رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التصوف الليبي: من مقاومة الاحتلال إلى الصراع مع التيارات السلفية

حلقات الذكر للطرق
حلقات الذكر للطرق الصوفية في ليبيا - لأرشيفية

يحظى التصوف بمكانة مركزية في تاريخ ليبيا الديني والاجتماعي، إذ شكّل عبر قرون طويلة أحد أهم روافد التدين السني المعتدل، وأسهم بفاعلية في بناء الوعي الديني، وترسيخ منظومة القيم الأخلاقية، وتعزيز التماسك الاجتماعي داخل القبائل والمدن والواحات. ولم يكن التصوف في ليبيا مجرد ممارسة روحية فردية، بل تطور إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية ذات أبعاد سياسية ووطنية، تجسدت في أدوار الزوايا والطرق الصوفية بوصفها مؤسسات للتعليم، والإصلاح، وحل النزاعات، ومقاومة الاستعمار.

وتسعى هذه الدراسة إلى تتبع نشأة الطرق الصوفية في ليبيا، ورصد مسارات تطورها وتحولاتها الفكرية والتنظيمية، وتحليل أدوارها السياسية والثقافية في سياقات تاريخية متعاقبة، بدءًا من مظاهر الزهد الأولى، مرورًا بمرحلة التصوف الطرائقي، وصولًا إلى التجربة السنوسية التي مثّلت نموذجًا فريدًا لانتقال التصوف من المجال الروحي إلى مشروع إصلاحي ودولة. كما تتناول الدراسة طبيعة العلاقة بين التصوف والسلطة، وحدود التفاعل بين الدين والمجتمع في التجربة الليبية، بما يتيح فهمًا أعمق لمكانة التصوف في تشكيل الهوية الليبية، وللتحديات التي يواجهها في السياق المعاصر.

المجلس الأعلى للطرق الصوفية  في ليبيا خلال لقاء عبد الحميد الدبيبة - أرشيفية 
المجلس الأعلى للطرق الصوفية  في ليبيا خلال لقاء عبد الحميد الدبيبة - أرشيفية 

أولًا: مظاهر الصراع الصوفي الوهابي

يمثّل الصراع بين الصوفية والوهابية في ليبيا أحد أوجه الصراع الديني-الهوياتي الذي تفجّر بحدة بعد سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، حين انهارت قبضة الدولة وبرزت تيارات دينية متناقضة تتنافس على المجال العام والرمزية الدينية والشرعية الاجتماعية. وهذا الصراع لم يكن فقهيًا خالصًا، بقدر ما كان سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا في جوهره.

بعد سقوط النظام، شهدت ليبيا انفجارًا في المجال الديني، وبرز التيار السلفي الوهابي مدعومًا بعدة عوامل أهمها الفراغ الأمني الذي سمح بتشكل جماعات مسلحة ذات مرجعية سلفية، والدعم الخارجي (مالي، دعوي، إعلامي) لبعض التيارات السلفية، فضلا عن أن الخطاب الوهابي يرتكز على تكفير أو تبديع الممارسات الصوفية وتكفير المنسبين إليها وفق لعقيدة شيخهم محمد بن عبد الوهاب. 

فعلي مدار السنوات الماضية وتحديدا من سقوط نظام القذافي، مارست الجماعات المتطرفة نهجا متسارعا في الاعتداء على مقامات الصالحين، ورموز الطرق الصوفية، ومقراتها، ففي 28 نوفمبر 2017، أضرم عناصر سلفية النار في زاوية الشيخة راضية، وجاء هذا الهجوم بعد تدمير مسجد سيدي أبو غراره، في 20 أكتوبر 2017، وفي يوليو 2012، اعتدت مجموعة سلفية على مقام سيدي عبيد وضريحه في بنغازي، من خلال تفجير عبوات ناسفة، وفي 24 أغسطس 2012، اعتدى سلفيون مسلحون على مسجد سيدي عبد السلام الأسمر الفيتوري في زليتن، مما ألحق أضرارا جسيمة به وتسبب في اتلاف نصوص عمرها 700 عام. كما تم تدمير مقام سيدي أحمد زروق في مصراتة في أغسطس 2012، وفي 25 أغسطس 2012، هاجمت جماعة مسلحة مسجد سيدي شعاب وسط طرابلس، وفي 28 أغسطس 2012، استخدم مهاجمون مسلحون جرافات لتدمير جزء كبير من مسجد عثمان باشا في المدينة القديمة في طرابلس.

وقد طالب المجلس الأعلى لمشيخة الطرق الصوفية في ليبيا المبعوث الأممي بـ"فتح تحقيق في اعتداءات التيار السلفي، التي طالت التراث الإسلامي الصوفي في ليبيا"، وتكرارهم الاعتداءات على الزوايا الصوفية في ليبيا. لاسيما في ظل نشرهم لمقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، وهم يقومون بتهديد أهل التصوف وبـ"استهداف الأضرحة والزوايا الصوفية والمنتسبين لها في طبرق والمناطق المجاورة»، متوعدين أنهم "لا يخشون أي جهة أمنية أو أي قبيلة".

 

الاعتداء على المقامات والمساجد الصوفية في ليبيا - أرشيفية 
الاعتداء على المقامات والمساجد الصوفية في ليبيا - أرشيفية 

وإثر ذلك قامت الطرق الصوفية الليبية بتنظيم مظاهرات عدة مرات في الكثير من ميادين ليبيا، احتجاجًا على قيام مجموعات مسلحة تنتمي للحركة الوهابية، بنبش قبور عدد من الشيوخ والأولياء ورجال الدين سواء في المساجد أو في المقابر، وكانت عمليات "نبش القبور" و"هدم الأضرحة" قد بدأت نهاية أكتوبر 2011 في مدن المناطق الشرقية وامتدت إلى مدن الغرب الليبي.

في خضم تلك المعركة تحول الخلاف الفكري إلى صراع مسلح مباشر، تمثل في تدمير الأضرحة والمقامات الصوفية في مختلف المدن الليبية، ومن خلال حرق وتخريب الزوايا والمقامات والمساجد الصوفية، ومنع إقامة الحضرات الصوفية وحلقات الذكر.

الاعتداء على المقامات والمساجد الصوفية في ليبيا - أرشيفية 
الاعتداء على المقامات والمساجد الصوفية في ليبيا - أرشيفية 

الاعتداء على شيوخ ورموز الطرق الصوفية وتهديدهم، وفرض خطاب ديني أحادي في بعض المساجد بالقوة المسلحة، لم يكن عفويًا، بل جزءًا من مشروع إعادة هندسة التدين الليبي وفق الرؤية الوهابية، وذلك م خلال تخالف بعض التيارات والجماعات السلفية مع قوى عسكرية إقليمية، بهدف   تشكيل هوية المجتمع الليبي فكريًا وعقائديًا مقابل الولاء السياسي.

الاعتداء على المقامات والمساجد الصوفية في ليبيا - أرشيفية 
الاعتداء على المقامات والمساجد الصوفية في ليبيا - أرشيفية 

شكّل التصوف في ليبيا أحد المكونات العميقة للبنية الدينية والثقافية والاجتماعية، وأسهم عبر قرون طويلة في صياغة منظومة القيم والسلوك الجمعي، كما لعب أدوارًا سياسية ووطنية بارزة، خصوصًا في فترات الضعف السلطوي ومواجهة الاستعمار. ويكشف تتبّع نشأة الطرق الصوفية في ليبيا، ومسارات صعودها وتحولاتها الفكرية والسياسية، عن تداخلٍ وثيق بين الجغرافيا والدين، وبين الزهد والسلطة، وبين التربية الروحية وبناء المجتمع.

 ثانيًا: الجذور المبكرة للتصوف في ليبيا

تعود البدايات الأولى للتصوف في ليبيا إلى مظاهر الزهد والنسك التي عرفتها البلاد منذ القرون الهجرية الأولى. وقد لعبت المساجد والزوايا الساحلية دورًا مهمًا في ترسيخ هذا التيار الزهدي، خاصة في ظل التهديدات الخارجية، حيث تحولت إلى فضاءات للعبادة والرباط والجهاد. ويُجمع الباحثون على أن الإيمان بكرامات الزهاد ترسّخ مبكرًا، دون أن يتحول إلى تصوف فلسفي معقّد.

حلقات التعلم والذكر للطرق الصوفية في ليبيا - أرشيفية 
حلقات التعلم والذكر للطرق الصوفية في ليبيا - أرشيفية 

ثالثًا: دخول التصوف الطرائقي – الشاذلية بوابة ليبيا

دخل التصوف الطرائقي إلى ليبيا في القرن السابع الهجري مع الطريقة الشاذلية، التي أسسها الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ت 656هـ). وقد تميزت هذه الطريقة بالالتزام الصارم بالكتاب والسنة، وبُعدها عن الطابع الفلسفي الجدلي. وساعد القرب الجغرافي من تونس ومصر على انتشارها، لتصبح الأصل الذي تفرعت عنه معظم الطرق الصوفية الليبية لاحقًا، مثل العروسية، والزروقية، والعيساوية، والمدنية.

وقد وجد التصوف السني في بلاد المغرب ومصر انطلاقة كبيرة على يد الشيخ أبي الحسن الشاذلي، تلميذ الشيخ عبد السلام بن مشيش، وقد عُرف باتباعه للشرع، ومجاهدته للعدو في المنصورة ببلاد مصر، وأراد الله أن يكثر أتباعه في المشرق والمغرب. وقد تنقلت زعامة التصوف السني للطريقة الشاذلية بين أربعة: عبد السلام بن مشيش المغربي، ثم أبي الحسن الشاذلي التونسي، ثم أبي العباس المرسي المصري، ثم ياقوت العرشي الحبشي. ولعل هذا الانتقال المتلون بجنسيات مختلفة في زعامة هذه الطريقة الصوفية يبيّن أن منهجها في القيادة بعيد عن التوريث الأسري، ويرتكز على التزكية المعرفية والروحية والعلمية.

حلقات التعلم والذكر للطرق الصوفية في ليبيا - أرشيفية 
حلقات التعلم والذكر للطرق الصوفية في ليبيا - أرشيفية 

كما تم شرح "حزب البحر" لأبي الحسن الشاذلي بشروح يصعب عدّها، وقد أدّى التفاف الناس حوله إلى خوف سلطان تونس منه، ثم رحل إلى مصر واستقر بها، وازدادت طريقته شيوعًا وانتشارًا، ولاقى كلامه استحسان العلماء والفقهاء. وتُعد طريقته من أول الطرق الصوفية دخولًا إلى ليبيا، ويرجع ذلك إلى قرب ليبيا من موطن انتشار الطريقة الشاذلية في تونس ومصر. كما أن الطرق الصوفية القديمة الموجودة إلى الآن بليبيا، كالعروسية والزروقية والعيساوية، ترجع إلى الشاذلية، وقد يوجد من تأدب سلوكيًا على أيدي مشايخ الطريقة القادرية والرفاعية.

رابعًا: الطرق الصوفية الكبرى في ليبيا ومسارات صعودها

1) الطريقة الزروقية

تُنسب الطريقة الزروقية إلى الشيخ أحمد زروق البرنسي (ت 899هـ)، أحد كبار فقهاء المالكية، وقد قامت على أوراد سنية واضحة، أبرزها «الوظيفة الزروقية». ورغم محدودية انتشار زواياها، لعبت زاوية زروق بمصراتة دورًا علميًا وتربويًا مهمًا، وأسهمت في نشر الوعي الديني وتحفيظ القرآن والحث على الجهاد.

2) الطريقة العروسية (السلامية)

تُعد الطريقة العروسية من أكثر الطرق انتشارًا في ليبيا، وتنسب إلى الشيخ أحمد بن عروس، وازدهرت على يد الشيخ عبد السلام الأسمر (ت 981هـ) في زليتن. وجمعت بين الأوراد السنية والتأثير الشعبي، وارتبطت بقبيلة الفواتير، ما منحها امتدادًا اجتماعيًا واسعًا، وساهمت في تشكيل التدين الليبي.

3) الطريقة العيساوية

تنسب الطريقة العيساوية إلى الشيخ محمد بن عيسى الفهري (ت 933هـ)، وتميزت بالإنشاد الديني والمظاهر الاحتفالية، إلى جانب التزامها الأصول السنية، وانتشرت في غرب وشرق ليبيا، وأثارت جدلًا بسبب بعض ممارسات أتباعها، التي غالبًا ما عُزيت إلى انحراف السلوك لا المنهج.

4) الطريقة السنوسية: من التصوف إلى الدولة

تمثل الطريقة السنوسية النموذج الأبرز لتحول التصوف في ليبيا من إطار روحي إلى مشروع إصلاحي ودولة. أسسها محمد بن علي السنوسي (1787–1859)، الذي انطلق من مكة مستفيدًا من موقعها العالمي لنشر طريقته، وقامت السنوسية على إصلاح ديني سلمي، وبناء شبكة زوايا ذات وظائف دينية واقتصادية وأمنية.

والسنوسية في ذاتها حركة صوفية إصلاحية ليبية، غيّرت المجتمع الليبي المعاصر وشكّلت دولته الحديثة بعد مخاض طويل حتى الاستقلال، وبالإضافة إلى ذلك أنتجت حراكًا فكريًا واجتماعيًا في ليبيا وشمال إفريقيا لا تزال أصداؤه حاضرة.

تحولت الزوايا السنوسية إلى مراكز إدارة محلية، وأسهمت في نشر الإسلام في إفريقيا، وتأمين طرق القوافل، ومقاومة الاستعمار. ومع الاحتلال الإيطالي، قادت السنوسية «الجهاد الوطني»، وبرز منها قادة مثل أحمد الشريف وعمر المختار. وتُوِّج هذا المسار بإعلان المملكة الليبية عام 1951 بقيادة الملك إدريس السنوسي.

حلقات التعلم والذكر للطرق الصوفية في ليبيا - أرشيفية 
حلقات التعلم والذكر للطرق الصوفية في ليبيا - أرشيفية 

ويقول المؤرخ المصري محمد فؤاد شكري في كتابه الدولة السنوسية: دين ودولة إن الشيخ السنوسي أخذ علمه عن مجموعة من علماء الحجاز الكبار، ثم طفق بعد ذلك يدرس الطريقة الشاذلية بجميع فروعها عن الإمام الصوفي أحمد بن إدريس الفاسي، ثم الطريقة الناصرية، ثم القادرية، ثم التيجانية عن أبي العباس التيجاني نفسه، وأن زوايا الطريقة السنوسية في ليبيا لم تكن صوامع للرهبان، بل مراكز نشاط ديني واجتماعي كبير، يُعنى شيوخها والمقيمون بها وحولها بشؤون الدين والدنيا. وتُحرِّم الطريقة على أتباعها التسول، وتأمرهم بالكَدِّ والسعي من أجل عيشهم على أساس التعاون والأُخوّة، وتطلب من الإخوان العمل في الزرع والتعمير والإنشاء. وكانت من العادات المعروفة أن يتبرع كل فرد من أفراد القبيلة التي تُبنى الزوايا على أرضها بحراثة يوم، وحصاد يوم، ودِراسة يوم من أرض الزاوية، فسهُل عمران الزوايا. كما حتّمت الطريقة على مشايخها معرفة أماكن الأسواق وحالتها، وأمرتهم بالتجارة، على أن يُخصص جزء من الأرباح للزوايا، وقسم آخر للطريقة عامة.

5) الطريقة القادرية

تنسب الطريقة القادرية إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، أشهر متصوفة القرن الخامس، وقد اشتهرت سيرته وكراماته اشتهارًا واسعًا، ونال ثناء العلماء والمؤرخين، ولا تكاد تجد فقيهًا أو مؤرخًا إلا ويعظم شأنه ويرفع ذكره. وله كتاب الغنية جمع فيه كثيرًا من الفقهيات على مذهب الإمام أحمد، كما حوى آداب السلوك وخلق المتصوفة. وقد انتشرت القادرية في جميع أنحاء العالم، ولعبت دورًا بارزًا في نشر الإسلام ومحاربة الاستعمار في آسيا وإفريقيا.

6) الطريقة القادرية

تنسب الطريقة الرفاعية إلى الشيخ أحمد الرفاعي –رضي الله عنه–، وهو من أشهر متصوفة القرن الخامس، ومعاصر للشيخ عبد القادر الجيلاني –رضي الله عنه–، وقد عُرف بين المؤرخين بشدة اتباعه للسنة، والتواضع لسائر المخلوقات، واشتهر ذكره في الآفاق. وانتشرت طريقته في العالم الإسلامي كافة، وتعد ليبيا من الدول التي دخلتها هذه الطريقة، ومن أوائل المؤسسين لزواياها الشيخ أحمد الطبجي، دفين الزاوية الرفاعية ببنغازي.

7) الطريقة المدنية

تنسب الطريقة المدنية إلى الشيخ محمد حسن ظافر المدني (1864م)، الذي وُلد بالمدينة المنورة، ثم جاء إلى المغرب، والتقى بالشيخ العربي الدرقاوي، وصار أحد أتباعه، ثم عاد إلى المدينة خليفةً عنه، ثم استوطن مدينة مصراتة ودُفن بها. وترجع طريقته إلى الطريقة الشاذلية، وقد انتشرت بعده انتشارًا واسعًا، واتخذت مصراتة مركزًا لها، وحظيت بدعم السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، حيث أصبح أحد مستشاريه وناصحيه، وأُعفيت أوقافها من الضرائب، ما ساعد على انتشارها وربطها بالسلطة السياسية دون أن تفقد طابعها الصوفي. وقد بقي بإسطنبول إلى أن وافته المنية عام 1903م. ومن أشهر مؤلفاته:

أ) كتاب النور الساطع والبرهان القاطع، أوضح فيه منهاج الطريقة المدنية، وقد طُبع سنة 1885م.

ب) كتاب أقرب الوسائل لإدراك معاني منتخبات الرسائل، شرح فيه الرسائل الدرقاوية في التصوف.

ج) كتاب رحلة كبيرة، وقد اشتهر باسم الرحلة الظافرية.

مخطوطات صوفية نادرة تم العبث بها من قبل التيارات السلفية 
مخطوطات صوفية نادرة تم العبث بها من قبل التيارات السلفية 

8) الطريقة العلاوية

تنسب الطريقة العلاوية إلى الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي، المتوفى سنة 1934م، وُلد بمستغانم في الجزائر، وهو من كبار صوفية القرن العشرين. وصدر له العديد من الكتب، مثل الرسالة العلاوية، والبحر المسجور في تفسير القرآن (مجلدان)، ومنهل العرفان، والأبحاث العلاوية في الفلسفة الإسلامية، والمنح القدوسية، وغيرها. وقد أسس جريدة لسان الدين سنة 1923م، وجريدة البلاغ الجزائري سنة 1926م.

وتتفرع الطريقة العلاوية عن الطريقة الدرقاوية الشاذلية، وقد دخلت إلى ليبيا عن طريق الشيخ محمد الفيتوري حمودة عام 1935م، وكان بدء نشرها بمصراتة، ثم انتشرت في بنغازي عام 1940م. ومن أقدم مشايخها في ليبيا الشيخ عبد القادر بن صالح بن السنوسي الفزاني.

9) الطريقة الخليلية

تنسب الطريقة الخليلية إلى الشيخ إبراهيم أبو خليل في الشرقية بمصر. ويقول يوسف القرضاوي عنها: «وقد استفدت من هذه الطريقة شيئًا مهمًا مما كان له تأثير في حياتي، وهو التعرف المبكر على حجة الإسلام الشيخ أبي حامد الغزالي، وذلك عن طريق كتابه إحياء علوم الدين، الذي كان يقتنيه جارنا الشيخ بيومي العزوني، بحكم التزامه بالطريقة التي تعتبر قراءة الإحياء أحد ركنيها، والركن الآخر هو الذكر والدعاء والاستغفار والصلاة على النبي».

المساجد والمقامات الصوفية ليبيا - أرشيفية
المساجد والمقامات الصوفية ليبيا - أرشيفية

10) الطريقة البرهانية

تنسب الطريقة البرهانية إلى الولي الصالح إبراهيم بن عبد العزيز الدسوقي الحسيني، المتوفى عام 676هـ بمصر، وأخذ طريقته عن أبي الحسن الشاذلي. ودخلت الطريقة البرهانية إلى ليبيا منذ عهد قريب عن طريق أحد مشايخ السودان الكبار، وهو مولانا الشيخ إبراهيم بن فخر الدين محمد عثمان عبده البرهاني. وقد استطاع والد سيدي الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني نشر طريقته في أكثر من سبعٍ وثلاثين دولة حول العالم، وقد نشطت في ليبيا في مرحلة الثمانينات بمدينة بنغازي، ثم انتقلت إلى مناطق أخرى، وتحولت حاليًا إلى الطريقة البرهامية، ويقودها روحيًا الدكتور الشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني.

11) الطريقة التيجانية

تنسب الطريقة التيجانية إلى أبي العباس أحمد بن محمد المختار التيجاني، المتوفى عام 1815م. وكانت مدينة فاس المركز الأول للطريقة، ومن أشهر أتباعها عمر بن سعيد الفوتي السنغالي، المتوفى سنة 1283هـ، الذي لعب دورًا كبيرًا في نشر الإسلام في إفريقيا ومحاربة الفرنسيين. ويُقدّر عدد أتباعها بالملايين في نيجيريا منذ ثمانينات القرن الماضي.

خامسًا: التصوف والسياسة في ليبيا

لم يكن التصوف في ليبيا معزولًا عن السياسة، فالسنوسية مثلًا أقامت علاقة مركبة مع الدولة العثمانية، جمعت بين الاعتراف والتجاوز العملي. كما لعبت الطرق الصوفية دور الوسيط الاجتماعي، وضابط السلم الأهلي، وقيادة المقاومة ضد الاستعمار.

وفي مرحلة ما بعد الاستقلال، تراجع الدور السياسي المباشر للطرق، قبل أن تتعرض الزوايا بعد عام 2011 لهجمات عنيفة من الجماعات الأصولية المسلحة، ما أدى إلى تدمير أضرحة ومؤسسات تاريخية.

سادسًا: توثيقة الحركة الصوفية في ليبيا

واكب نشاط التصوف في ليبيا حركة توثيق وتأريخ لرحلة المريد على أرض ليبيا، فنجد منها التذكار فيمن ملك طرابلس وما كان بها من الأخبار لأبي عبد الله محمد بن خليل بن غلبون، والمنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب لأحمد النائب الأنصاري، الصادر عن دار الفرجاني، واليوميات الليبية لحسن الفقيه حسن، الذي أشار فيه إلى أشهر العلماء المتصوفة الذين توفوا في الأراضي الليبية.

وكذلك من المراجع التاريخية الحديثة التي تناولت بعض أعلام الصوفية: تاريخ ليبيا الإسلامي من الفتح حتى بداية العصر العثماني للدكتور عبد اللطيف البرغوثي، والنشاط الثقافي في ليبيا من الفتح الإسلامي حتى بداية العصر التركي لأحمد مختار عمر، الذي تناول فيه ظاهرة التصوف وأورد تراجم لكثير من المتصوفة، وكتاب الزروق والزروقية للمؤرخ علي فهمي خشيم، وكتاب حكاية مدينة لخليفة محمد التليسي، وكتاب دراسة في الواقع الاجتماعي الليبي لجميل هلال، وكتاب عبد الله كنون النبوغ المغربي، وكتاب أعلام ليبيا للطاهر الزاوي، ودراسة الحياة الصوفية في ليبيا: المساجد والطرق الصوفية بدار المحفوظات التاريخية بطرابلس.

المساجد والمقامات الصوفية ليبيا - أرشيفية
المساجد والمقامات الصوفية ليبيا - أرشيفية

ختامًا:

يمثل التصوف في ليبيا تجربة فريدة، تجمع بين البعد الروحي للفرد، والبعد الاجتماعي والسياسي للمجتمع. فقد لعبت الطرق الصوفية دورًا محوريًا في صياغة الهوية الدينية والثقافية، وفي الحفاظ على التماسك الاجتماعي، ومقاومة الاستعمار، والمساهمة في بناء الدولة الحديثة عبر تجربة السنوسية. ورغم ما واجهته الزوايا من تحديات فكرية وأمنية، خصوصًا بعد عام 2011، يظل التصوف أحد روافد الاعتدال في ليبيا، وقادرًا على تقديم نموذج متوازن يجمع بين الالتزام الديني والتفاعل الإيجابي مع المجتمع، ويبقى إرث التصوف الليبي مصدر إلهام للحفاظ على الحوار الديني، ومواجهة التطرف، وتعزيز الانسجام بين الموروث الروحي والاحتياجات المعاصرة للمجتمع.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء