رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الصوفية الأوروبية: بين تصحيح المفاهيم ومواجهة الإسلام السياسي

الصوفية الأوروبية
الصوفية الأوروبية - أرشيفية

يشهد المشهد الإسلامي في الغرب تحولًا عميقًا في مقاربة الحكومات والمجتمعات الأوروبية لمفهوم التدين، لا سيما بعد عقود من تنامي خطاب التطرف وتوسع نفوذ الجماعات الأصولية. وفي خضم البحث عن بدائل أكثر اعتدالًا وقدرة على الاندماج، برز التصوف الإسلامي باعتباره نموذجًا روحانيًّا يستجيب لحاجات الجاليات المسلمة من جهة، ويمنح السلطات الأوروبية أداة ناعمة لمواجهة التيارات المتشددة من جهة أخرى. فقد انفتح العالم الغربي على الطرق الصوفية واستعاد قراءته للتراث العرفاني بوصفه جسرًا للتفاهم بين الثقافات، ووسيلة لتصحيح صورة الإسلام بعيدًا عن ضجيج العنف والصراعات الفكرية. ويكشف هذا التقرير ملامح هذا الصعود الصوفي في أوروبا، والعوامل التي دفعت الغرب إلى اعتباره بوابة آمنة لاحتواء التطرف، إضافة إلى رصد امتداد الطرق الصوفية وفاعليتها الاجتماعية، وموقع المرأة في هذا الفضاء الروحي المتنامي.

تحولت الصوفية لدى الغرب إلى الصورة الأكثر إشراقًا والأقل توترًا للإسلام، وشيئًا فشيئًا باتت الطقوس الصوفية الممارسة هي الطقوس المعتمدة رسميًا في مقابل فرض المزيد من القيود على المراكز الإسلامية السلفية الأخرى، لاسيما في السنوات الأخيرة، والتي اعتُبرت فيها الطرق الصوفية إحدى أهم أدوات نشر الخطاب الإسلامي الوسطي بين الجالية الإسلامية بالقارة. ورغم عدم خضوعها للاهتمام والدراسة الكافية، فإن الحركة الصوفية في أوروبا حاليًا تمارس تأثيرًا كبيرًا وملموسًا في أوساط المهاجرين الأوروبيين؛ خصوصًا في أوساط الشباب؛ نتيجة الدعم المقدَّم من قبل السلطات الرسمية لها، بهدف تحجيم نشاط وأفكار الجماعات الأصولية المتطرفة.

وعليه تنتشر المئات من الطرق الصوفية المختلفة في دول الغرب، لاسيما فرنسا وهولندا والولايات المتحدة، أكثر من بعض البلدان الإسلامية، بل تصدَّر أقطاب تلك الطرق ورموزها أغلفة المجلات والصحف وباتوا من مشاهير المجتمع وشخصياته العامة.

في حديثه عن التصوف قال الإمام أبو حامد الغزالي: "وأداة المعرفة الصوفية هي القلب وليس الحواس، والعشق الإلهي هو حالة حب شديد يشتاق فيها المحب إلى لقاء الله"، ومن هذه العبارة تبدو الصوفية النقيض الواضح لأفكار المتطرفين الذين لا يعرفون شيئًا عن العشق ولا القلب، معتبرين أن الاشتياق إلى الله يتلخص في أن تلفَّ حزامًا ناسفًا حول خصرك وتدخل به في تجمع بشري ينقلك أنت وهم إلى جوار ربك.

ويبدو المشهد الصوفي أكثر إشراقًا في الغرب عن نظيره العربي؛ إذ تمتلك الحالة الأوروبية أسبابًا تجعل التصوف متواجدًا وبقوة في الأوساط الإسلامية الأوروبية، بل يُعد أحد الأبواب التي من خلالها يعلن بعض الأوروبيين إسلامهم، من بينهم مثلًا الباحث الفرنسي إيريك جوفروا، الذي أعلن إسلامه مؤخرًا عبر بوابة التصوف، ويُنسب إليه حديثه "الإسلام سيكون روحانيًا أو لا يكون".

الصوفية الأوروبية - أرشيفية 
الصوفية الأوروبية - أرشيفية 

وعلى عكس الوضع عربيًا، فتحظى الصوفية في الغرب بإنتاج فكري غزير؛ إذ تتعدد الكتابات التي تصدر عنها بين كتب ودراسات، وكان منها كتاب "التصوف: طريق الإسلام الجوانية" الصادر في 2016 للباحث الفرنسي إيريك جوفروا. وقد تناول فيه الباحث "التصوف" من الناحية التاريخية متتبعًا مراحل تطوره وانتشاره، لاسيما أعلام الصوفية في الفترات الزمنية المختلفة.

كما تناول الباحث المغربي عزيز الكبيطي إدريسي، في 2008، التصوف الإسلامي في الغرب، ضمن كتاب تحدث عن الأثر المغربي في بريطانيا، متخذًا الزاوية الحبيبية الدرقاوية نموذجًا.

وقد كشف مرصد الأزهر عن اتجاه الغرب -وتحديدًا إسبانيا- إلى الاستعانة بالتصوف في مواجهة الإرهاب وتصحيح صورة الإسلام، فضلًا عن الاهتمام بالتصوف والجوانب المهمة التي تُبرز هذا الجانب؛ نظرًا لتغليبه للجانب الروحي وسيره في مسالك الزهد والسمو بالنفس، وهو ما يمثل جانبًا مضيئًا يجذب أنظار الدارسين، خاصة المستشرقين والمستعربين من كل الثقافات.

ويشير "المرصد" إلى أن اهتمام الباحثين الإسبان بالتصوف الإسلامي يُعد مؤشرًا على أن الجانب الروحي لا يزال يجذب المتخصصين في الدراسات الإسلامية والمستعربين وغيرهم، كما أنه من الواضح أن تغليب هذا الجانب يساعد كثيرًا على إبراز صورة الإسلام الحقيقية، التي ترتقي بالروح، وتحث العقل على التدبر والتعمق في أسرار الوحي القرآني، ومن ثم تنأى بالنفس عن الكراهية والتنازع والتعصب، وغيرها من صفات ممقوتة، لم تأتِ الرسالات السماوية بشيء منها، بل نبذتها ونهت عن اقترافها.

الصوفية الأوروبية - أرشيفية 
الصوفية الأوروبية - أرشيفية 

أوروبا ودعم الصوفية

يُعد ارتباط العديد من الغربيين بالطرق الصوفية أحد الدوافع المباشرة والرئيسة وراء اعتناق الكثير منهم للدين الإسلامي؛ إذ يبدو أن هناك اهتمامًا متزايدًا بالتصوف في الغرب عمومًا بوصفه سلوكًا نفسيًا وروحيًا، فالأوروبيون يجدون في الطرق الصوفية الانفتاح والتسامح والليونة والدعم الذي يستجيب لاحتياجاتهم واهتماماتهم الفردية. وقد تمكن الإسلام من الانتشار في أماكن جديدة من العالم عن طريق التصوف وبشكل كبير، حيث أظهر المسلمون المتصوفة قدرة مرنة على التكيف والاندماج في تلك المناطق.

ويمكن تحليل اهتمام الدول الأوروبية بتصعيد الصوفية من جانبين، أولهما محاولة المجتمعات الإسلامية في تلك الدول تصحيح المفاهيم المغلوطة في الغرب عن الإسلام، ومواجهة الأفكار المتطرفة بين أبنائها، أما الجانب الآخر فهو محاولة حكومات الدول الأوروبية الحفاظ على أمنها الداخلي -مع تحول أجانب للقتال بين صفوف تنظيم داعش- بعدما أصبح ينظر إلى الصوفية كبديل لطيف وآمن، وأداة في سياسات مكافحة الإرهاب في العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة وغيرها.

يقول جوناثان جرانوف، العضو السابق في لجنة المنظمات غير الحكومية المعنية بنزع السلاح والسلام والأمن التابعة للأمم المتحدة في المنتدى العالمي للصوفيين لعام 2016: إن العالم بأسره يحتاج إلى إعادة التفكير، وإصلاح استراتيجيته الحالية لمكافحة الإرهاب، فالصوفية هي الترياق الملهم الذي يوقظ القدرة البشرية على الحب والرحمة والسلام.

كما واصل التصوف سفره في اتجاه الغرب عن طريق "الرحالة الذين زاروا الشرق الأوسط والأدنى في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وحملوا معهم معلومات حول طقوس الدراويش، سواء تعلق الأمر برقصة دراويش المولوية، أو بالعروض الغريبة لدراويش الرفاعية"، وكانت الترجمة عاملًا آخر أسهم في تعرف الغربيين إلى التصوف الإسلامي؛ إذ "قام المثقف فابريكوس من جامعة روستوك سنة 1638م بترجمة إحدى قصائد الصوفي المصري عمر بن الفارض (ت: 1235م) لأول مرة، في الأدبيات الغربية".

في القرن العشرين أصبحت النصوص الصوفية متاحة بفعل تخريج المخطوطات المحققة، وتطور الطباعة في الشرق والغرب، مما مكَّن الباحثين الغربيين من تشكيل أفكارهم الخاصة عن نشأة التصوف ومصادره، واستمر تأثير صوفية المسلمين في رجال الدين الغربيين "بظهور أعمال القس الإسباني (آسين بالاثيوس)، حيث أُقِرَّ بتأثير الصوفية المغاربة في روحانيين إسبان، أمثال: القديس "جان دو لكـروا"، والقديسة "تيريزا دافيلا".

ومن الشخصيات الغربية التي تأثرت بالتصوف الإسلامي في القرن العشرين: البريطاني رينولد نيكلسون، والأمريكي صامويل لويس، والفرنسي ريني جينو، والأمريكي رالف والدو إيمرسون، وغيرهم كثير. لقد ساعد هؤلاء الأشخاص على تقديم مفهوم التصوف إلى جمهور أوسع من خلال كتاباتهم ومناقشاتهم.

ومن ثم تجاوز التصوف الإسلامي الحدود الجغرافية ذات المرجعية الثقافية والاجتماعية المحافظة، واستطاع أن يستقطب ويقنع العديد من الغربيات بخوض التجربة الإسلامية من المنظور الصوفي، مما طرح إشكالات عدة على مستويات التكيف مع الأوساط الاجتماعية والثقافية المختلفة عن البيئة التي انطلقت منها هذه الظاهرة الصوفية.

الصوفية الأوروبية - أرشيفية 
الصوفية الأوروبية - أرشيفية 

المنتدى الصوفي العالمي

وفي أبريل 2019، تأسس المنتدى الصوفي العالمي، والذي يتخذ له مقرين، أحدهما في فرنسا والآخر في القاهرة؛ من أجل تحقيق الترابط بين الطرق الصوفية، وخروج الصوفية من الخلوات إلى الجلوات، وتحول الصوفية من صالحين إلى مصلحين، وقيادة عملية الإصلاح، ونشر تعاليم الإسلام الصحيحة، كما يدعو الاتحادُ الصوفيين في العالم إلى ممارسة أدوارهم السياسية والاقتصادية.

ويأتي اختيار فرنسا انطلاقًا من كثافة الوجود الصوفي فيها، فبحسب دراسة للباحث بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، أحمد كامل البحيري، فإن فرنسا وإسبانيا (الأندلس سابقًا) تعدان أهم مراكز الحركة الصوفية في أوروبا، ويتركز أغلب وجود الحركة الصوفية بالعاصمة باريس وضواحيها من خلال بعض المؤسسات الدينية، وتسيطر الطريقتان الصوفيتان "القادرية" و"التيجانية" على مجمل الحركة الصوفية في فرنسا.

كما يرجع الفضل في انتشار الحركة الصوفية في فرنسا للمهاجرين المغاربة في بدايات القرن العشرين؛ حيث وصل الأمر لتأثر بعض الكتّاب والمثقفين الفرنسيين بالحركة الصوفية الوليدة في فرنسا، مثل الكاتبين "لويس ماسينيون" و"هنري كوربان"؛ حيث انعكست الأفكار الصوفية في كتابتهما.

ويُعد المذهب الصوفي من أكثرِ المذاهب شيوعًا في إسبانيا، ويكثر شيوعه على وجه الخصوص في منطقة "أندلوثيا" في الجنوب. ومن المعروف أن الصوفية لها جذورها التاريخية التي ترجع إلى القرون الأولى للمسلمين في إسبانيا، وامتدت حتى يومنا هذا في شتى المدن الإسبانية؛ حيث وجد التصوف طريقه إلى الأندلس منذ القرن الثامن الميلادي، وذلك تحت تأثير الاتصال بحركة التصوف في بلاد الإسلام، سواء عبر الشمال الإفريقي أو عن طريق الصلات المباشرة مع الشرق الإسلامي. إذ كانت حركة العلماء لا تنقطع؛ فكان هناك من يغادر الشام للإقامة في الأندلس، وكذلك كان علماء الأندلس يقصدون أراضي الحجاز لأداء فريضة الحج، فيلتقون بالمتصوفة في مكة والمدينة، ويذهبون للتباحث مع علماء ومتصوفة في العراق وبلاد الشام وبلاد فارس أيضًا.

ففي مدينة قُرطبة الإسبانية، نبغ أحد المتصوفة الكبار، وهو أبو عبد الله محمد بن مسرّة الجبلي، وهو مفكر ومتصوف وفيلسوف أندلسي، استطاع أن يستقطب العديد من الأتباع والموالين لمذهبه الصوفي، وكثر في زمانه المتصوفة الذين انشغلوا بالآخرة وزهدوا في الدنيا وكرّسوا حياتهم للعبادة والصوم.

ومع بدايات القرن العاشر الميلادي انتشرت الحركة الصوفية بشكل كبير في الأندلس؛ حيث كانت مدرسة "ابن العريف" من أولى المدارس الصوفية التي أُسست في بلاد الأندلس على يد ابن العريف أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي الأندلسي، أحد علماء هذه الفترة البارزين، والذي وُلد في "ألمرية" -العاصمة الروحية لجميع صوفية الأندلس- في عام 1088، وتوفي في "مراكش" عام 1141. وقد استقطبت هذه المدرسة العديد من التلاميذ المحبين الذين تأثروا وأثروا في العديد من العلماء اللاحقين، الذين كان من بينهم: "ابن مدين" المولود عام 1116 وتوفي عام 1198، والذي حقق العديد من الدراسات الصوفية؛ كما قام بالتنظير حول الصوفية الشرقية والمغربية والأندلسية. وبطبيعة الحال أثّر في العديد من تلاميذه الذين كان من أبرزهم: "محيي الدين ابن عربي"، المولود في مدينة مرسية سنة 1165 والمتوفى بدمشق عام 1240.

وكان "ابن عربي" من المتصوفة البارزين في هذا العصر، كما كان فيلسوفًا وشاعرًا، حتى أُطلق عليه "محيي الدين"؛ نظرًا لإنتاجه الأدبي والعلمي الغزير، ويُعد "ابن عربي" واحدًا من كبار المتصوفة والفلاسفة المسلمين على مر العصور، وتبعه العديد من العلماء الصوفيين خلال حقبة الأندلس بشبه الجزيرة الأيبيرية، مثل: "عبد الحق بن سبعين"، وهو فيلسوف متصوف أندلسي توفي في عام 1270، وكان من بين تلاميذه: "الششطري"، أحد أبرز الشعراء المتصوفة الذين وصل إنتاجهم الأدبي إلينا بفضل التراث الشعبي المغربي.

الصوفية الأوروبية - أرشيفية 
الصوفية الأوروبية - أرشيفية 

وبذلك ازدهر التصوف في الأندلس مع بدايات القرن الثالث عشر الميلادي، وأصبح "محيي الدين بن عربي" واحدًا من رؤوس الصوفية؛ حتى لُقب بالشيخ الأكبر، كما كان "عبد الحق بن إبراهيم بن محمد" المرسي الأندلسي الصوفي، المعروف بـ"ابن سبعين"، من أشهر متصوفة غرناطة في ذلك الوقت. وقد عُرف أتباعه ومريدوه بـ"السبعينية"؛ فقد ذاع صيت "ابن سبعين" في أوروبا كلها عن طريق إسبانيا حتى وصل إلى مسامع البابا، فذكره قائلًا: "إنه ليس بين المسلمين اليوم أعلم بالله منه". ولما أراد فردريك الثاني ملك صقلية استيضاح بعض المسائل الفلسفية، انتدب "ابن سبعين" للرد عليها، ومن هنا ذاع صيته بعدما أجاب على هذه الأسئلة الفلسفية التي طرحها عليه الملك.

ومع حلول القرن الرابع عشر، برز "لسان الدين بن الخطيب"، الشاعر والكاتب والفقيه المالكي والمؤرخ والفيلسوف والطبيب والسياسي، وُلد بالأندلس وتحديدًا في غرناطة، في مطلع القرن الثامن الهجري، والرابع عشر الميلادي. ونظرًا لشيوع المتصوفة في زمنه بالأندلس، كتب كتابه: "روضة التعريف بالحب الشريف"، وقدمه لسلطانه "أبي عبد الله محمد بن يوسف" الملقب بـ"الغني بالله"، ثامن ملوك بني الأحمر بغرناطة (755-792). وموضوع الكتاب هو الحب الإلهي في أوسع معانيه، واستكثر من الشعر، واجتلب الكثير من الحكايات.

النقشبندية الأوروبية

ورغم تعدد الطرق والمذاهب الصوفية في أوروبا، فإن أكثرها انتشارًا ما يطلق عليها "الطريقة النقشبندية"، وهي إحدى الطرق الصوفية التي اشتقت اسمها من رائدها ومؤسسها محمد بهاء الدين نقشبند. ولها عدة أنواع تختلف من منطقة لأخرى؛ ففي أوروبا مثلًا هناك النقشبندية المجددية، وتنتشر بشكل أكبر في ألمانيا، ويعزى هذا الانتشار إلى كونها تتمتع بتمدد ثري في تركيا، ومن ثم نُقلت لألمانيا.

كذلك هناك "النقشبندية الحقانية"، التي يشير تمددها إلى الديناميكية التي يتمتع بها الصوفيون في الغرب، فيما يعد التيار "الحقاني للنقشبندية" فرعًا حديثًا من الطريقة الأم ذات الأصول والجذور الآسيوية. كما يتميز ببعض السمات مثل التوجه السني البحت، والمشاركة الاجتماعية والسياسية الكاملة.

كما تنتشر "النقشبندية" في إسبانيا بكثافة، وتحديدًا في مدينة "أوخيبا" بغرناطة التي يقطن بها أكثر من 6 آلاف مواطن من أكثر من 68 جنسية أجنبية مختلفة، وتقدر أعداد الصوفية النقشبندية بحوالي 1200، وتمتلك الطريقة "النقشبندية" العديد من المراكز الإسلامية في المدن الإسبانية التالية: (أليكانتي، برشلونة، كاثيريث، قرطبة، أورخيبا، غرناطة، مدريد، مرسية، إشبيلية)، ولديها العديد من المنصات الإعلامية، وعدد كبير من الإصدارات باللغة الإسبانية.

الصوفية الأوروبية - أرشيفية 
الصوفية الأوروبية - أرشيفية 

ويليها الطريقة "التيجانية" الصوفية في المرتبة الثانية من حيث الأعداد والمتابعين، والشيخ "التيجاني" هو شيخ هذه الطريقة وزعيمها الروحي، أسس هذه المدرسة خلال القرن الثامن عشر بالجزائر، ووفد إليه العديد من الناس لتلقي العلم على يديه في خلوته بمنطقة الصحراء، ومن أشهر الكتب في هذه الطريقة: كتاب "جواهر المعاني في فيض الشيخ سيدي أحمد التيجاني"، الذي عرف التصوف فيه على أنه: "امتثال الأمر واجتناب النهي في الظاهر والباطن، من حيث يرضى لا من حيث ترضى".

أما الطريقة "المريدية"، فتأتي في المرتبة الثالثة من حيث الانتشار بين المتصوفة الأوروبيين في الوقت الحاضر، وتعرف بأنها طريقة صوفية إسلامية تجديدية، تقوم على الإيمان والإسلام والإحسان، وتدعو إلى إخلاص الإرادة لله وتجريدها مما سواه.

المرأة الغربية

يذهب المؤرخون إلى أن الشخصية الأولى في تاريخ التصوف التي أُدخلت إلى الأدب الأوروبي كانت نسوية، تمثلت في "رابعة العدوية"، المرأة الصوفية الكبيرة من القرن الثامن، التي جُلبت أسطورتها إلى أوروبا في أواخر القرن الثالث عشر بواسطة جوانفيل، مستشار لويس الرابع عشر. كان للمرأة الغربية تميز في المجال الصوفي، سواء على مستوى الخطاب أو على مستوى الممارسة. تقول جين سميث عن علاقة النساء الغربيات، وبخاصة الأمريكيات، بالتصوف الإسلامي: "من ناحية أخرى فالتصوف ما زالت له جاذبية بالذات لبعض النساء الأمريكيات والأوروبيات اللائي يجدن فيه بديلًا سائغًا عن المسيحية أو اليهودية أو عن بيئة اللاأدرية التي كن قد نشأن في إطارها".

من أنشط النساء في المجال الصوفي بأوروبا وأمريكا، تبرز كاميل هيلمنسكي، الباحثة في العلوم الصوفية، ومن أشهر إنتاجها الفكري: (Women of Sufism: A Hidden Treasure) ومعناها: "نساء التصوف: الكنز المستور"، وتتولى إدارة مؤسسة "ثريشود" في كاليفورنيا، المعنية بنشر ودراسة التعاليم الروحية للشيخ جلال الدين الرومي.

وهناك نساء أخريات يلعبن أدوارًا طلائعية في مجال التصوف بالغرب، منهن على سبيل المثال: الشيخة باجي طيابة خانوم، بضواحي فيلادلفيا، والشيخة مريم كبير فايي، الكاتبة والباحثة الأمريكية في دراسة العلوم الإسلامية بالغرب، ومن أشهر كتبها "رحلة عبر عشرة آلاف حجاب: كيمياء التحول على الطريقة الصوفية".

منذ مطلع القرن الـ20، تزايد الاهتمام البحثي بالصوفية، فكثُر المهتمون بفلسفتها وأفكارها والسائرون وراء غاياتها وأغراضها، ووضعوا لها التأويلات البعيدة والقريبة بغية التوصل لعلاقتها المعرفية بالتاريخ القديم، وأواصر صلتها بالتاريخ الحديث.

الصوفية الأوروبية - أرشيفية 
الصوفية الأوروبية - أرشيفية 

التصوف.. نظرة تاريخية

في كتابه "الصوفية في الغرب" أو (Sufism in the West)، سطَّر أستاذ ومحاضر الدراسات الدينية بجامعة (Derby) البريطانية جون هينيلز، بمساعدة أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة "إيرفورت" بألمانيا، الباكستاني جمال مالك، بعض الأطروحات والدراسات التي أسهم بها العديد من الباحثين الغربيين عن تاريخ وماهية الحركات الصوفية في الغرب، مجيبًا عن بعض التساؤلات الخاصة بالطرق الأكثر تأثيرًا في عموم المسلمين الموجودين في النظم الغربية ذات الطبيعة الليبرالية المنفتحة.

كشف هينيلز أن غالبية الفئات الأكثر تأثرًا بالمد الصوفي في أوروبا والولايات المتحدة ينتمون لأبناء المهاجرين المسلمين الذين تأثروا بـ"الرومانسية المثالية للروحانيات الشرقية" وأعلامها، أمثال جلال الدين الرومي (1207–1273)، وهو المتصوف الأشهر وصاحب الطريقة المولوية.

أما التعريفات المختلفة للتيار الصوفي في عيون الباحثين الغربيين، فأشار الكتاب إلى أن التصوف هو "البعد الغامض للإسلام"، فيما يشير المصطلح إلى مجموعة متنوعة من الأنماط الروحانية التي تهدف إلى الإخلاص العميق لله الواحد القهار.

هناك ثلاث موجات ومراحل رئيسية للنشاط الصوفي في أمريكا، أوضحها هينيلز في كتابه:

الموجة الأولى: وتؤرَّخ بدايتها عند أوائل 1900، بدافع التواصل والتفاعل الثقافي بين الأوروبيين والآسيويين خلال الفترة الاستعمارية آنذاك.

الموجة الثانية: تزامنت مع نمو وغزارة الدراسات الدينية المقارنة في الولايات المتحدة، وذلك في فترة الستينيات والسبعينيات، كأعمال وليم جيمس، وهستون سميث، وسيد حسين نصر، وميرسيا إلياد.

الموجة الثالثة والأخيرة: وهي التي أطلقت لتسمية أنواع معينة من الأنشطة التي تقوم بها المجموعات الصوفية، ما يعكس تدريجيًا تحديدًا أقرب للإسلام المعياري خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات، وهي الفترة التي خلقت بيئة تجتذب وتخدم المجتمع الإسلامي المتعدد الأعراق في الولايات المتحدة.

كما أشار الكتاب إلى ملامح الصوفية البريطانية، والتي انتقلت عبر مسارات التجارة والحج، منوّهًا بأن المسلم في بريطانيا يجد في التصوف إشباعًا لحنين يحتل مشاعره ويعزف على أوتارها الروحية. هذا بجانب السمات التي تتميز بها الطوائف الصوفية هناك، وأهمها جذب أبناء المهاجرين، والعلاقات الاجتماعية، والتزاوج بين مريديها، والاندماج مع قيم المجتمع الغربي، والتحرر من الأصولية الصارمة.

وعن الحركات الدينية التي أسهمت في إثراء تيار التصوف في الغرب، أرَّخ الكاتب لبعضها، مثل حركة "الصوفية الدولية" التي يُرجع الفضل في بلورتها إلى الموسيقي الهندي "عنايات خان"، الذي جلب مسار الصوفية من الهند إلى الغرب عام 1910.

ومن الأسماء الرائدة التي ساعدت في نشر التصوف في الغرب "إدريس شاه"، وهو متصوف أفغاني عاش ما بين (1924–1996)، مهاجرًا من الهند التي وُلد بها إلى المملكة المتحدة التي ترعرع فيها. كذلك "مظفر أوزاك"، وهو من أبرز من نشروا الصوفية في الغرب، وتحديدًا في الولايات المتحدة، وهو تركي الأصل عاش في الفترة ما بين 1916 إلى 1985.

وفي كتابه "في التصوف الإسلامي وتاريخه" الصادر عن دار التنوع الثقافي، اعتنى المستشرق الإنجليزي رينولد ألين نيكولسون (1868–1945) بتراث الصوفية في تاريخ الإسلام، إذ رأى فيها أخص مظاهر الحياة الروحية عند المسلمين وأبرزها.

وكرّس المستشرق—الذي يُعد من أفضل المترجمين لأشعار جلال الدين الرومي—حياته الطويلة في دراسة مصادر التصوف العربية والفارسية، والعوامل التي ساعدت على نشأته ونموه؛ إذ يتناول المؤلف في هذا الكتاب الزهد والتصوف والفرق بينهما.

الصوفية الأوروبية - أرشيفية 
الصوفية الأوروبية - أرشيفية 

يقول الكاتب إن بذور التصوف الأولى ظهرت في نزعات الزهد القوية التي سادت العالم الإسلامي في القرن الأول الهجري. واختلف الباحثون في تفسير كلمة "التصوف": فمنهم من أرجعها إلى لبس الصوف الذي كان يؤثره المتصوفة على سواه مبالغة في الزهد والتقشف، وفي هذا حاكى العرب رهبان المسيحيين.

ويعتقد نيكولسون أن أول من سُمي بالصوفي هو أبو هاشم الكوفي (توفي 150هـ)، أما كلمة "الصوفية" بالجمع فظهرت حوالي سنة 199 هجرية. ولكل طريقة صوفية قواعدها الخاصة بها، لكنها جميعًا متفقة في بعض تقاليد الأزياء والطقوس والخلوة والكر والحركات البدنية والموسيقى والاعتقاد بالكرامات.

ويوضح نيكولسون: "ومن هنا ظهرت حركة الزهد قوية عنيفة، وانتشرت على مر الأيام. فكانت زهدًا دينيًا خالصًا في بادئ الأمر، ثم دخل إليها بالتدريج بعض العناصر الصوفية حتى تحوّلت في النهاية إلى أقدم صورة نعرفها للتصوف الإسلامي".

الولاية منحة إلهية

يقول أرنولد نيكولسون إن الولاية في نظر الصوفية مرتبة لا يصل إليها الولي بأعماله ومجاهداته، إنما هي منحة إلهية يمنحها الله من يشاء من عباده. وهذا هو المعنى الذي يشير إليه الصوفية بكلمة "الجذب"، وهي علامة على "الفناء" في الله. فالولي في الإسلام هو "المجذوب" إلى الله.

ويُذكر أن هناك شبه اتفاق عند المسلمين على أن للأولياء كرامات، ولكن كبار الصوفية يحذرون من الركون إليها والاغترار بها، وقد تنبّه علماء الصوفية إلى هؤلاء الدخلاء وبيّنوا أغلاطهم وتبرأوا من أفعالهم وأقوالهم.

ويرى الكاتب أن "الكرامات التي ظهرت على أيدي المتصوفة كانت، في اعتقادهم، إمدادات إلهية لم يطلبوها، ولكن الله منحها لهم". وقد قال الجنيد البغدادي: "لو رأيتم الرجل قد تربع في الهواء ومشى على الماء، فلا تلتفتوا إليه حتى تنظروه عند الأمر والنهي؛ فإن كان عاملًا بالأمر مجتنبًا لما نُهي عنه فاعتقدوه".

ويؤكد نيكولسون أن هذا لا يعني أن جميع الصوفية أولياء، فإن الأولياء ليسوا في الحقيقة إلا طائفة قليلة من خواص أهل الله من الرجال والنساء الذين وصلوا إلى مراتب الأحوال الصوفية.

لقد بات التصوف ظاهرة عالمية من الدرجة الأولى، وتحولت أدبياته من مجرد طقوس فردية يؤديها مريدوه تقربًا إلى الله زهدًا وتجردًا من ملذات الحياة، إلى مدارس فكرية وعقلية لها استراتيجيات خاصة وأهداف محددة، تسعى لتحقيقها عبر أدوات واستراتيجيات مختلفة.

وتجاوز التصوف حدوده الجغرافية كونه ابنًا شرعيًا للحركات الدينية في العالم العربي والإسلامي إلى آفاق أكثر رحبة، تخطى معها الحدود والمسافات، ليفرض نفسه على خارطة العالم الفكرية، حتى بات علامة فارقة تُصاغ فيها الرسائل العلمية والأبحاث الفكرية.

كما انتقل من مرحلة الدروشة، واتهامات "الجذب والغياب عن الواقع"، إلى نفق جديد من الدراسة والعلم، وفق شروط منهجية وآليات فلسفية للترقي، حتى بات أقطابه أعلامًا يُشار إليهم بالبنان، محاطين بملايين المريدين والأنصار في كل مكان.

ختامًا:

الصوفية في أوروبا لم تعد مجرد ممارسة روحية فردية، بل أصبحت حركة فكرية وثقافية ذات تأثير واسع على المجتمعات المسلمة والغربية على حد سواء. من خلال الجمع بين التراث العميق والانفتاح على المجتمع الغربي، نجحت الصوفية في تقديم نموذج إسلامي معتدل، قادر على مواجهة التطرف وتصحيح الصورة الذهنية عن الإسلام، مما يجعلها ركيزة مهمة للسلام والتسامح في القرن الحادي والعشرين.

ومن ثم لم يعد الحضور الصوفي في الغرب ظاهرة هامشية أو تعبيرًا روحانيًّا محدود الأثر، بل تحول إلى أحد المكونات المركزية في تشكيل صورة الإسلام داخل المجتمعات الأوروبية. فقد أسهمت الصوفية - عبر خطابها الجمالي القائم على التسامح والسمو الروحي - في إعادة بناء جسور الثقة بين المسلمين والغرب، وفي تقديم بديل حضاري يقلّص منسوب التطرف ويعيد الاعتبار للأبعاد الأخلاقية والإنسانية للدين. ومع تزايد اهتمام الباحثين وصناع القرار بالطرق الصوفية، تبدو هذه الظاهرة مرشحة لمزيد من الاتساع والتأثير في السنوات المقبلة، سواء على مستوى تعزيز الاندماج المجتمعي، أو دعم سياسات مكافحة التطرف، أو إعادة إنتاج قراءة جديدة للإسلام في الفضاء الغربي. ومع ذلك، يبقى مستقبل هذا المسار مرهونًا بقدرة المؤسسات الصوفية على تطوير أدواتها الفكرية والاجتماعية، وعلى الحفاظ على أصالتها الروحية دون أن تتحول إلى مجرد واجهة سياسية أو ثقافية تُستخدم عند الحاجة.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء