الصوفية في السنغال: بين المسار الروحي والدور السياسي
تُعدّ السنغال نموذجًا فريدًا في المشهدين الديني والسياسي بغرب إفريقيا، حيث تداخل التصوف الإسلامي بعمق مع بنية المجتمع والدولة، ليشكّل أحد أهم مصادر الاستقرار الاجتماعي والاعتدال الديني.
فمنذ دخول الإسلام إلى البلاد، لم يقتصر دور الطرق الصوفية على البعد الروحي والطقوسي، بل تجاوز ذلك إلى مجالات التعليم والاقتصاد والعمل الاجتماعي، وصولًا إلى التأثير المباشر في الحياة السياسية وصناعة القرار.
وفي ظل بيئة إقليمية مضطربة شهدت تمدد تيارات التطرف والعنف الديني، برزت التجربة السنغالية باعتبارها حالة استثنائية استطاعت من خلالها الطرق الصوفية أن تقوم بدور "صمام الأمان" ضد التشدد، وأن تسهم في ترسيخ نموذج ديمقراطي مستقر، يقوم على التوازن بين علمانية الدولة واحترام الخصوصية الدينية للمجتمع.

وفي هذا السياق، تكتسب دراسة خريطة الطرق الصوفية في السنغال، وأدوارها المتعددة، أهمية خاصة لفهم طبيعة النفوذ الديني والاجتماعي والسياسي الذي تمارسه، وكيف أسهم هذا النفوذ في تشكيل واحدة من أكثر التجارب الإفريقية استقرارًا وتماسكًا.
توصف السنغال، الواقعة في أقصى غرب إفريقيا، بأنها قبلة صوفية خالصة، مع عدد سكان يبلغ 18 مليون مواطن، بحسب تقرير البنك الدولي للعام 2023. إذ ينتمي 97% من هؤلاء إلى الدين الإسلامي، ويُقدَّر أتباع الطرق الصوفية السنغالية بنحو 95% من إجمالي مسلمي البلاد، ومعظمهم يتبعون أربع طرق صوفية رئيسة، هي: التيجانية، والمريدية، والقادرية، واللايينية.

وبحسب تقرير مؤسسة "بيو" الفرنسية للأبحاث لعام 2023، فإن أتباع الطرق الصوفية في السنغال هم أكثر من أي مجموعة من المسلمين في العالم تنتمي إلى اتجاه واحد، وتلك الميزة تحديدًا مثّلت لها تحديات كبيرة؛ حيث أصبح لها تأثير حاسم في حياة السكان، وأسهمت في مجالات متعددة، على رأسها الاقتصاد، والتربية والتعليم، والتنمية الاجتماعية والثقافية.
لم تقف الصوفية في السنغال عند هذا الحد؛ بل استطاعت أن تصنع نخبة سياسية تمزج بين التوجه الروحي ومدنية الدولة وعلمانية التوجه السياسي، وهو ما أثمر واحدة من أهم التجارب الديمقراطية الحقيقية في غرب إفريقيا، فلم تتعرض لموجة الانقلابات والتوترات الداخلية التي شهدها عدد كبير من دول الغرب الإفريقي.
ظهر التصوف الإسلامي في السنغال منذ عهد المرابطين، الذين أدخلوا الإسلام إلى المنطقة بصفة رسمية في القرن الحادي عشر الميلادي، وكان يغلب عليهم نمط حياة الزهد والتقشف ومجاهدة النفس، ثم وفدت إليها الطرق الصوفية من شمال إفريقيا، مثل الطريقة القادرية، والتيجانية، والشاذلية وغيرها، كما ظهرت الصوفية في السنغال من خلال الطريقة "المريدية" التي أسسها الشيخ «أحمدو بمبا» عام 1927.

خريطة الطرق الصوفية
أولًا: الطريقة المريدية
تُعد الطريقة "المريدية" من أكبر وأهم الطرق في البلاد، بعدد أتباع يتجاوز أربعة ملايين شخص، وقد أُسست في نهاية القرن التاسع عشر على يد الشيخ أحمد بمبا إمباكي (1853–1927)، الذي وُلد في مدينة إمباكي باول السنغالية. وقد أتم حفظ القرآن في صغره، ثم شرع في دراسة العلوم الشرعية وغيرها. ومن مسقط رأسه بدأ يتصل بشيوخ البلاد المشهورين للاستفادة منهم علميًا وروحيًا، واستطاع في فترة قصيرة أن يجمع حوله عددًا كبيرًا من المريدين، ما أدى إلى انزعاج السلطات الاستعمارية الفرنسية منه ومحاولتها التضييق عليه، ما اضطره إلى مغادرة قريته "طوبى" بسبب كثرة الوافدين عليه.
اتجه الشيخ إمباكي بعد ذلك إلى مدينة "جولوف" السنغالية، موطن أجداده الأولين. وكانت الشكاوى قد تراكمت ضد الشيخ وأتباعه، فلم يكد يستقر فيها حتى اعتقله الاستعمار الفرنسي عام 1895، ونُفي إلى "الجابون"، حيث بقي هناك سبعة أعوام، ثم أُعيد إلى السنغال عام 1902. آنذاك قرر الشروع في التربية الصوفية وجمع أصحابه، وقال لهم: "من كان صاحبنا للتعلّم فلينظر لنفسه وليذهب حيث شاء، ومن أراد ما أردنا فليسر بسيرنا وليقم بأمرنا".
إثر هذا الإعلان، بقي معه فريق من تلاميذه، تكوّنت منه النواة الأولى للطريقة "المريدية"، التي استمرت إلى الآن وكثر أتباعها، ويتمركزون في مدينة "طوبى"، التي تُعد ثاني أكبر المدن السنغالية بعد العاصمة داكار، وتمثل الحاضنة الروحية لأتباع الطريقة "المريدية"، الأمر الذي جعلها إحدى المدن الأكثر تأثيرًا وقوة في غرب إفريقيا.
كما تشهد المدينة طقسًا خاصًا يتمثل في الاحتفال بذكرى عودة المؤسس الشيخ إمباكي إلى البلاد من المنفى، عبر احتفال يُطلقون عليه اسم "ماغال"، ويشهد هذا الاحتفال السنوي الملايين من مريدي وأتباع الطريقة "المريدية" من السنغال وخارجها.

ويُعد مسجد "طوبى" الكبير في المدينة من أكبر المساجد في دول غرب إفريقيا، وقد استُكمل بناؤه على يد الشيخ "إبراهيم فال" عام 1963، ويتسع لسبعة آلاف مصلٍّ. ويحرص الزعماء السياسيون والرؤساء على زيارة مدينة "طوبى" من آن إلى آخر، حتى إنه في 13 يناير 2018 أرسل ملك المغرب محمد السادس مبعوثًا خاصًا إليها لتهنئة شيخ الطريقة "المريدية" الجديد "منتقى بصيرو إمباكي".
وصلت الطريقة "المريدية" إلى هرم السلطة عبر الرئيس السنغالي، عبد الله واد، الذي تولى الرئاسة في أبريل 2000 وحتى أبريل 2012 عبر الحزب "السنغالي الديمقراطي". وقد تربى الرئيس عبد الله واد في حضن تلك الطريقة، وحظيت بنفوذ كبير في تلك المرحلة، ما مهّد الطريق أمام "المريدية" للعب المزيد من التأثير السياسي والاقتصادي، ومكافحة التطرف والإرهاب، وعرقلة وجود أي نفوذ للجماعات الأصولية المتشددة.

وانخرط التيار الصوفي السنغالي في العمل السياسي مبكرًا، ومرت علاقاته بالسلطة بمراحل متباينة، وقد لعبت بعض القيادات الصوفية دورًا مهمًا في مقاومة الاحتلال الفرنسي. ولما استقلت البلاد، سارع البعض إلى الانغماس في معترك الحياة السياسية، لذلك فإن مشايخ التصوف لهم تأثير كبير في سياسة البلاد.
ومن بين الجمعيات الصوفية المؤثرة في السنغال «الجمعية الإسلامية لخدمة التصوف» (AIS)، التي يرأسها "مام شيخ إمباكي". ومن دلائل تأثيره على القيادة السياسية أنه، في أحد لقاءات الجمعية المنعقدة في قصر المؤتمرات "بجمناجو" يوم 12 يونيو 2018، تحدث شيخ إمباكي أمام رئيس الجمهورية «ماكي سال»، وتناول في كلمته أربع نقاط مهمة، من بينها مشكلة الأمن، وهي المشكلة التي تتولد عنها حروب وحركات عنف إرهابية تتخذ من الدين ستارًا لتنفيذ أجنداتها، داعيًا رئيس الجمهورية إلى حماية الدولة أمنيًا وفكريًا من هذه الحركات والتيارات، ومشكلة تسول الأطفال التي تعود أسبابها إلى الفقر، والنقطة الثالثة حول إنشاء صندوق وطني لدعم وتمويل المناسبات الدينية بدلًا من الاعتماد على تبرعات رئاسة الجمهورية، أما الرابعة فكانت عن إنشاء جامعة صوفية وطنية تهتم بتعليم وتربية الشباب على الإسلام الصوفي السنغالي المتميز بالتسامح والاعتدال.

ثانيًا: الطريقة القادرية
تُنسب هذه الطريقة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني (1077–1166م)، وتعود جذورها في السنغال إلى عام 1886 مع الشيخ الموريتاني، محمد فاد الله، الذي أخذ على عاتقه مهمة التعريف والدعوة إلى الإسلام في المجتمعات الإفريقية. وتولى من بعده مشيخة الطريقة ابنه الشيخ "ساديبو شريف أيدارا"، ويرجع الفضل إليه في نشر الطريقة "القادرية" في السنغال واستمرارها حتى اليوم، إلى جانب الشيوخ الموريتانيين الذين جابوا دول غرب إفريقيا، ثم استوطنوا السنغال، أمثال الشيخ محفوظ الموريتاني، الذي أقام في قرية "دار السلام" عام 1902.
وتُعد مدينة "غويول" السنغالية، الواقعة على الطريق بين العاصمة داكار والحاضرة سانت لويس، مركز الطريقة القادرية، وينتمي غالبية أهل "غويول" إليها، ويقيمون فيها الاحتفالات والندوات الكبرى، التي يحضرها أبناء الطريقة من دول خارجية كالمغرب وموريتانيا والسودان.

ثالثًا: الطريقة التيجانية
أُسست الطريقة "التيجانية" في المغرب العربي خلال القرن الثامن عشر الميلادي على يد الشيخ أحمد بن محمد المختار بن سالم التيجاني، الذي وُلد بقرية عين ماضي الجزائرية عام 1727، لكن انتشارها في السنغال تم على أيدي شيوخ سنغاليين.
ونجد أن "الطريقة التيجانية" كان لها تأثير أيضًا على توجهات السياسة الخارجية السنغالية؛ ففي أواخر القرن السابع عشر، خاضت حركة الإمام "ناصر الدين" بالجنوب الغربي الموريتاني حربًا عسكرية عام 1645 على ضفتي نهر السنغال، من أجل إقامة دولة ذات طابع وروح إسلامي. وبعد ذلك ظهرت أكبر وأهم مدرسة للتصوف في المنطقة على يد الحاج عمر طال الفوتي (الطريقة التيجانية) ، في الفترة من (1794–1864)، بعدما أعلن الجهاد على الممالك الوثنية في السنغال ومالي وأجزاء من موريتانيا.
وفي هذا الإطار، لعبت الطرق الصوفية في السنغال دورًا محوريًا، سواء في إعادة صياغة المعادلة السياسية على المستوى الداخلي أو التأثير على الصعيد الخارجي، ولهذا برز ما عُرف بـ"الدبلوماسية الروحية"، حيث مارست السنغال هذه الدبلوماسية من خلال الزوايا الصوفية، خاصة الطريقة التيجانية، بالنظر إلى امتداداتها التي تشمل كثيرًا من بلدان العالم، خاصة في مصر أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي كانت علاقته ممتازة مع الشعب السنغالي، وكان يُعد من أهم الأصدقاء الشخصيين لشيخ الطريقة التيجانية الشيخ إبراهيم إنياس.

إضافة إلى ذلك، شهدت السنغال تطورًا في دبلوماسيتها الخارجية، حينما عمل أتباع الطريقة التيجانية، البالغ عددهم أكثر من خمسة ملايين مُريد، على تعزيز ارتباطاتهم الاقتصادية والسياسية والروحية مع المملكة المغربية، حيث يوجد ضريح «أبي العباس أحمد التجاني» في مدينة فاس، وقد استطاع المغرب الاستفادة كثيرًا من هذا العامل، كما عمل أتباع هذه الطريقة أيضًا على توطيد علاقة بلادهم ببعض حكومات غرب إفريقيا، مثل غينيا ومالي تحديدًا، وحكومات شمال إفريقيا كالمغرب وموريتانيا، مما يدل على تأثير الطرق الصوفية في الدبلوماسية الخارجية للسنغال.
الصوفية والنفوذ الاجتماعي والاقتصادي
كان لمشايخ الطرق الصوفية في السنغال تأثير بالغ الأهمية؛ فقد سخّروا إقطاعاتهم الزراعية الكبيرة التي كانوا يمتلكونها في خدمة القضايا المجتمعية، كالفقر والبطالة، وخلق مجتمع إنتاجي إيجابي من المريدين. وفي الشرق من العاصمة السنغالية، تحديدًا في مدينة «طوبى»، عمل أتباع الطريقة الصوفية "المريدية" بإخلاص وخشوع، دون مقابل، في مزارع الفستق المشهورة بـ"خلكوم"، التي تُعد وقفًا خيريًا يُنفق على جهود إعانة الفقراء والتربية والتعليم.
وتُعد مزارع "خلكوم" للفستق من أكبر مراكز التربية والتعليم في السنغال؛ إذ تضم خمسة عشر مركزًا لتربية وتعليم الأطفال بشكل مجاني، إضافة إلى متطلبات هذه المراكز الخمسة عشر وما فيها من آلاف الأطفال والشباب. كما امتدت نشاطات الطرق الصوفية إلى قطاعات اقتصادية حيوية ومتنوعة، كالزراعة والفلاحة والتجارة وقطاع النقل، ولم يتوقف نشاطهم الاقتصادي على زراعة بساتين الفول السوداني خلال الفترة الاستعمارية، بل اتجه إلى المشاريع التنموية والاجتماعية والزراعية. فضلًا عن أن عددًا من كبار رجال الأعمال في السنغال من أبناء الطريقة "المريدية"، مثل "أنجوغا كيبي"، و"جيل أمباي"، و"سرين أمبوب"، وغيرهم.
وقد منح النفوذ المالي والاقتصادي لأتباع ومشايخ الطريقة "المريدية"، التي ينتمي إليها نحو 3.5 ملايين نسمة، أي ما يعادل 33% من مسلمي السنغال، الطريقة "المريدية" وشيخها نفوذًا مهمًا في المعادلة السياسية السنغالية، يصعب معه تجاهل حجم تأثير الطريقة في أي سياق انتخابي. ورغم علمانية الدولة وفق الدستور السنغالي، فإن هذا النفوذ السياسي والاقتصادي لمجتمع الطرق والمشايخ حدّ من التطرف في تبني المبادئ العلمانية على الطريقة الفرنسية.

الصوفية والحياة الثقافية
لعب التصوف دورًا أساسيًا في نشر اللغة العربية في السنغال والبلدان الإفريقية، حيث شكلت الطرق الصوفية الوعاء الأساسي لهذه اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، فارتبطت في أذهان الناس بدينهم وأقبلوا على تعلمها وتعليمها. وشكّلت السنغال معقلًا رئيسًا للمدارس الصوفية، ليس في غرب القارة السمراء فحسب؛ إذ يرى كثير من الباحثين أن للحركات الصوفية أكبر الأدوار في نشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية في السنغال وغيرها من الدول الإفريقية، والحفاظ عليها من الاندثار عبر الزمن وتقلباته، والتصدي لتأثيرات تهميشها من طرف المستعمر الفرنسي والحكومات التي أعقبته.
فقبل مجيء المستعمر كانت المراسلات تتم باللغة العربية، لكن مع مجيئه انتهجت الإدارة الاستعمارية سياسات لنشر اللغة الفرنسية. فأنشأت الطرق الصوفية مدارس للعلوم الشرعية، وكان كبار الشيوخ يتولون التدريس فيها، ويُعدّون أبناءهم لمواصلة العمل، وكان المتخرجون منها يقومون بإنشاء مدارس مماثلة في مناطقهم، فانتشر بذلك التعليم الديني.

وفي القرن التاسع عشر، ظهرت في السنغال تجارب صوفية ساهمت في نشر العربية والثقافة الإسلامية، وهي الجامعات الشعبية، ومنها جامعة "بير" التي أسسها القاضي عمر فال بعد عودته من شنقيط، وكانت تُدرّس مبادئ اللغة وعلوم الرسم، وأحرقها الفرنسيون عام 1864، ومدرسة "بوكي دياو" التي أسسها العالم الديني محمد علي أمبا عام 1801، وجامعة "كوكي" التي أسسها مختار أندومب جوب، إضافة إلى تجارب أخرى مثل مدرسة "بوغي" و"غجلين" وغيرهما.
وفي الخمسينيات من القرن الماضي، ظهرت موجة أخرى من التجارب الهادفة إلى نشر الثقافة العربية والإسلامية، أطلقها سنغاليون درسوا في دول عربية وتخرجوا من مؤسسات كالأزهر والزيتونة والقرويين، إذ طوّروا نظام التعليم العربي في السنغال، فظهرت مدارس "الفلاح" التي تأسست في الستينيات، ومعهد الشيخ الحاج عبد الله نياس بكولخ، ومؤسسة الأزهر الإسلامية التي تأسست سنة 1978، ولها معاهد ومدارس تُعلّم علوم العربية والدين الإسلامي، ومعهد دكار الإسلامي الذي تأسس عام 1973. ومن ثم لعبت الجمعيات الإسلامية أدوارًا مهمة في بناء المدارس العربية والمعاهد والمراكز الإسلامية، بل شرع بعضها في تأسيس كليات للغة العربية في دكار العاصمة ومدن أخرى، مثل الكلية الإفريقية للدراسات الإسلامية (2001).
الدور السياسي للصوفية
تختلف علاقة الصوفية بالدولة في السنغال عن النماذج العلمانية التي نراها في فرنسا أو الولايات المتحدة؛ فبينما تؤكد العلمانية الفرنسية الفصل الصارم بين الدين والدولة، يدمج النهج السنغالي الاحترام الديني في وظائف الدولة، ويتجلى هذا خاصة في دور الطرق الصوفية المتداخلة بعمق مع الحياة السياسية السنغالية. ففي ظل اعتماد النخبة السياسية على "العلمانية" كأداة للسيطرة الاجتماعية على الدين، حافظت الطرق الصوفية على استقلالها، وأصبحت وسيطًا بين الدولة والمجتمع، ولم تقدم نفسها كمنافس للسلطة السياسية.
كما أن مشاركة القادة الصوفيين البارزين وأتباعهم في السياق السياسي هيّأت إطارًا أخلاقيًا يوجّه التصرفات والقرارات السياسية، ما ساهم في التوسط في النزاعات وتعزيز ثقافة المسؤولية المدنية والخدمة العامة. فضلًا عن أن الطرق الصوفية أسهمت تاريخيًا في السنغال، ولا سيما التيجانية والمريدية، بدور كبير في تشكيل التفاعلات والتطورات الاجتماعية والسياسية في البلاد، خاصة في ظل صعود الإسلام السياسي والضغوط الاقتصادية ومشاركة الأقليات الدينية. كما أن الخطاب الإصلاحي لهذه الطرق أسهم في تعزيز قيم التسامح والإنصاف والعدالة الاجتماعية أثناء فترات الاضطرابات السياسية، كما حدث في أزمة انتخابات عام 2012.

ولمعرفة القوة السياسية والاجتماعية للطرق الصوفية السنغالية، يجب النظر إلى تهافت المرشحين الرئاسيين لاستمالة كبار زعاماتها، لا سيما طريقة "المريدية"، ففي 9 فبراير 2024 أعلن شيخ الطريقة "المريدية" في السنغال "مونتيخا باسيرو مباكي" أنه ودائرته الداخلية يعملون بقوة على تخفيف التوترات السياسية التي أشعلها التأجيل المفاجئ للانتخابات الرئاسية، التي كان من المقرر إجراؤها مطلع فبراير 2024، وهو ما أدى إلى إشادة المرشح الرئاسي كريم واد، في خطاب مصور له، بـ"خليفة" طريقة "المريدية"، وسلفه سيرين سيدي مختار مباكي الذي توفي عام 2018.
وفي 5 أغسطس 2018، نشر مركز الجزيرة للدراسات السياسية دراسة عن "الدور السياسي للطرق الصوفية في السنغال"، مبينًا أن "الوزن الاقتصادي والاجتماعي للطرق يجعل لها أهمية سياسية كبيرة". وقالت الدراسة إن التحدي الذي يواجه مستقبل الطرق الصوفية في السنغال يتمثل في المستوى الثقافي للسنغاليين، الذي يتحسن بسرعة بسبب كثرة المؤسسات التعليمية في جميع أنحاء البلاد، موضحة أن الازدياد الملحوظ في عدد خريجي الجامعات ونزولهم إلى ميدان العمل الدعوي أسهم في التطور العلمي والثقافي.
ختامًا:
تؤكد التجربة السنغالية أن الطرق الصوفية لم تكن مجرد تيارات روحية أو مدارس للزهد والتعبد، بل شكلت فاعلًا مركزيًا في بناء الدولة والمجتمع، وأسهمت بعمق في ترسيخ الاستقرار السياسي، وتعزيز التماسك الاجتماعي، ومواجهة التطرف الديني في بيئة إفريقية وإقليمية شديدة الاضطراب. فقد استطاعت الصوفية، عبر شبكاتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، أن تؤدي دور الوسيط بين الدولة والمجتمع، وأن تحافظ على توازن دقيق بين الروح الدينية ومتطلبات الدولة الحديثة والعلمانية السياسية.

كما أظهرت الطرق الصوفية في السنغال قدرة لافتة على التكيّف مع التحولات التاريخية، من مرحلة الاستعمار إلى بناء الدولة الوطنية، ومن الاقتصاد التقليدي إلى الانخراط في مشروعات التنمية والتعليم والعمل الإنتاجي، دون أن تفقد مرجعيتها الروحية أو حضورها الشعبي. وأسهم هذا الدور المتعدد الأبعاد في صياغة نموذج فريد للتدين المدني، يقوم على التسامح، والانفتاح، والمشاركة الإيجابية، ويُعدّ أحد أهم أسباب حصانة السنغال من موجات العنف الأيديولوجي والجماعات المتطرفة.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الطرق الصوفية في السنغال تمثل تجربة قابلة للدراسة والاستلهام، ليس فقط في إفريقيا، بل في العالمين العربي والإسلامي، بوصفها نموذجًا ناجحًا للتوفيق بين الدين والدولة، وبين الهوية الروحية ومتطلبات الحداثة، وبين الاستقرار السياسي والشرعية الشعبية، في زمن تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالتطرف والانقسام المجتمعي.



