القلق الإسرائيلي: بين تقلبات الموقف الأمريكي وصعود القوى الدولية المنافسة
ساهمت عملية إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب في إعادة بلورة نظام عالمي جديد بمفردات مختلفة عن النظام العالمي الذي تشكّل عقب انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي، فلأول مرة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي بدا واضحًا للجميع تراجعٌ أمريكي في السياسة الدولية لصالح قوى أخرى في العالم، مثل الصين وروسيا.
تبنّى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منذ إعادة انتخابه، سياسة داخلية وخارجية قائمة على تراجع الحماية الأمريكية لحلفائها في الخارج، وتقليل الانخراط الأمريكي في المشكلات والأزمات الدولية، وإبراز دور الدول القومية، وداخليًا انتهاج سياسة "أمريكا أولًا"، والتي تهدف إلى إعادة بلورة القومية الأمريكية من جديد، فضلًا عن الانقلاب الاقتصادي الكبير الذي انتهجه ترامب بإعادة فرض الرسوم الحمائية على البضائع والمنتجات المستوردة، ضاربًا عرض الحائط بأطر التجارة العالمية التي أسستها واشنطن عقب انهيار الاتحاد السوفيتي.

ملامح النظام العالمي الجديد
بانهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991 تشكّل نظام عالمي جديد وفق الرؤية الأمريكية، قائمًا على تعزيز مفهوم الليبرالية الدولية، والترويج للديمقراطية والأسواق الحرة والعولمة، وبروز دور المؤسسات الدولية المختلفة، إلا أنه في السنوات الأخيرة بدت ثمة تغيرات على هذا النظام، إذ بدأ يفسح المجال مرة أخرى أمام الدول القومية وصعود الشعبوية مرة أخرى.
بدأ تآكل النظام الدولي الذي تأسس بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 2014، حين همّت روسيا باحتلال شبه جزيرة القرم، وتطور الأمر بصورة ملحوظة في عام 2022 حين اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية، وهو الأمر الذي هدد السلامة الإقليمية، وكان بداية إضعاف الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي.

صدمة الحرب الروسية الأوكرانية
اعتمد النظام العالمي الذي تشكّل عقب انهيار الاتحاد السوفيتي على مقولة هامة، أبرزها أن التعاون والتبادل التجاري من شأنه تقليل خطر اندلاع الحروب بين القوى الدولية، فعلى سبيل المثال اعتمدت أوروبا الغربية على استيراد النفط والغاز الروسي لتقليل حدة الخلافات بين الطرفين وتقليل احتمالات اندلاع الحرب في شرق أوروبا.
إلا أن الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 شكّل صدمة للمفهوم الليبرالي الأوروبي للنظام الدولي، وبدت دول أوروبا الغربية في موقف حرج، ففي البداية سارعت دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا إلى تقديم الدعم العسكري والمالي إلى أوكرانيا، وفي خضم الدعم الأوروبي لأوكرانيا برزت قوى سياسية داخل الدول الأوروبية وأمريكا تنتمي إلى اليمين الشعبوي، تطالب دولها بعدم الالتزام بأدوار المؤسسات الدولية والتحالفات العسكرية، والتركيز على المصالح القومية، والابتعاد نهائيًا عن قيم الليبرالية العالمية.

برز ذلك بوضوح مع اختلاف الرؤى بين الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، الذي كان متمسكًا بقيم الليبرالية الغربية وأهمية انخراط أمريكا في المؤسسات الدولية وتوفير الدعم لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، إلا أن ذلك تغير مع انتخاب ترامب وتبنيه مفردات اليمين الشعبوي الأمريكي "أمريكا أولًا"، وبالتالي تقلّص الدور الأمريكي في حلف الناتو، وتقليل الدعم الأمريكي لأوكرانيا، بل وصل الأمر إلى إجبار الجانب الأوكراني على خطط تسوية تضمن تحقيق المصالح الروسية على حساب المصالح الأوكرانية.
أدى تراجع اهتمام أمريكا بالحلفاء إلى إثارة تساؤلات هامة، أبرزها: هل ستتدخل أمريكا في الدفاع عن تلك الدول إذا ما تعرضت لأي هجوم؟ وبرزت تلك الأسئلة في مناطق مثل أوروبا الغربية واليابان وتايوان، فأوروبا الغربية تخشى من تمدد العدوان الروسي في مرحلة ما بعد أوكرانيا، أما تايوان واليابان فبات الخوف متصاعدًا من احتمالية تصاعد التهديدات الصينية، خاصة بعد المناورات العسكرية الأخيرة في بحر الصين.

تغير شكل الحروب
اتخذت الحروب في مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي طابع الحروب الأهلية والعرقية، ففي إفريقيا، على سبيل المثال، اندلعت الحروب العرقية والأهلية في معظم دول القارة، مثل حرب الإبادة الرواندية عام 1994، إلا أنه بعد الغزو الروسي لأوكرانيا (2014 – الآن) تغير طابع الحروب لتصبح احتمالية المواجهة بين الدول القومية أكثر قوة، فعلى سبيل المثال اندلعت الحرب الأذربيجانية الأرمينية عام 2020، لذا بات مؤخرًا اهتمام معظم الدول بنظم التسليح لديها، وباتت ميزانية الدفاع في مقدمة الأجندات السياسية للدول، وأخيرًا العودة في الدول الغربية لنظام التجنيد الإجباري كما حدث في ألمانيا مؤخرًا.
تداعيات تحول النظام الدولي على إسرائيل
منذ تأسيسها في عام 1948 وحتى اليوم اعتمدت إسرائيل على كونها رهينة المعسكر الليبرالي الغربي، سواء في فترة الحرب الباردة أو فيما بعدها، إذ شكّل الدعم الأمريكي والغربي المتنامي لإسرائيل إحدى ركائز الأمن القومي الإسرائيلي.
لكن بعد التحولات العالمية الجارية، ينظر بعض الإسرائيليين بنظرة براجماتية إلى تلك التحولات على أنها فرصة ذهبية لإسرائيل، فاتجاه معظم الحكومات العالمية حاليًا إلى إعادة التسلح من شأنه رفع حالة الطلب على المنتجات العسكرية الإسرائيلية، فمؤخرًا، على سبيل المثال، نشرت ألمانيا منظومة الصواريخ الإسرائيلية "آرو 3" لمواجهة التهديدات الروسية.
كما ترى بيني ميلر، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة حيفا ورئيس مركز الأمن القومي في الجامعة، أن اتجاه الدول الأوروبية إلى تبني استراتيجيات التجنيد الإجباري ورفع درجات التعبئة العامة سيؤدي إلى تزايد الطلب على الخبرات الإسرائيلية في عمليات التجنيد والتدريب، فالجيش الإسرائيلي مبني في الأساس على استدعاء قوى الاحتياط.
لذا ترى ميلر أن تقلبات النظام الدولي والاتجاه إلى التجنيد وإعادة التسليح سيفتحان المجال واسعًا أمام تصدير الأسلحة والأنظمة العسكرية الإسرائيلية إلى الدول الأوروبية التي أهملت في السنوات الأخيرة مسائل الدفاع والتجنيد لصالح مسائل أخرى متعلقة بالتبادل التجاري، والاكتفاء بالحماية الأمريكية تحت مظلة الناتو.

تقلبات وتناقضات الإدارة الأمريكية
أكثر ما يشغل إسرائيل هو حالة التناقضات التي باتت عليها الإدارة الأمريكية حاليًا، فرغم تعاطف ترامب مع إسرائيل، فإن هذا التعاطف نابع من اعتبارات شخصية وعائلية، خاصة بعد تبنيه شعار "أمريكا أولًا"، والذي يتبناه أيضًا التيار اليميني الشعبوي في الولايات المتحدة، والذي يرى أهمية تقليل الدعم الأمريكي لإسرائيل وعدم الانخراط كليًا في صراعاتها السياسية.
ومما يشير أيضًا إلى تراجع المكانة الإسرائيلية في السياسة الأمريكية استعداد أمريكا لإتمام صفقة طائرات "إف-35" الموجهة إلى السعودية، وهو ما يتنافى مع مبدأ كان سائدًا في السابق في السياسة الأمريكية، يفيد بأهمية التفوق العسكري الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط.

ولمواجهة التغيرات في توجهات السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، ترى العديد من التحليلات الإسرائيلية ضرورة اتباع الآتي:
أولًا: يرى رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية "أمان" الأسبق، "تامير هايمان"، ضرورة الاستفادة من وجود الرئيس ترامب في سدة الحكم من خلال إبرام اتفاقية استراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل تكون فيها إسرائيل شريكًا قويًا، وبالتالي تضمن إسرائيل الدعم الأمريكي في مرحلة ما بعد ترامب.
ثانيًا: نقل الخبرات التكنولوجية الأمريكية، خاصة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، إلى إسرائيل من خلال السماح للشركات الإسرائيلية بالولوج إلى وادي السيليكون الأمريكي، وهو الأمر الذي يمكن إسرائيل مستقبلًا من الاعتماد على بنيتها التكنولوجية في الدفاع عنها بدلًا من الاعتماد المتزايد على الولايات المتحدة.
ختامًا:
في ضوء التحولات العميقة التي يشهدها النظام العالمي، تبدو إسرائيل أمام واقع دولي متغير يتسم بتراجع الهيمنة الأمريكية وصعود قوى دولية جديدة، وتزايد النزعة القومية على حساب الليبرالية العالمية. ورغم ما تحمله هذه التحولات من تحديات تتعلق بموثوقية الحليف الأمريكي ومستقبل التفوق العسكري الإسرائيلي، فإنها تفتح في الوقت ذاته فرصًا لإعادة تموضع إسرائيل داخل النظام الدولي الجديد، خاصة عبر تعظيم دورها في الصناعات العسكرية ونقل الخبرات الأمنية والتكنولوجية إلى الدول الساعية لتعزيز قدراتها الدفاعية. وفي المحصلة، ستظل قدرة إسرائيل على التكيف مع هذا النظام العالمي المتقلب مرهونة بمدى نجاحها في موازنة علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتنويع شراكاتها الدولية، واستثمار التحولات الجارية بما يخدم أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية على المدى الطويل.



