رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مؤسسات أردوغان الفكرية: مشروع نفوذ أم تهديد للأمن الأوروبي؟

 الرئيس التركي رجب
الرئيس التركي رجب أردوغان -أرشيفية

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، لم تعد أدوات النفوذ مقتصرة على القوة العسكرية أو التحالفات السياسية التقليدية، بل باتت المؤسسات الدينية والخيرية والثقافية إحدى أهم آليات التمدد والسيطرة الناعمة داخل المجتمعات الغربية. وفي هذا السياق، برزت تركيا خلال العقدين الأخيرين لاعبًا نشطًا في توظيف شبكات واسعة من الكيانات الدينية والدعوية والتنظيمية، تحت شعارات إنسانية وخدمية، لتحقيق مشروع أيديولوجي يتجاوز حدود الدولة الوطنية.

مؤسسة ديانت التركية  -أرشيفية
مؤسسة ديانت التركية  -أرشيفية

هذا المشروع، الذي يقوده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان متكئًا على تحالفات مع تيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان وتنظيمها الدولي، لا ينفصل عن استراتيجية اختراق المجتمعات الغربية، وصناعة مجتمعات موازية داخل أوروبا، عبر السيطرة على المساجد والمؤسسات التعليمية والجمعيات الأهلية، وتوجيه الجاليات العربية والإسلامية لتكون أدوات نفوذ سياسي وأمني واقتصادي. ومن هنا تأتي أهمية تفكيك هذا المخطط، ورصد أبرز أدواته التنظيمية والفكرية، والكشف عن آليات عمله وتداعياته على الأمن القومي للدول الغربية، وعلى مفهوم الدولة الوطنية ذاته. 

مؤسسة ديانت التركية
مؤسسة ديانت التركية

مؤسسة "ديانت" التركية

ومن أهم تلك المؤسسات التي لعبت دورًا بارزًا في نشر هذه التوجهات الفكرية، مؤسسة مديرية الشؤون الدينية الحكومية التركية "ديانت"، التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك في مارس 1924، بناءً على القانون رقم 429، لتصبح مسؤولة عن إدارة الشؤون الدينية داخل تركيا، وتشرف على نحو 90 ألف مسجد في إسطنبول، وأكثر من 2000 مسجد موزعة على 38 دولة أوروبية.

وفي ظل هيمنة حزب "العدالة والتنمية" على السلطة في تركيا، وسعيه في صناعة النفوذ داخل المجتمعات الغربية وفقًا لمخطط التنظيم الدولي، تحولت"ديانت" إلى إحدى أدوات السيطرة على الدول، من خلال شبكة تضم 145 ألف موظف، و120 ألف إمام، و40 ألف مدرس قرآن، و3000 داعية، و1250 مفتيًا. وفي عام 2015 تضاعفت ميزانية "ديانت" أربع مرات عما كانت عليه، لتصل إلى 2 مليار دولار سنويًا، بزيادة تقارب 40%.

مؤسسة ديانت التركية  -أرشيفية
مؤسسة ديانت التركية  -أرشيفية

وأبدت العديد من التقارير الغربية الرسمية انزعاجها من التغلغل التركي داخل أوروبا، مشيرة إلى أن المساجد التابعة لمؤسسة "ديانت" تحولت إلى مراكز استخباراتية وسياسية تعمل على استقطاب الجاليات العربية والإسلامية في أوروبا وأمريكا وآسيا لصالح مكونات الإسلام السياسي، فيما عُرف بـ"جواسيس المنابر".

ويسيطر "الأئمة الأتراك" التابعون لمؤسسة "ديانت" على النشاط الدعوي بقوة داخل ألمانيا والنمسا وهولندا وسويسرا والنرويج والسويد وبلجيكا، وتُدار ملفاتهم المشبوهة بواسطة المخابرات التركية، وفقًا لدراسة صادرة عن "إنفستيجيتيف جورنال" بعنوان "ديانت تجمع معلومات استخباراتية عبر الأئمة في 38 دولة"، والتي كشفت عن قيام الأئمة التابعين للمؤسسة بأدوار استخباراتية، فضلًا عن دورهم في الاستقطاب والتجنيد الفكري للشباب.

مؤسسة ديانت التركية  -أرشيفية
مؤسسة ديانت التركية  -أرشيفية

وأصدرت المخابرات الألمانية والفرنسية، منتصف عام 2018، تحذيرات من تمادي الكيانات التركية في التغلغل داخل الدول الغربية، مشيرة إلى أن الجاليات العربية والمسلمة في الغرب تحولت إلى طابور من العملاء لصالح تركيا. وفي سبتمبر 2019، أغلقت النمسا عددًا من المساجد التابعة لمؤسسة "ديانت"، على خلفية ما وصفه البرلمان النمساوي حينها بأن تلك المساجد لم تعد دور عبادة، بل أصبحت امتدادًا لسياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب "العدالة والتنمية". 

مؤسسة "ديتيب" التركية

وثاني تلك الكيانات التركية المعنية باختراق الدول الغربية، مؤسسة "ديتيب" المعروفة ب"الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية"، التي تأسست عام 1984 في ولاية كولونيا، وتضم 930 جمعية، وتشرف على 900 مسجد موزعة على 16 ولاية ألمانية، وتعمل على إرسال الأئمة ومدرسي التعليم الديني إلى المساجد الألمانية، إلى جانب تحكمها في أكثر من 70% من المسلمين المقيمين في ألمانيا.

شعار  مؤسسة ديتيب التركية  -أرشيفية
شعار  مؤسسة ديتيب التركية  -أرشيفية

وفي 4 أبريل 2017، أجرت المخابرات الألمانية تحقيقًا حول توظيف تركيا لاتحاد المساجد التركية في ألمانيا (DITIB) للقيام بأعمال تضر بالأمن القومي الألماني. وأشار التحقيق، وفقًا لأكاديمية "ذي كونفرسيشن"، إلى أن أردوغان، ومنذ وصوله إلى الحكم، عمل بالتنسيق مع جماعة الإخوان وقطر على تحويل مهمة المساجد في أوروبا إلى الدعاية لـ"الدولة العثمانية الجديدة"، وأن ثمة قلقًا يسيطر على دوائر صنع القرار في الغرب بسبب تحكم أنقرة في المساجد والجمعيات الإسلامية، وتورط بعضها في تمويل ونشر التطرف والإرهاب.  

كيانات تابعة لمؤسسة ديتيب التركية  -أرشيفية
كيانات تابعة لمؤسسة ديتيب التركية  -أرشيفية

وفي مايو 2020، عرض التلفزيون الألماني فيلمًا وثائقيًا بعنوان "هكذا يتعرض منتقدو أردوغان للتجسس في ألمانيا"، مسلطًا الضوء على تحول "الاتحاد التركي الإسلامي" للشؤون الدينية إلى ذراع لجهاز الاستخبارات التركي (MIT)، والقيام بأدوار سياسية داعمة لمكونات الإسلام السياسي المتشددة، تحت ذريعة خدمة الجالية العربية والإسلامية.

كيانات تابعة لمؤسسة ديتيب التركية  -أرشيفية
كيانات تابعة لمؤسسة ديتيب التركية  -أرشيفية

وثالث تلك الكيانات التي تلعب دورًا سياسيًا داخل أوروبا وآسيا، "وكالة التعاون والتنسيق" (تيكا)، التي تأسست عام 1992 تحت لافتة مساعدة الجمهوريات السوفييتية على الخروج من أزماتها الداخلية، لكن مع تولي حزب "العدالة والتنمية" السلطة، اتخذت "تيكا" طابعًا قوميًّا، لمحاولة استثمار مختلف المؤسسات التركية في مد النفوذ شرقًا وغربًا. 

مؤسسة "تيكا"

وفي إطار الدور التوسعي الذي يقوم به أردوغان، جرى تكثيف النشاط التعليمي والثقافي في العمق الأفريقي والغربي، باتخاذ مؤسسة "تيكا" مرتكزًا لتنفيذ المشروع الفكري المتقاطع مع مشروع تيارات الإسلام السياسي، توهمًا بأن تركيا تمثل الراعي الرسمي لمسلمي العالم.

مؤسسة  تيكا 
مؤسسة  تيكا 

ومن ثم تضاعف انتشار مكاتب "تيكا" من 12 مكتبًا عام 2002 إلى 25 مكتبًا عام 2011، ثم إلى 56 مكتبًا في 59 دولة عام 2014، بحجم مساعدات ارتفع من 85 مليون دولار عام 2002 إلى 3 مليارات دولار، سعيًا لاستهداف 140 دولة في خمس قارات.

مؤسسة  تيكا   -أرشيفية
مؤسسة  تيكا   -أرشيفية

وبجانب سعيها لتمويل المساجد ودعم نشاط الجمعيات الأصولية، لعبت "تيكا" أدوارًا متعددة، لا سيما في مجالي التدريب العسكري والإعلامي، إذ تُعد جزءًا من منظومة الاستخبارات التركية، فضلا عن قيامها بتنظيم دورات تدريبية لضباط الشرطة في عدد من دول العالم، منها أذربيجان وفلسطين وكوسوفو والبوسنة والهرسك وألبانيا والجبل الأسود وأوزبكستان ومنغوليا وتونس ومولدوفا وأفغانستان، بالتعاون مع القيادة العامة للدرك في تركيا. كما عقدت دورات للمحررين العسكريين بالتعاون مع وكالة الأناضول وأكاديمية الشرطة داخل أفغانستان وإثيوبيا وجورجيا وسوريا وميانمار ونيجيريا والجزائر وفلسطين والأردن والفلبين وباكستان وأذربيجان.

 منظمة "الذئاب الرمادية"

ورابع المؤسسات التركية التي وجد فيها أردوغان ضالته للسيطرة على الغرب، منظمة "الذئاب الرمادية"، التي تتمحور أيديولوجيتها ومنهجيتها الفكرية حول الولاء للنزعة القومية الأصولية التركية، جامعة بين التفوق العرقي والتطرف الديني، وتسعى لاسترجاع أمجاد الخلافة العثمانية أو فرض الهيمنة التركية على العالمين العربي والغربي.

وأدى تحالف أردوغان مع منظمة "الذئاب الرمادية"، لتحولها إلى أداة في أيدي المخابرات التركية، وأحد عوامل اختراق دول الاتحاد الأوروبي، من خلال السيطرة على الجاليات التركية، وغيرها من الجاليات العربية والإسلامية، إلى جانب دعم المنظمات الإخوانية في أوروبا التي تتلقى تمويلًا مباشرًا من تركيا وقطر.

عناصر تابعة لحركة الذئاب الرمادية  -أرشيفية
عناصر تابعة لحركة الذئاب الرمادية  -أرشيفية

وتشكلت منظمة "الذئاب الرمادية" أواخر ستينيات القرن الماضي على يد ألب أرسلان توركيش، العقيد السابق في الجيش التركي وأحد مدبري انقلاب عام 1960، كذراع مسلح تابع لحزب "الحركة القومية"، وترتكز على تمجيد الشعب التركي واستعادة الهوية التاريخية للدولة العثمانية، وتتخذ من شعار "رأس الذئب" علامة مميزة لأعضائها، عبر رفع إصبعي السبابة والخنصر مع ضم بقية الأصابع.

وتمثل منظمة "الذئاب الرمادية" شبكة استخباراتية منتشرة في أوروبا، ترتكز حول تجمعات المساجد والدوائر القومية، إذ يوجد في ألمانيا وحدها، بشكل سري، نحو 180 ألف عضو، فضلًا عن امتلاكها 170 جمعية ومؤسسة داخل الولايات الألمانية، ما يجعلها أكبر تنظيم سري في البلاد، وتمثل تهديدًا أمنيًا واضحًا، كما تنتشر في فرنسا وهولندا وبلجيكا وإيطاليا والسويد، وفقًا لدراسات أمنية صادرة عن مراكز بحثية أوروبية.

عناصر تابعة لحركة الذئاب الرمادية  -أرشيفية
عناصر تابعة لحركة الذئاب الرمادية  -أرشيفية

حركة "مللي غوروش"

وخامس المنظمات التي يوظفها أردوغان لخدمة مشروع "الدولة العثمانية الجديدة"، حركة "مللي غوروش"، التي تُعد أكبر منظمة أصولية في الغرب من حيث عدد الأعضاء. ووفقًا لإحصاءات عام 2005، أعلنت الحركة أن لها 87 ألف عضو في أنحاء أوروبا، منهم 50 ألفًا في ألمانيا وحدها، حيث يقع مقرها الرئيسي في مدينة كيربن بولاية شمال الراين، وتنشط الحركة في معظم الدول الأوروبية، إلى جانب دول أخرى مثل أستراليا وكندا والولايات المتحدة.

وتأسست "مللي غوروش" عام 1969 على يد رئيس وزراء تركيا الأسبق نجم الدين أربكان، وتُعرف بـ"الرؤية الوطنية"،  أو "منظمات الشتات التركي في أوروبا"، وتتطابق فكريًا مع أطروحات سيد قطب وأبي الأعلى المودودي، وتسعى للقضاء على النزعة العلمانية التي أرساها كمال أتاتورك في تركيا الحديثة، مقابل إقامة دولة الخلافة الإسلامية المزعومة التي سقطت عام 1924.

وتحولت "مللي غوروش" إلى ذراع أوروبي لحزب "النظام الوطني الإسلامي" الذي أسسه أربكان كأول حزب إسلامي في تركيا بعد سقوط الخلافة العثمانية، حيث وفرت الساحة الأوروبية بيئة مناسبة لممارسة أنشطة التمويل والتجنيد، والعمل بعيدًا عن الملاحقة الأمنية والقانونية داخل تركيا. ومع صعود أردوغان إلى السلطة، أصبحت الحركة داعمًا أساسيًا لمشروع "الدولة العثمانية الجديدة".

عناصر تابعة لحركة الذئاب الرمادية  -أرشيفية
عناصر تابعة لحركة الذئاب الرمادية  -أرشيفية

ومنذ عام 2002، عملت حكومة "العدالة والتنمية" على صناعة "تحالف مقدس" بين "الاتحاد التركي الإسلامي"، و"حركة مللي غوروش"، لبسط سيطرتها الكاملة على المؤسسات الدينية والدعوية والتعليمية في عموم القارة الأوروبية.

وفي فرنسا وحدها، تسيطر الحركة على نحو 300 مسجد و270 جمعية أصولية، وفي بلجيكا على 400 جمعية أصولية و147 مسجدًا، ولديها نحو 15 ألف إمام ومعلم وموظف. وتصفها المخابرات الألمانية بأنها "منظمة متطرفة"، وتضم تحت مظلتها عددًا من المنظمات الألمانية، من بينها"اتحاد الجمعيات الإسلامية" في برلين، و"اتحاد الجمعيات الإسلامية" في مقاطعة نيدرساكس، و"اتحاد الجمعيات الإسلامية" في بريمن، و"اتحاد الجمعيات الإسلامية" في فستفاليا.

عناصر تابعة لحركة الذئاب الرمادية -أرشيفية
عناصر تابعة لحركة الذئاب الرمادية -أرشيفية

تكشف القراءة المتأنية لمسارات التمدد التركي في الغرب أن مشروع "الدولة العثمانية الجديدة" لا يقوم على تحركات عشوائية أو اجتهادات فردية، بل يستند إلى رؤية أيديولوجية متكاملة، توظَّف فيها المؤسسات الدينية والخيرية والتعليمية والتنظيمات القومية المتطرفة كأدوات نفوذ ناعم وخشن في آن واحد. فالمساجد، والجمعيات، والمنظمات الثقافية، لم تعد مجرد فضاءات دينية أو اجتماعية، بل تحولت في كثير من الحالات إلى منصات تعبئة سياسية، وأذرع استخباراتية، وقنوات لإعادة تشكيل وعي الجاليات العربية والإسلامية بما يخدم أجندة أنقرة وتحالفاتها مع تيارات الإسلام السياسي.

وفي مقابل هذا التغلغل المنظم، يبرز التراخي الغربي في التعامل مع هذه الشبكات المركبة، التي نجحت في صناعة مجتمعات موازية داخل أوروبا، وأعادت إنتاج مفاهيم الخلافة والولاء العابر للدولة الوطنية، تحت شعارات الحرية الدينية والتعدد الثقافي. ومع استمرار هذا النهج، فإن المخاطر لا تقتصر على تهديد الأمن القومي للدول الغربية فحسب، بل تمتد إلى زعزعة منظومة الاندماج المجتمعي، وتعميق الاستقطاب الأيديولوجي، وتهيئة بيئات خصبة للتطرف العنيف.

عناصر تابعة لحركة الذئاب الرمادية -أرشيفية
عناصر تابعة لحركة الذئاب الرمادية -أرشيفية

وعليه، فإن مواجهة هذا المشروع تقتضي مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الأمنية الظرفية، نحو سياسات رقابية وتشريعية وفكرية أكثر صرامة، تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية، وتفكك البنى التنظيمية العابرة للحدود، وتمنع توظيف الدين والجاليات في صراعات النفوذ الدولية، قبل أن تتحول "العثمانية الجديدة" من مشروع أيديولوجي إلى واقع سياسي يصعب احتواؤه.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء