سقوط الإخوان في 2025: فضائح مالية وتفكك تنظيمي ومحاصرة دولية
شهدت جماعة الإخوان في عام 2025 انهيارًا شبه كامل لقدراتها السياسية والتنظيمية في مصر وخارجها، بعد عقود من التمدد السياسي والفكري في المنطقة العربية. هذا الانهيار لم يكن وليد اللحظة، بل كان تراكمًا لعوامل داخلية وخارجية معقدة، أفضت إلى تراجع نفوذ الجماعة وفقدانها للشرعية العملية في المجتمع والسياسة.
الصراع الداخلي
عانت الجماعة منذ سنوات من انقسامات داخلية حادة بين القيادات، مع صراعات على المناصب والمناطق الجغرافية، والتي أنتجت ثلاث جبهات ما زالت متصارعة حتى هذه اللحظة حول السيطرة على مقاليد الجماعة، ولجانها الداخلية، والمؤسسات المالية.
ويأتي على رأس هذه الأزمات الصراع المالي، وسقوط القناع عن الفضائح المالية، والمتمثلة في فضيحة الاستيلاء على أموال الصدقات والتبرعات الخاصة بجمعية "وقف الأمة"، التي تم تدشينها عام 2013 في تركيا تحت رعاية التنظيم الدولي للجماعة، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي أسسه يوسف القرضاوي. وقد حظيت هذه الجمعية بدعم شخصيات نافذة داخل حركة حماس، وعدد من المنظمات الإسلامية الدولية، بهدف إقامة مشاريع خدمية وتعليمية في الأراضي المحتلة.

وقد أصدرت حركة "حماس" بيانًا رسميًا داخليًا منذ عدة أشهر، اتهمت فيه القائمين على جمعية "وقف الأمة" بسرقة أموال التبرعات وعدم إيصالها إلى الداخل الغزاوي بهدف إقامة المشاريع التنموية والإنسانية المعلنة، وذلك بعد تتبع مسارات الأموال ووضعها في استثمارات خاصة وأصول مملوكة لبعض الشخصيات المرتبطة بالمؤسسة.
غير أن الوقائع تم تسريبها أخيرًا على منصات التواصل الاجتماعي من قبل عناصر تابعة للحركة، بهدف التحذير من استغلال الجمعية للأزمة الإنسانية في غزة والاستمرار في جمع الأموال، التي تم إنفاقها وتقسيمها في النهاية بين القائمين على الجمعية، في ظل توسع نشاطها داخل دول المنطقة العربية والدول الأوروبية.
يُضاف إلى ذلك فضيحة الاستيلاء على مبالغ طائلة من أموال دافعي الضرائب عبر منظومة المدارس الخاصة وقطاعات الرعاية الاجتماعية في السويد، والتي تجاوزت مليار كرونة سويدية (نحو 100 مليون دولار)، قبل أن يهرب عدد من هذه القيادات خارج البلاد.
وقد شكّلت هذه المنظومة غطاءً لعمليات احتيال موسّعة، وتحويلات مالية إلى إحدى المنظمات والجماعات في الصومال، وفق صحيفة "إكسبريسن" السويدية، التي استندت في تقريرها إلى التحقيقات الرسمية التي قام بها المدعي العام لهيئة الجرائم الاقتصادية، معتبرةً أن هذه الواقعة تُعد أكبر فضيحة فساد في قطاع التعليم الخاص في السويد، في ظل اختلاس أموال تُقدَّر بعشرات الملايين من الدولارات، مخصصة من قبل "مفتشية المدارس" لدعم أنشطة تعليمية من أموال دافعي الضرائب.

عمليًا، استحوذت جماعة الإخوان على أموال الصدقات والتبرعات، وتم إنفاقها لصالح النشاط التنظيمي، من خلال إعادة تدويرها في المشاريع الاقتصادية التي تضمن استمرار تدفق الأموال، خاصة أن الجماعة اعتمدت استراتيجية الدولة البديلة أو الموازية في السيطرة على المجتمع واختراق مؤسسات الدولة، وضمان الهيمنة على الطبقات الفقيرة والمهمشة، في ظل غياب الدور المنوط بمؤسسات الدولة حينها، لا سيما في عهدي الرئيس السادات والرئيس مبارك.
الفساد المالي
الاستيلاء على أموال التبرعات الخاصة بالقضية الفلسطينية، بوضعها في خدمة المشروع الإخواني أو سرقتها من قبل القائمين عليها، تم توثيقه في كتب ومذكرات قادة الجماعة، ابتداءً من الخلاف بين حسن البنا وأحمد السكري، وكيل الجماعة، الذي وثقته مقالات صحيفة "الأهرام" وصحيفة "صوت الأمة" في أربعينيات القرن الماضي تحت عنوان "المرشد الكذّاب"، وفضحت الكثير من المخالفات التي وقعت بين جدران التنظيم الإخواني حول مصير الأموال التي تم جمعها تحت مظلة القضية الفلسطينية.
وفي كتابه "الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ"، الصادر عن "دار الدعوة" عام 1994، يقول محمود عبد الحليم، أحد مؤسسي التنظيم الخاص: "الإخوان يحصلون على الأموال من المسلمين كافة وليس الإخوان فقط، وهو ما يعود على الجماعة بالفائدة، بخاصة أن التبرعات لا تتم بإشراف الدولة، وهو ما يصب في مصلحة الجماعة، لعدم ضمان الجهة التي تصل لها التبرعات، والتي ثبت بعد ذلك أن التبرعات لم تكن تذهب لفلسطين، ولكنها كانت تُستخدم لخدمة الجماعة".

ويستكمل محمود عبد الحليم: "أحب أن أنبه القارئ إلى أن الأموال التي كنا نجمعها لفلسطين من المساجد والمقاهي لم يكن القصد من جمعها إعانة إخواننا المجاهدين الفلسطينيين، فهم كانوا في غير حاجة إليها؛ لأن الأغنياء من أهل فلسطين كانوا وراء هؤلاء المجاهدين، وإنما كان جمعنا للتبرعات أسلوبًا من أساليب التأثير في نفوس الناس بهذه القضية، والذي يتيح الحصول على تبرعات من جميع المسلمين وليس الإخوان فقط، وأضيف الآن إلى ذلك أن هذه المبالغ لم تكن تُرسل إلى المجاهدين".
بينما يشير علي عشماوي، أحد مؤسسي التنظيم الخاص، في كتابه "التاريخ السري للإخوان المسلمين" (الصادر عام 2006)، إلى أن "الإخوان كلما سنحت لهم فرصة المتاجرة بقضية المسجد الأقصى، يطالبون بفتح باب التطوع لإنقاذ الأقصى، ومعناه فتح باب التبرع لجمع المال من جديد".
وبالتالي، وظفت الجماعة المشاعر الدينية تجاه القضية الفلسطينية كغطاء للاستحواذ على أموال الصدقات والتبرعات، فأسست المئات من المؤسسات الخيرية التي تمددت في الدول العربية والأوروبية، مثل منظمة "الإغاثة الإسلامية" التي أسسها هاني البنا عام 1984، والصندوق الفلسطيني للإغاثة والتنمية (Interpal) الذي تأسس عام 1991 ويمتلك 11 فرعًا، ومؤسسة قرطبة (TCF) التي أسسها أنس التكريتي، و"المجلس الإسلامي البريطاني"، و"اللجنة الخيرية لمناصرة فلسطين" (CBSP) التي أُسست عام 1995، ومؤسسة "سنابل الأقصى الخيرية" التي تأسست في السويد عام 1999، و"صندوق الأقصى" الذي يمتلك عدة فروع في هولندا وبلجيكا والدنمارك، وتأسس عام 2001، ومؤسسة "الإسراء" في هولندا، وصندوق (ASB) و(SHS) في سويسرا، وصندوق (ABSSB) في إيطاليا، فضلًا عن المقرات الناشطة مثل "كريكل وود برودواي" و"كروان هاوس" و"زبنكيل هاوس"، والتي تُعد مسارات لجمع الأموال من الجاليات العربية والإسلامية في الغرب.

وأطلقت الحكومة السويدية تحقيقًا رسميًا في منتصف عام 2025 حول اختراق تنظيم الإخوان للبلاد وتغلغله ونشاطاته داخل المؤسسات الرسمية والخاصة، على غرار التقرير الفرنسي الذي أعدته وزارة الداخلية الفرنسية ونُشر في 21 مايو 2025، والذي كشف عن محاولات جماعة الإخوان التغلغل في مؤسسات الدولة والمجتمع في فرنسا ودول أوروبية أخرى، من ضمنها مملكة السويد.
وأعلن وزير العمل والاندماج السويدي، ماتس بيرسون، في 3 يونيو 2025، عن تشكيل مجموعة خبراء للتحقيق في مدى اختراق جماعة الإخوان في السويد، مؤكدًا أن ستوكهولم تواجه تحديات مماثلة لتلك التي تواجهها فرنسا فيما يتعلق بالاندماج ومكافحة الهياكل الاجتماعية الموازية التي تتحدى الديمقراطية الليبرالية.
وقال وزير الاندماج السويدي "هناك تردد في السويد بشأن الحديث عن هذه القضايا، ولكن هذا التردد انتهى الآن، ونحن بصدد مواجهة هذه المشكلات بكل حزم، وسنبذل قصارى جهدنا للحد من هذه القوى التي تدفع إلى نظام موازٍ"، موضحًا أن التقرير سيصدر قريبًا كاشفًا كيفية مواصلة بروكسل ضخ أموال دافعي الضرائب في شبكات إسلامية.
التعاون الإخواني الصهيوني
كان عام 2025 بمثابة عام سقوط القناع عن حالة التعاون والتقاء المصالح والتوافق بين الكيان الصهيوني وجماعة الإخوان، حول تمرير خريطة الشرق الأوسط وتنفيذ مشاريع التقسيم، وذلك من خلال محاصرة السفارة المصرية في تل أبيب، والتظاهر ضد النظام السياسي المصري بسبب موقفه الرافض لمشروع تهجير الفلسطينيين، وتحويل الأنظار عن جرائم الاحتلال الصهيوني، وتأليب الرأي العام العربي ضد القاهرة لكسب مزيد من التعاطف، ولتجريد مصر من دورها كوسيط إقليمي فاعل.

الحركة الإسلامية التي قادت التظاهر ضد الدولة المصرية، وتُعد إحدى الأذرع الموالية لجماعة الإخوان، ويحمل أعضاؤها الجنسية الإسرائيلية، لم تتجرأ على محاصرة وزارة الدفاع الإسرائيلية، أو الكنيست الإسرائيلي، أو حتى إطلاق تصريحات تنتقد فيها انتهاكات جيش الاحتلال ضد قطاع غزة.
الهدف الرئيسي من تلك التظاهرات سعى إلى تبييض وجه الكيان الصهيوني من الجرائم والانتهاكات ضد أهالينا في قطاع غزة، وتشويه صورة وسمعة الدولة المصرية، وتحميلها مسؤولية ما يحدث في القطاع، وتجاهل دورها في عدم تصفية القضية الفلسطينية وتصديها لتمرير مشروع التهجير.
التصنيف الأمريكي
وفي إطار تحجيم الدور الإخواني في الداخل الأمريكي، أعلن حاكم ولاية فلوريدا في ديسمبر 2025 تصنيف جماعة "الإخوان" ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) كـ"منظمتين إرهابيتين أجنبيتين"، وأن سلطات الولاية تُوجّه جميع الأجهزة باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمنع الأنشطة غير القانونية التي تقوم بها هاتان المنظمتان، بما في ذلك حرمان أي شخص يقدم لهما دعمًا ماديًا من أي امتيازات أو موارد.

كما سبقه حاكم ولاية تكساس، جريج أبوت، الذي أصدر في منتصف نوفمبر 2025 قرارًا بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) جماعات إرهابية أجنبية ومنظمات إجرامية عابرة للحدود. وسيحظر القرار على الطرفين شراء أو بيع الأراضي في الولاية، ويسمح للمدعي العام للولاية برفع دعوى لإغلاقهما، وربما فرض غرامات على المتورطين في التعامل معهما.
وبين القرارين، أعلن البيت الأبيض في بيان رسمي اتخاذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرارًا تنفيذيًا موجهًا إلى وزارة الخارجية الأمريكية ببحث تصنيف عدد من فروع جماعة الإخوان في مصر والأردن ولبنان على قوائم الإرهاب، بعد استشارة المؤسسات الفاعلة، وفي مقدمتها هيئة الاستخبارات الأمريكية ووزارة الخزانة وهيئة الفيدراليات والمدعي العام الأمريكي، فإن القرارات الداخلية بتصنيف مؤسسة "كير" تخضع لمجموعة من الحسابات غير المعنية بنشاط الجماعة في الداخل الأوروبي أو في العمق العربي والشرق أوسطي.

القرار الأمريكي في حال صدوره سيصنع موجات متتالية من عمليات تصنيف جماعة الإخوان في عدد من الدول الغربية، سواء تجاه المؤسسات الفاعلة في القارة العجوز، أو على مستوى الأفرع التي صُنِّفت مسبقًا من قبل الولايات المتحدة، ما يضع قيادات "التنظيم الدولي" في مأزق شديد، خاصة أن الملفات الأساسية التي يتولى إدارتها والإشراف عليها تقع غالبيتها في يد قيادات من جنسيات مصرية وعربية، والتي ربما ستضطر للتنازل عن جنسيتها المصرية أو العربية، تخارجًا أو تخوفًا من فكرة تجميد أصولها المالية في الغرب الأمريكي والأوروبي، أو اتجاهها إلى التنازل عن الأموال والشركات التي تملكها – (سواء كانت ملكية خاصة أو ملكية لصالح التنظيم الدولي) – لصالح شخصيات تنظيمية أخرى غير معروفة، وفق "أوراق الضد" تهربًا وتفاديًا لعملية المصادرة تحت لافتة التصنيف على قوائم الإرهاب الأمريكي.
النقطة الأشد تأثيرًا على جماعة الإخوان المصريين من تداعيات القرار الأمريكي تكمن في تهديد وضعية جبهات الجماعة الثلاث، وقياداتها الهاربة إلى لندن وتركيا وقطر، أو حتى إلى الدول الغربية مثل كندا وفرنسا وألمانيا والسويد والنمسا وماليزيا وغيرها، وفي مقدمتهم صلاح عبد الحق، وحلمي الجزار، ومحيي الزايط، ومحمود حسين، ويحيى موسى، ومحمد منتصر، في ظل اتخاذ هذه الدول قرارًا بملاحقة هذه العناصر، ومصادرة أموالها وكياناتها الاقتصادية، قربانًا لإدارة ترامب وفق الصفقات غير المعلنة.

التصنيف الأمريكي يصنع تحولًا نوعيًا في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه تيارات الإسلام الحركي بشكل عام (في حال صدوره)، في ظل تتبع شبكات التمويل والاتصالات عبر الحدود، وإنهاء التمويل والدعم الحكومي لبعض المنظمات والكيانات المرتبطة بجماعة الإخوان، ما يؤثر في النهاية سلبًا أو إيجابًا في معادلة التحالفات في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول العربية وأنظمتها السياسية، لا سيما التي تتشارك فيها الجماعة السلطة السياسية أو التشريعية، مثل تركيا وقطر والجزائر والأردن والمغرب والكويت، في وقت تمثل فيه التجربة المصرية نموذجًا في استراتيجية استلهام تفكيك مشروع الجماعة التنظيمي، وتحجيم منابعها الفكرية، ما يعزز تعاونها الأمني والاستخباراتي مع واشنطن.
في حال تمرير السيناريو "الترامباوي" ومساندة "دوائر الجمهوريين" الداعمة لمساراته، فحتمية المواجهة لن تتوقف عند قرار التصنيف من عدمه، في ظل جماعة تملك القدرة على التخفي خلف العشرات من اللافتات والمسميات، وتجيد التحايل على مختلف الأوضاع والظروف، والتنقل بين البيئات الاجتماعية والثقافية بانسيابية غير معهودة، بل وتمكنها من التخلي عن الإطار التنظيمي لصالح بقائها فكريًا عبر استراتيجية "التمدد المرن".
المراجعة البريطانية
وعلى الجانب الآخر، أعلنت السلطات البريطانية تصنيف جماعة الإخوان على قوائم الإرهاب من خلال وضعها تحت "مراجعة دقيقة"، وفق ما أكده المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني، وذلك بالتوازي مع القرار التنفيذي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ببحث تصنيف عدد من فروع الجماعة على قوائم الإرهاب، وأبرزها فروع مصر والأردن ولبنان.
وفي مارس 2024، وضعت الإدارة البريطانية تعريفًا جديدًا لمفهوم «التطرف»، يقوم على معاداة الديمقراطية وتبنّي الكراهية والعنف. وبناءً على ذلك، أوصت بمراجعة موقف جماعة الإخوان، خصوصًا بعد تحذيرات رئيس الوزراء ريشي سوناك – حينها – من أن "المتشددين الإسلاميين واليمين المتطرف يقوضون عمدًا الديمقراطية متعددة الأعراق في بريطانيا"، وذلك في محاولة لتحجيم نشاط الجماعة التي استغلت هامش الحريات وتوسعت في بناء مؤسساتها الدعوية والتجارية والاقتصادية التي تخدم أهداف التنظيم الدولي.
وفي عام 2015، راجعت وزارة الخارجية البريطانية نشاط جماعة الإخوان، على أن تشمل المراجعة نشاط الجماعة داخل بريطانيا وتأثيرها على الأمن القومي البريطاني والسياسة الخارجية، بما يشمل العلاقات المهمة مع دول الشرق الأوسط. وترأس لجنة المراجعة السير جون جنكنز، وخلصت في تقريرها إلى أن الجماعة تعمل في الغرب من خلال "شبكة فضفاضة من المنظمات المتقاربة فكريًا"، وأنها على صلة بمؤسسات مرتبطة بعناصر إرهابية، وتتبنى خطابًا أقرب للمنهجية المتطرفة.

وتُعد بريطانيا تاريخيًا من أكثر الدول الداعمة لجماعة الإخوان، إذ قدمت لهم الدعم المالي والاستخباراتي على مدار عقود، ومنحت قياداتها وعناصرها حق اللجوء السياسي. كما كان لها دور فاعل وتاريخي في إعادة هندسة "الشرق الأوسط الجديد"، باعتبارها المانح الأول للكيان الصهيوني حق التوطن في عمق الأراضي الفلسطينية واحتلالها وفق "وعد بلفور" عام 1917، ووضعت منطقة الشرق الأوسط تحت مطرقة تقسيمات "سايكس–بيكو"، وأعادت هندستها بأدوات عسكرية وحشية غير مسبوقة، ودون أدنى اعتبار للقيم الإنسانية، في تجويع وإبادة المدنيين العزّل في قطاع غزة، فضلًا عن محاولاتها التحريض ضد الدولة المصرية وتوظيف عناصر جماعة الإخوان في محاصرة السفارات المصرية في الخارج، بهدف الضغط عليها لتمرير سيناريوهات التهجير وتصفية القضية الفلسطينية.
لا شك أن بريطانيا تُعد اليوم العاصمة الأولى لجماعة الإخوان والتنظيم الدولي منذ سقوط حكم الجماعة في 30 يونيو 2013. كما أن الأجهزة الأمنية البريطانية وظفت الإخوان منذ تأسيسها كأداة ضغط لتحقيق مصالحها في منطقة الشرق الأوسط والهيمنة على الأوضاع السياسية في المنطقة العربية.
سعت بريطانيا إلى دعم جماعة الإخوان بهدف تكوين ظهير سياسي لها في المرحلتين الملكية والناصرية، وفق ما كشفه بعض قيادات التنظيم الخاص في مذكراتهم عن اتصالات زينب الغزالي وحسن الهضيبي بالسفارة البريطانية في القاهرة بهدف الإطاحة بالرئيس جمال عبد الناصر. وهناك مؤشرات تؤكد تورط المخابرات البريطانية في التخطيط لحادث المنشية عام 1954.
الدعم غير المتناهي من بريطانيا للجماعة جعلها ملاذًا آمنًا لعدد كبير من قيادات التنظيم، في ظل منحهم حق اللجوء السياسي والجنسية البريطانية، بالإضافة إلى المعونات السنوية التي تُقدّر بـ100 ألف دولار. كما احتضنت عددًا كبيرًا من قيادات الجهاد المصري وتيارات السلفية الجهادية، مثل هاني السباعي مؤسس مركز المقريزي، وياسر السري مؤسس المرصد الإسلامي، رغم صدور أحكام بالإعدام بحقهما.

التظاهرات الأوروبية
كما شهد الشارع الأوروبي تصاعدًا ملحوظًا في الجهود الرامية لمواجهة نفوذ جماعة الإخوان، التي تعتبرها العديد من العواصم تهديدًا للأمن المجتمعي والنسيج الديمقراطي. ومع توسع شبكة الجماعة في عدة دول أوروبية، أصبح التعامل معها محور اهتمام الأجهزة الأمنية والسياسية، لا سيما في ألمانيا، حيث تجمع بين النشاط الدعوي الخيري الظاهر والهيكل التنظيمي السري الذي يسعى لتشكيل مجتمع موازٍ.
وقامت السلطات الألمانية بإغلاق جمعية "إنتر أكتيف" الإسلامية، وداهمت مقرات جمعيتين إسلاميتين أخريين في إطار حملة على التنظيمات التي تعتبرها تهديدًا للدستور. ويأتي ذلك استمرارًا لجهود ألمانيا المتزايدة لمكافحة التطرف، حيث سبق وحظرت الجمعيات التي ترتبط بأنشطة متطرفة أو معادية للسامية.
كما تم حظر جمعية "إنتر أكتيف" ومصادرة أصولها، ومداهمة وتفتيش 7 عقارات في هامبورغ و12 عقارًا في برلين وولاية هيسه، وذلك في إطار التحقيقات الأولية مع جمعيتي "جينيريشن إسلام" و"ريليتايت إسلام".

ووضعت السلطات الألمانية العديد من الجمعيات المرتبطة بجماعة الإخوان تحت المراقبة بسبب ارتباطها بأنشطة متطرفة، فتم حظر المركز الإسلامي في هامبورغ ومداهمة فروعه، معتبرة أن مهمته مخالفة للدستور وتدعم جماعات مثل حزب الله.
وقد شهد ميدان "باريسير بلاتز" في برلين مشاركة مئات النشطاء في وقفة احتجاجية يطالبون فيها بتصنيف جماعة الإخوان رسميًا ككيان إرهابي داخل أوروبا، في الوقت نفسه الذي شهدت فيه مدينة جنيف بسويسرا احتجاجًا مماثلًا. وجاءت هذه الفعاليات الاحتجاجية في برلين وجنيف ضمن تصعيد في الجهود الشعبية والسياسية لمواجهة جماعة الإخوان وانتشار نفوذها في عدة عواصم أوروبية، كما شهدت بروكسل، وهولندا، وإيرلندا مظاهرات مماثلة ضد الجماعة.
حيث أعرب المتظاهرون عبر هتافاتهم عن رفض قوي لطرق جماعة الإخوان التي تهدد الانسجام الثقافي والديني في أوروبا، خاصة من خلال سيطرتها على الجاليات المسلمة والمؤسسات الثقافية.
وردد المتظاهرون شعارات باللغات الألمانية والعربية والإنجليزية، تعبر عن إدانة تطرف الجماعة ومطالبة بتصنيفها رسميًا كمنظمة إرهابية، منها: "لا لجماعة الإخوان المسلمين"، و"تصنيف الإخوان إرهابية فورًا"، و"لا مكان للتطرف".
كما ألقى بعض النشطاء كلمات موجزة ناقشوا فيها "مخاطر الجماعة على الشباب" و"ضرورة حماية المجتمعات المسلمة من الاستغلال السياسي". وقالت إحدى الناشطات: "الإخوان يستغلون الدين لأغراض سياسية، ونحن هنا لنؤكد أن الإسلام الحقيقي يمثل السلام والعدالة".
وواجه تنظيم الإخوان في أوروبا خلال عام 2025 ضغوطًا سياسية وأمنية غير مسبوقة، عقب توسع الإجراءات الغربية للحد من انتشاره، وهو ما يصفه مراقبون بـ"اليقظة الأوروبية" لمواجهة نفوذ التنظيم الدولي وشبكاته العابرة للحدود. وبدأت دول مثل فرنسا في تطبيق قوانين وإجراءات جديدة لعزل شبكات جماعة الإخوان أو وضعها تحت المراقبة، بعد سنوات من المناقشات حول نفوذها الخفي داخل المجتمعات الغربية.
وأصبح التحرك السياسي والشعبي مؤخرًا ضد جماعة الإخوان في أوروبا يعكس وعيًا متزايدًا بخطر التغلغل الأيديولوجي للجماعة، بعد أن بدأت العواصم الأوروبية في رؤيتها كحركة سياسية عابرة للحدود أكثر من كونها كيانًا دينيًا.
ختامًا:
يؤكد مسار الأحداث خلال عام 2025 أن جماعة الإخوان دخلت مرحلة أفول تاريخي، لم تعد فيها قادرة على المناورة أو إعادة إنتاج نفسها بالصورة التي اعتادت عليها لعقود. فقد تلاقت الأزمات الداخلية، من انقسامات وصراعات وفضائح مالية موثقة، مع تحولات إقليمية ودولية أكثر صرامة تجاه التنظيمات العابرة للحدود، لتسحب من الجماعة ما تبقى من غطاء سياسي وأخلاقي.
عمرو فاروق*
كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي
- # الصراع الداخلي في الإخوان
- # جماعة الإخوان
- # التنظيم الدولي لجماعة الإخوان
- # جماعة الإخوان في الغرب
- # جماعة الإخوان في أوروبا
- # الفساد المالي داخل جماعة الإخوان
- # الفساد الأخلاقي داخل جماعة الإخوان
- # الصراع المالي داخل جماعة الإخوان
- # صراع السلطة داخل جماعة الإخوان
- # الإخوان وسرقة أموال غزة
- # ترامب وتصنيف الإخوان
- # واشنطن وتصنيف الإخوان
- # بريطانيا وتصنيف الإخوان
- # الدول الاوروبية وتصنيف الإخوان



