السلام البارد: العلاقات المصرية الإسرائيلية تحت ضغط التسريبات الداخلية
شهدت العلاقات المصرية الإسرائيلية توترًا ملحوظًا خلال فترة الحرب الماضية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة وجنوب لبنان، على خلفية أزمة السابع من أكتوبر 2023، حيث وصلت العلاقات بين الجانبين إلى أدنى درجاتها الدبلوماسية والسياسية، وذلك نتيجة العديد من السياسات التي اتخذتها تل أبيب خلال الحرب الماضية.
وبالتوازي مع توتر العلاقات المصرية الإسرائيلية، تعاني الحكومة الإسرائيلية من توترات داخلية ناجمة عن تصرفات أعضائها، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يُقاضى حاليًا أمام المحاكم الإسرائيلية بتهم متعلقة بالفساد وخيانة الأمانة، فضلًا عن أزمة الثورة القضائية في البلاد، ناهيك عن الأزمة المتعلقة بتشكيل لجنة رسمية للتحقيق في أحداث 7 أكتوبر وتوضيح مسؤولية الجميع عن هذا الحادث. وأخيرًا، برزت مؤخرًا أزمة سياسية كبيرة تعانيها الحكومة الإسرائيلية، وهي أزمة تسريبات مكتب نتنياهو.

مؤخرًا برزت تسريبات متورط فيها عناصر من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وهم المتحدث الرسمي السابق باسم رئيس الوزراء إيلي فيلدشتاين، والمتورط حاليًا في قضيتين تسريب؛ إحداهما متعلقة بتسريب معلومات عسكرية حساسة إلى صحيفة "بيلد" الألمانية، وكانت عبارة عن وثيقة عُثر عليها في جهاز الحاسب الآلي الخاص برئيس حركة حماس يحيى السنوار، يدّعي فيها عدم اهتمامه بتنفيذ صفقة تبادل للأسرى والرهائن مع الجانب الإسرائيلي. إلا أن عملية البحث والاستقصاء الصحفي كشفت أن تلك الوثيقة تعود إلى فترات زمنية بعيدة عن توقيت الحديث عن صفقة الرهائن، مما يعني زيف الوثيقة التي سربها المكتب الإعلامي لنتنياهو.
أما قضية التسريب الأخرى، فهي متعلقة أيضًا بصفقة تسليم الرهائن، لكنها تخص الدول الوسطاء، خاصة مصر وقطر. فالتسريب الأخير يشير إلى قيام المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بشن حملة دعائية، بالتعاون مع شركة "بيرسبشن"، التي يرأسها يسرائيل آينهورن، مدير الحملة الانتخابية لنتنياهو، ضد الموقف المصري في مفاوضات تسليم الرهائن، حيث ادعى فيلدشتاين أن مصر تقوم بعرقلة المفاوضات وتتربح من إدارة حماس للأنفاق، وأن الدور القطري في المفاوضات أفضل وأميز. وسُمّيت تلك التسريبات باسم "قطر جيت" تشبيهًا بأزمة "ووترجيت" التي انكشفت أستارها عام 1972 وأدت إلى استقالة الرئيس الأمريكي نيكسون عام 1974.

تيمّنًا بالتجربة الأمريكية
لعل إصرار القوى السياسية الإسرائيلية على وسم قضية تسريبات المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء وشركة "بيرسبشن" الخاصة بالموقف المصري باسم "قطر جيت" ينبئ عن مكنون رغبة قوية داخل النفس السياسية الإسرائيلية للتخلص من حكم نتنياهو، على غرار الأزمة الأمريكية "ووترجيت"، التي تخلص فيها الأمريكيون من الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1974. ومما لا شك فيه أن الأحزاب السياسية المتراصة في صفوف المعارضة الإسرائيلية تترقب أي وسيلة أو فرصة سياسية تمكنها فعليًا من الإطاحة بحكم نتنياهو، إلا أن الأخير ما زال يتمتع بالمرونة السياسية الكافية التي تمكنه من البقاء في منصبه، ليُعد أول سياسي إسرائيلي يتولى منصب رئاسة الوزراء لفترات زمنية طويلة تجاوزت ستة عشر عامًا متقطعة.
نفتالي بينيت والسجن المؤبد
منذ الإطاحة به من منصب رئيس الوزراء عام 2022، لا يترك رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت أي وسيلة أو فرصة للنيل من نتنياهو ومحاولة إقصائه من منصب رئيس الوزراء. فعلى سبيل المثال، يمتلك بينيت موقفًا غاضبًا إزاء رفض نتنياهو مسألة تشكيل لجنة رسمية للتحقيق في أحداث 7 أكتوبر.

ومؤخرًا، وعلى خلفية أزمة "قطر جيت"، اتهم بينيت مستشاري رئيس الوزراء نتنياهو بتعمد تخريب العلاقات الدبلوماسية مع مصر، مطالبًا في الوقت نفسه بتطبيق المادة 121 من قانون العقوبات الإسرائيلي، التي تنص صراحة على أن من يتعمد الإضرار بعلاقات إسرائيل مع أي دولة أخرى يُعاقب بالسجن المؤبد. ويؤكد بينيت أن تلك التسريبات أدت إلى تأزيم العلاقات مع مصر، مع تهديد أمن وسلامة الحدود الجنوبية لدولة إسرائيل. كما طالب بينيت بضرورة وقف نتنياهو تمويل الدفاع عن المتهمين، والخروج إلى الرأي العام وإدانة أفعالهم علنًا، والرد على الرأي العام الإسرائيلي إزاء هذه الفضيحة.
الرد القطري
يبدو أن الحملة التي شنها فيلدشتاين على مصر بلغت أوجها في أبريل 2025، ففي الثالث من أبريل نفت الدوحة أي مزاعم من شأنها التقليل من دور مصر في مفاوضات الوساطة، وأكدت أنها لم تدفع أموالًا لتشويه الدور المصري.
وقد تم التعبير عن الموقف القطري عبر بيان صدر عن "المكتب الإعلامي الدول" بدولة قطر، ونُشر على موقع التواصل الاجتماعي "X"، وأشادت قطر في ذلك البيان بالدور المصري القوي في ملف الوساطة، مطالبة بإبعاد جهود الوساطة عن محاولات التسييس والتشويه.
ليست المرة الأولى
لا تُعد تسريبات "قطر جيت" الحلقة الأولى في تأزم العلاقات المصرية الإسرائيلية خلال فترة الحرب الماضية، فالخلافات بين الجانبين كانت عميقة ومتجذرة. فتل أبيب لا تنسى وقوف القاهرة صامدة أمام مشروعاتها التوسعية الهادفة إلى إخلاء قطاع غزة من السكان وإعادة توطينهم مرة أخرى في شمال سيناء المصرية. ففي منتصف عام 2025، كان لمصر موقف قاطع وحازم إزاء مسألة تهجير الفلسطينيين إلى شمال سيناء، وهو الأمر الذي أربك الحسابات الإسرائيلية التي كانت تهدف إلى إخلاء غزة من سكانها وإعادة تموضع ديمغرافي جديد فيها، وتحويلها إلى ما يُسمى "ريفييرا الشرق"، على حسب تعبير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

خط أحمر مصري
ولتوضيح جدية الموقف المصري الرافض للتهجير، أوضح السفير بدر عبدالعاطي، وزير الخارجية المصري، خلال لقاء تلفزيوني له على قناة "MBC مصر"، أن مصر رفضت خلال الفترة الماضية ثلاثة عروض مالية سخية بشأن قبول تهجير الفلسطينيين إلى شمال سيناء، بعضها وصل إلى تصفير الديون المصرية وتقديم حوافز اقتصادية كبيرة جدًا، إلا أن الموقف المصري كان راسخًا أمام تلك المحاولات ورافضًا من حيث المبدأ فكرة التهجير.
ومما يؤكد كلام وزير الخارجية المصري ما سبق أن صرح به رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي الأسبق "يوسي كوهين"، الذي أشار في كتابه الشهير "بالأحابيل تُصنع الأفاعيل" إلى أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نجح في إفشال المخططات الإسرائيلية الرامية إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى شمال سيناء المصرية.
نتنياهو وبرود العلاقات مع القاهرة
لم يحظَ نتنياهو بأي علاقات دافئة مع القاهرة خلال فترة وجوده في منصب رئيس الوزراء. ففي ولايته الأولى من عام 1996 وحتى عام 1999، شهدت العلاقات بين القاهرة وتل أبيب توترًا شديدًا على خلفية أزمة الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام، الذي نجحت المخابرات المصرية في القبض عليه، وظلت العلاقات بين الجانبين خلال تلك الفترة في أقصى مراحل التوتر، على خلفية رغبة إسرائيل في الإفراج عن الجاسوس الإسرائيلي.
وفي الولاية الثانية لنتنياهو عام 2009، شهدت العلاقات أيضًا توترًا شديدًا على خلفية تشكيل الائتلاف الحاكم في إسرائيل آنذاك، والذي ضم حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان، الذي شغل منصب وزير الخارجية الإسرائيلي، وكان لليبرمان رصيد قوي من الخلافات مع الجانب المصري، ما دفع القاهرة في ذلك الوقت إلى إبداء رفضها زيارة ليبرمان إلى القاهرة تحت أي ظرف من الظروف.
ففي أكتوبر 2008، سبّ ليبرمان الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك على خلفية رفض مبارك زيارة إسرائيل، حيث لم يزر مبارك إسرائيل سوى مرة واحدة كانت في نوفمبر 1995 على خلفية حضور جنازة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق يتسحاق رابين، ومن بعدها لم تتكرر تلك الزيارة. لذا، كانت زيارة نتنياهو إلى القاهرة في مايو 2009 بمفرده، ولم يكن ضمن الحضور وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، وهي المرة الأولى في تاريخ العلاقات بين الطرفين.
ختامًا:
من المحتمل بدرجة كبيرة أن تظل العلاقات المصرية الإسرائيلية في أدنى درجاتها من "السلام البارد" بين الطرفين، نظرًا لسياسات نتنياهو المناوئة للقاهرة، والتي كان آخرها الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، في محاولة للتأثير على النفوذ والمصالح المصرية في منطقة القرن الأفريقي، خاصة في أزمة سد النهضة الإثيوبي.



