، مع التركيز على حماية الموانئ والمناطق الحيوية، وتأمين الجنوب من أي تهديدات مستقبلية قد تظهر بعد انسحاب الدعم الإماراتي المباشر.

القراءة المستقبلية والتحولات الإقليمية
سارعت المملكة العربية السعودية إلى إعلان تأييدها الكامل لهذه الخطوات السيادية، مؤكدة أن أمن اليمن واستقرار مؤسساته يمثلان «خطًا أحمر» لا يمكن تجاوزه. وقد تجلى الموقف السعودي ميدانيًا من خلال اعتراض شحنات أسلحة إماراتية في ميناء المكلا كانت في طريقها إلى تشكيلات خارج إطار الدولة، في خطوة وصفتها الرياض بأنها ضرورية لحماية أمنها القومي ومنع أي تحركات عسكرية مشبوهة في المناطق الحدودية مثل حضرموت والمهرة.
وتهدف هذه القرارات إلى تعزيز سيادة الدولة اليمنية وبسط سيطرتها الكاملة على أراضيها ومواردها، في ظل سعي الحكومة الشرعية المدعومة إقليميًا ودوليًا لاستعادة مؤسسات الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار في جميع المحافظات. وتأتي هذه التطورات في سياق جهود متواصلة لإنهاء النزاع وإعادة بناء الدولة على أسس قوية.
لذلك، قد تكون هذه التحركات مجرد مقدمة لتسويات سياسية أوسع تشمل القوى الجنوبية، وربما إعادة دمج بعض الفصائل المسلحة ضمن إطار الدولة لتعزيز الاستقرار المحلي، إلى جانب تأثيرها على المستوى الإقليمي، من خلال اختبار قدرة الإمارات على إعادة ضبط تحركاتها وفق مصالحها الاستراتيجية، مع الحفاظ على توازن العلاقات داخل التحالف العربي دون تصعيد مباشر.
ختامًا:
يعكس إلغاء اتفاقية الدفاع بين اليمن والإمارات تحوّلًا لافتًا في مسار التحالفات داخل المشهد اليمني، ويكشف عن سعي واضح من قبل القيادة اليمنية لإعادة فرض منطق الدولة والسيادة على حساب الترتيبات الأمنية الهجينة التي فرضتها سنوات الصراع. كما يسلّط القرار الضوء على مرحلة جديدة من إعادة ترتيب النفوذ في جنوب اليمن، في ظل تداخل الحسابات المحلية والإقليمية، وتراجع منسوب العمل العسكري المباشر.
وبينما تحمل هذه الخطوة فرصًا لتعزيز حضور الدولة واستعادة مؤسساتها، فإنها تظل محفوفة بتحديات معقدة تتطلب إدارة سياسية وأمنية دقيقة، لضمان عدم انزلاق الجنوب إلى فراغ أمني أو صراعات داخلية جديدة، وبما يحافظ على توازن العلاقات داخل التحالف العربي ويدعم مسار التسوية الشاملة في اليمن.



