رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

نبوءة الـ 15 عامًا: هل تخضع مفاتيح النووي الأوروبي لتأثير الإسلام السياسي؟

الإسلام السياسي في
الإسلام السياسي في أوروبا -أرشيفية

لم تكن تصريحات نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، لموقع "آنهيرد" البريطاني مجرد قراءة في التحولات الديموغرافية للقارة العجوز، بل مثّلت زلزالًا سياسيًا أعاد تعريف مفهوم الخطر في العقلية اليمينية الأمريكية الجديدة، والتي قال فيها "أنه ليس من  المستبعد أن القوى النووية الأوروبية، كفرنسا أو المملكة المتحدة، قد تخضع في غضون 15 عاما لتأثير زعماء  مقربين من الإسلام السياسي"، ومن ثم نقل فانس المعركة إلى داخل مراكز القرار السيادي، إلى تحول جذري قد يجعل من القوى النووية التاريخية، تحت وطأة نفوذ تيارات الإسلام السياسي .

 جي دي فانس - نائب الرئيس الأمريكي
 جي دي فانس - نائب الرئيس الأمريكي

الخطورة في "سيناريو فانس" تكمن في كونه يربط بين ملفين لم يجتمعا من قبل في أدبيات السياسة الخارجية الأمريكية الرسمية، وهما العقيدة النووية والإسلام السياسي؛ فمن خلال تصنيف هذا الاحتمال كسيناريو ليس مستبعدًا، يضع نائب ترامب الحلفاء الأوروبيين أمام اختبار الولاء الثقافي، ملمحًا إلى أن الترسانة النووية التي كانت يومًا صمام أمان للغرب قد تتحول، في ظل التغييرات السياسية المتوقعة، إلى أداة ضغط خارج السياق الأطلسي التقليدي، مما يفتح الباب أمام تساؤلات وجودية حول مستقبل التحالف العسكري الأقوى في التاريخ.

 

الإسلام السياسي في أوروبا -أرشيفية 
الإسلام السياسي في أوروبا -أرشيفية 

ويشكل هذا الربط الاستراتيجي بين الأيديولوجيا والذرة نقطة الانطلاق لفهم التحول العميق في الرؤية الأمريكية للعالم؛ حيث لم يعد "العدو" بالضرورة خلف الحدود، بل قد يولد من رحم صناديق الاقتراع الأوروبية، مما يجعل من ملفات الهجرة، والاندماج، والهوية الثقافية قضايا أمن قومي نووية تستدعي إعادة تقييم واشنطن لالتزاماتها الدفاعية تجاه القارة.

"الردع" في مواجهة التحولات الهيكلية

تثير فرضية فانس تساؤلات حادة حول مستقبل عقيدة الردع التي بُنيت عليها القوة النووية لكل من فرنسا وبريطانيا منذ الحرب الباردة؛ فالسلاح النووي في هذه الدول ليس مجرد أداة عسكرية، بل هو رمز للسيادة القومية المطلقة، وربطه بتنامي نفوذ الإسلام السياسي يلمح إلى إمكانية حدوث شلل في القرار الاستراتيجي، حيث يخشى فانس من تحول مفاتيح الردع إلى أداة لخدمة أجندات عابرة للحدود الوطنية لا تتسق مع المصالح الغربية التقليدية.

وفي هذا السياق، يبرز التخوف من تحول الترسانات النووية الأوروبية من ضمانة للأمن الأطلسي إلى مصدر للقلق الاستراتيجي لواشنطن؛ إذ يفترض هذا السيناريو أن صعود نخب سياسية متأثرة بالأيديولوجيا الإسلامية قد يؤدي إلى إعادة توجيه بوصلة السلاح النووي، أو على الأقل إضعاف الجاهزية للردع ضد الخصوم التقليديين للغرب، مما يضع مفهوم المظلة النووية المشتركة أمام اختبار تاريخي غير مسبوق.

الإسلام السياسي في أوروبا -أرشيفية 
الإسلام السياسي في أوروبا -أرشيفية 

وتواجه هذه الرؤية تحديًا واقعيًا يتمثل في طبيعة الدولة العميقة في العواصم الأوروبية، حيث تُدار الملفات النووية عبر مؤسسات عسكرية وأمنية شديدة الانغلاق والتحوط؛ ومع ذلك، فإن مجرد طرح هذه الفكرة من قبل مسؤول أمريكي رفيع المستوى يبعث برسالة مفادها أن واشنطن قد لا تعدم الوسيلة للتشكيك في أهلية حلفائها في حال تغيرت تركيبتهم السياسية والاجتماعية، وهو ما قد يدفع باتجاه أزمة ثقة نووية بين ضفتي الأطلسي.

"الإسلام السياسي" كفزاعة لإعادة صياغة الهوية الأوروبية

يمكن تحليل نبوءة فانس باعتبارها دعمًا سياسيًا مباشرًا وغير مباشر لتيارات اليمين المتشدد في أوروبا، التي تتبنى خطابًا يربط بين الهجرة والتهديد الوجودي؛ فمن خلال تصوير الإسلام السياسي كخطر يهدد السيادة النووية، يمنح فانس شرعية دولية لبرامج الأحزاب اليمينية التي تدعو إلى إغلاق الحدود وتطبيق سياسات اندماج قسرية، مصوراً إياها كحارس أخير لـ"الحضارة الغربية" وترسانتها العسكرية المتقدمة.

كما يسعى هذا الخطاب إلى تحويل قضية الهوية من سجال مجتمعي محلي إلى قضية أمن قومي دولية؛ حيث لم يعد المهاجر أو المواطن المسلم في هذا السياق مجرد رقم ديموغرافي، بل أصبح جزءًا من كتلة يُفترض أنها قادرة على تغيير وجه القارة الجيوسياسي.  

الإسلام السياسي في أوروبا -أرشيفية 
الإسلام السياسي في أوروبا -أرشيفية 

هذا الربط يعزز من حالة الاستقطاب داخل المجتمعات الأوروبية، ويضع الجاليات المسلمة تحت مجهر التشكيك الأمني، مما يعقد جهود الاندماج والتعايش السلمي، بالإضافة إلى استخدام الإسلام السياسي كأداة ضغط فعالة لترتيب البيت الأوروبي بما يتوافق مع رؤية "أمريكا أولًا".

استنادًا لما سبق، يرسل فانس إشارة واضحة بأن الدعم الأمريكي المستقبلي سيكون مشروطًا بقدرة الحكومات الأوروبية على كبح جماح التحولات الثقافية والسياسية التي يراها اليمين الأمريكي مهددة للقيم الغربية، مما يجعل من "الهوية" شرطاً أساسياً لاستمرار التحالف الاستراتيجي.

الإسلام السياسي في أوروبا -أرشيفية 
الإسلام السياسي في أوروبا -أرشيفية 

  نحو "ناتو" مشروط ثقافيًا 

تمهد تصريحات نائب الرئيس الأمريكي لمرحلة جديدة من العلاقات داخل حلف شمال الأطلسي "ناتو"، فمن الوارد أن تتبنى إدارة ترامب مفهوم "المشروطية الثقافية" في التعاون العسكري؛ ما يعني أن مشاركة المعلومات الاستخباراتية الحساسة أو التنسيق في الملفات النووية قد لا يعتمد فقط على الالتزامات المعاهداتية، بل على مدى اطمئنان واشنطن لتركيبة الحكومة الحليفة وتوجهاتها الأيديولوجية، وهو ما يهدد وحدة الحلف وتماسكه.

وتتماشى هذه السردية مع مقدمات الانسحاب الأمريكي التدريجي من الالتزامات الدفاعية تجاه القارة العجوز؛ فمن خلال تصوير الحلفاء كقوى تترنح أمام نفوذ الإسلام السياسي، يسهل على الإدارة الأمريكية تبرير تقليص نفقاتها العسكرية في أوروبا وتوجيهها نحو مناطق أخرى، أو اشتراط مبالغ طائلة مقابل حماية دول يراها فانس تتغير هويتها من الداخل.

الإسلام السياسي في أوروبا -أرشيفية 
الإسلام السياسي في أوروبا -أرشيفية 

وفي نهاية المطاف، قد تؤدي هذه الرؤية إلى نشوء "محاور يمين عابرة للقارات"، حيث تتقارب واشنطن مع حكومات أوروبية محددة تشاركها الرؤية القومية المتشددة نفسها، مقابل تهميش القوى التقليدية مثل فرنسا وبريطانيا إذا ما استمرت في سياساتها الليبرالية.

هذا التحول ينذر بإعادة رسم خريطة التحالفات الدولية، بحيث لا تعود الجغرافيا هي المعيار الأساسي للتحالف، بل التوافق على تعريف موحد لـ"العدو الحضاري" وسبل مواجهته.

الإسلام السياسي في أوروبا -أرشيفية 
الإسلام السياسي في أوروبا -أرشيفية 

ختامًا:

 تذهب تحذيرات جي دي فانس إلى ما هو أبعد من مجرد استشراف سياسي، لتضع القارة الأوروبية أمام لحظة مكاشفة تعيد تعريف طبيعة العلاقة مع واشنطن في ظل إدارة تتبنى نهجاً قومياً متصلباً؛ إذ إن ربط استقرار الترسانة النووية الغربية بالتحولات الثقافية والسياسية الداخلية يعكس نية أمريكية واضحة للانتقال من التحالف التلقائي إلى التحالف المشروط بالتوافق الأيديولوجي.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء