رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

دبلوماسية الترحيل: ملامح التحول في سياسة الهجرة البريطانية

الهجرة غير الشرعية
الهجرة غير الشرعية - أرشيفية

تأتي التحركات البريطانية الأخيرة لإبرام اتفاقيات مع دولتي أنجولا وناميبيا كخطوة استراتيجية حاسمة في مسار إعادة هندسة سياسات الهجرة، وذلك في أعقاب التحديات القانونية والسياسية التي أطاحت بما يُعرف بخطة رواندا السابقة، إذ تعكس هذه الاتفاقيات تحوّلًا ملموسًا في نهج الحكومة البريطانية نحو التركيز على الشراكات الثنائية المباشرة التي تهدف إلى تسهيل عمليات إعادة المهاجرين الذين لا يملكون حق البقاء، وذلك عبر صياغة تفاهمات قانونية تحاول الموازنة بين متطلبات الأمن القومي البريطاني والمعايير الحقوقية الدولية.

إيفيت كوبر وزيرة الخارجية البريطانية 
إيفيت كوبر وزيرة الخارجية البريطانية 

ولا تقتصر أبعاد هذا التعاون على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد لتشمل حزمًا من الدعم التنموي والاقتصادي للدول الشريكة، مما يجعل من ملف الهجرة أداة فعالة في الدبلوماسية البريطانية تجاه القارة الأفريقية. وذكرت وزيرة الخارجية، إيفيت كوبر، أن بريطانيا رحّلت أكثر من 50 ألف شخص لا يحق لهم البقاء منذ يوليو من العام الماضي، بزيادة قدرها 23% عن الفترة السابقة، وأصدرت تعليماتها للدبلوماسيين بجعل عمليات الإعادة أولوية قصوى.

ويطرح هذا التوجه تساؤلات جوهرية حول مدى فاعلية هذه الصفقات في تقليص أعداد المهاجرين على المدى الطويل، وفيما إذا كانت ستمثل "النموذج البديل" الذي سينجح في تجاوز العقبات اللوجستية والقانونية التي واجهتها لندن في تجاربها السابقة، ليصبح حجر الزاوية في نظام اللجوء الجديد.

الهجرة غير الشرعية - أرشيفية 
الهجرة غير الشرعية - أرشيفية 

  الترحيل القسري   

يمثل الاتفاق مع أنجولا وناميبيا تحولًا جوهريًا في فلسفة التعامل مع ملف الهجرة؛ فبعد الفشل القانوني والسياسي الذريع لخطة رواندا، أدركت الحكومة البريطانية أن ترحيل المهاجرين إلى دولة ثالثة ليس لها صلة بهم يواجه عقبات حقوقية دولية لا يمكن تجاوزها بسهولة، مما دفعها للبحث عن صيغة "العودة إلى الوطن الأم" كبديل أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ.

وعلى ضوء هذا التحول الاستراتيجي، يصبح من الضروري تفكيك بنود هذه الاتفاقيات لفهم الآليات التي ستعتمدها لندن لضمان استمرارية هذا التعاون دون الصدام مجددًا مع القضاء أو المنظمات الدولية. فبالانتقال من سياق الوعود السياسية إلى واقع التنفيذ، تبرز مجموعة من المحاور التحليلية التي تشرح طبيعة المقايضات الاقتصادية والأمنية بين بريطانيا وكل من أنجولا وناميبيا، ومدى قدرة هذا المسار الجديد على الصمود أمام التحديات اللوجستية والحقوقية التي تلوح في الأفق.

الهجرة غير الشرعية - أرشيفية 
الهجرة غير الشرعية - أرشيفية 

من الناحية القانونية، تمنح هذه الاتفاقيات بريطانيا موقفًا صلبًا أمام المحاكم؛ إذ إن إرجاع المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية (أنجولا وناميبيا) يستند إلى مبدأ قانوني دولي معترف به، وهو حق الدول في استعادة مواطنيها. هذا المسار من شأنه أن يقلل من فرص نجاح الطعون القضائية التي يقدمها المحامون والمنظمات الحقوقية، والتي كانت تستند سابقًا إلى أن الدولة الثالثة (مثل رواندا) قد لا تكون "آمنة".

علاوة على ذلك، يهدف هذا النهج إلى تصنيف هذه الدول كـ"دول آمنة" بصفة رسمية، مما يسهل عملية رفض طلبات اللجوء المقدمة من مواطنيها بشكل تلقائي وسريع؛ فهذا النهج لا يحل أزمة المهاجرين الموجودين فحسب، بل يضع أساسًا قانونيًا جديدًا يتيح لبريطانيا تسريع عمليات الترحيل دون الدخول في دوامة الإجراءات المطولة التي استمرت لسنوات.

المقايضة الاقتصادية

تقوم هذه الاتفاقيات على مبدأ المصالح المتبادلة، حيث لا تطلب بريطانيا التعاون الأمني مجانًا، بل تقدم في المقابل حزم دعم تنموي سخية. هذا الاستثمار في الاستقرار يهدف إلى معالجة الجذور الاقتصادية للهجرة في أنجولا وناميبيا، من خلال تمويل مشاريع تخلق فرص عمل محلية، مما يجعل خيار البقاء في الوطن أكثر جاذبية للمواطنين من خيار الهجرة المحفوف بالمخاطر.

الهجرة غير الشرعية - أرشيفية 
الهجرة غير الشرعية - أرشيفية 

ويتجاوز الدعم المالي البريطاني مجرد المساعدات النقدية ليشمل بناء القدرات المؤسسية في هذه الدول؛ فالاتفاقيات تتضمن تدريب كوادر أمن الحدود وتطوير نظم تسجيل الهوية والبيانات الحيوية. هذا التعاون التقني يحول أنجولا وناميبيا إلى شركاء أمنيين لبريطانيا في القارة الأفريقية، ويزيد من كفاءة هذه الدول في إدارة تدفقات الهجرة العابرة لحدودها قبل وصولها إلى أوروبا.

ومع ذلك، تثير هذه المقايضة تساؤلات حول أخلاقيات المساعدات الدولية، حيث إن ربط الدعم التنموي بملف الترحيل قد يحول المساعدات الإنسانية إلى أداة ضغط سياسي، لكن من منظور لندن، يظل هذا المسار هو الأقل تكلفة مقارنة بالمبالغ الطائلة التي تُنفق يوميًا على إسكان المهاجرين في الفنادق البريطانية، مما يجعله استثمارًا اقتصاديًا رابحًا على المدى البعيد.

اختبار "الردع" 

يظل الهدف الأسمى من هذه التحركات هو خلق حالة من "الردع النفسي" لدى المهاجرين المحتملين، إذ تراهن الحكومة البريطانية على أن انتشار خبر إعادة المهاجرين فور وصولهم إلى بلدانهم الأصلية سيكسر نموذج العمل لمهربي البشر؛ فالمهاجر لن يخاطر بحياته ويدفع مبالغ طائلة إذا علم أن مصيره النهائي هو العودة إلى نقطة البداية خلال أسابيع قليلة.

ورغم قوة فكرة الردع، إلا أن التحديات اللوجستية تظل قائمة وبقوة؛ فتنفيذ عمليات ترحيل جماعية يتطلب تنسيقًا جويًا معقدًا وميزانيات ضخمة للرحلات الخاصة، كما أن ضمان أمن العائدين بعد وصولهم يمثل تحديًا آخر. ففشل بريطانيا في مراقبة وضع المهاجرين بعد عودتهم قد يفتح الباب مجددًا لانتقادات حقوقية حادة واتهامات بالتنصل من المسؤولية الإنسانية.

الهجرة غير الشرعية - أرشيفية 
الهجرة غير الشرعية - أرشيفية 

ختامًا:

 يبقى التحدي الأكبر هو مدى شمولية هذا الحل؛ فأنجولا وناميبيا لا تشكلان إلا نسبة صغيرة من إجمالي الجنسيات التي تعبر القنال الإنجليزي. لذا، فإن نجاح هذه التجربة سيعتمد على قدرة بريطانيا على توسيع هذه المظلة لتشمل دولًا أخرى في أفريقيا وآسيا، لتتحول من مجرد اتفاقيات ثنائية معزولة إلى منظومة متكاملة قادرة على تغيير مشهد الهجرة بشكل جذري.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء