زيلينسكي في كندا: رسم الخطوط الحمراء قبل قمة ترامب وخطة السلام
قبل القمة المرتقبة بين الجانبين الأوكراني والأمريكي، وصل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى مدينة هاليفاكس الكندية في محطة دبلوماسية عالية الأهمية، حيث عقد مباحثات ثنائية موسعة مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، تخللها إعلان أوتاوا عن حزمة دعم مالي وتقني جديدة بقيمة 2.5 مليار دولار كندي. ولم تقتصر الزيارة على البعد الثنائي، بل تحولت أروقة الاجتماع إلى غرفة عمليات افتراضية ضمت قادة أوروبيين من تحالف الراغبين عبر الفيديو، لتنسيق المواقف الغربية وتوحيد الرؤى بشأن خطة السلام المكوّنة من 20 بندًا.
وتأتي هذه التحركات الكندية المكثفة في توقيت حرج للغاية، إذ تسبق بساعات قليلة التوجه المرتقب لزيلينسكي إلى ولاية فلوريدا الأمريكية للقاءالرئيس دونالد ترامب. وبينما تكثف موسكو هجماتها الجوية لتثبيت واقع ميداني جديد، تسعى كييف من خلال منصة كندا إلى تحصين موقفها التفاوضي، وضمان وجود شبكة أمان دولية تمنع أي تسوية سياسية قد تمس بالسيادة الأوكرانية أو تتجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها أوروبا وأوتاوا.
هذا الحراك الاستثنائي في هاليفاكس يكشف بوضوح أن كندا لم تعد مجرد مانح تقليدي للمساعدات، بل تحولت إلى العقل المنسق الذي يربط بين تطلعات أوكرانيا، ومخاوف أوروبا، والواقعية السياسية القادمة من واشنطن؛ مما يجعل من الدور الكندي حجر الزاوية في أي معادلة سلام قادمة.

حزمة الـ 2.5 مليار دولار وتأمين المظلة المالية
يهدف إعلان رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، عن تقديم حزمة دعم اقتصادي ومالي جديدة بقيمة 2.5 مليار دولار كندي إلى تحصين الاقتصاد الأوكراني أمام تداعيات الحرب المستمرة، وتعد هذه الحزمة خطوة استراتيجية تتجاوز مفهوم الدعم الثنائي، إذ صُممت لتعمل كمفتاح قانوني ومالي يسمح لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي بضخ سيولة إضافية تتجاوز الـ 8.4 مليار دولار ضمن برامج التمويل الممدد، مما يضمن تدفق السيولة لكييف حتى في أصعب الظروف السياسية.
وتتضمن المبادرة الكندية بنودًا فنية بالغة الأهمية، من بينها تقديم ضمانات قروض بقيمة 1.6 مليار دولار عبر البنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، بالإضافة إلى تفعيل آلية تعليق خدمة الديون حتى نهاية عام 2026. ويهدف هذا المسار المالي إلى تخفيف الضغط عن الموازنة الأوكرانية وتوجيه الموارد المتاحة نحو الخدمات الأساسية وتعزيز أمن الطاقة، خاصة مع تزايد الهجمات الروسية الأخيرة التي استهدفت البنية التحتية للكهرباء والتدفئة مع دخول فصل الشتاء.
وفي رسالة سياسية واضحة، أكد كارني أن هذا الدعم يمثل الحد الأدنى لضمان صمود أوكرانيا كدولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها، مشددًا على أن الاستقرار المالي لكييف هو شرط أساسي لأي مفاوضات سلام عادلة. كما تمنح هذه التحركات المالية الرئيس زيلينسكي ورقة قوة اقتصادية تمنع أي محاولة لاستخدام سلاح الضغط المالي ضده في المحطات التفاوضية القادمة، وتؤكد أن الحلفاء مستعدون لتمويل تكلفة الصمود مهما بلغت.

رسم خارطة الردع والاستدامة العسكرية
ركزت المباحثات الثنائية في هاليفاكس على صياغة رؤية أمنية مستدامة تتجاوز مجرد الدعم العسكري الآني، حيث تم بحث آليات الحفاظ على جيش أوكراني قوي قوامه 800 ألف جندي كقوة ردع مستقبلية تمنع تكرار الغزو الروسي. ويأتي هذا التوجه ضمن اتفاقية التعاون الأمني طويلة الأمد بين البلدين، والتي تهدف إلى ضمان جاهزية القوات الأوكرانية للعمل بتوافق كامل مع معايير الناتو، وهو المطلب الذي يصر عليه زيلينسكي كجزء لا يتجزأ من أي اتفاق سلام محتمل مع موسكو
وفي خطوة عملية لتعزيز هذا المسار، أعلنت كندا عن تخصيص 35 مليون دولار لصالح حزمة المساعدة الشاملة التابعة للناتو، بالإضافة إلى تبرع إضافي بقيمة 50 مليون دولار لتحالف قدرات الطائرات المسيّرة، كنوع من الدعم التقني؛ لسد الفجوات في الدفاع الجوي والقدرات السيبرانية، وهي الملفات التي وصفها زيلينسكي بأنها الأولوية القصوى لحماية المدنيين والمرافق الحيوية الأوكرانية من موجات الهجمات الصاروخية الروسية المكثفة التي تزامنت مع الزيارة.
كما تناولت المشاورات إمكانية لعب كندا دورًا قياديًا في بعثات المراقبة الدولية المقترحة ضمن خطة السلام، لضمان الالتزام بأي ترتيبات مستقبلية لوقف إطلاق النار، إذ يمثل هذا المحور محاولة كندية-أوكرانية مشتركة لتثبيت حقائق أمنية على الأرض قبل انطلاق مفاوضات فلوريدا مع ترامب، بحيث تصبح الضمانات الأمنية والدفاعية الأوكرانية التزامًا دوليًا لا يمكن الالتفاف عليه في أي صفقة قادمة.
قيادة التحالف الدولي للعودة والإعمار
تصدر ملف "إعادة الأطفال الأوكرانيين المرحّلين قسرًا" جدول الأعمال الإنساني للزيارة، حيث أكدت كندا التزامها بمواصلة قيادة التحالف الدولي للعودة بالتعاون مع أكثر من 40 دولة. وشدد رئيس الوزراء مارك كارني على أن العدالة لا يمكن أن تتحقق دون عودة آلاف الأطفال إلى عائلاتهم، معلنًا عن دعم فني ولوجستي جديد لتعزيز قدرة أوكرانيا على تحديد أماكن المفقودين وتوثيق الجرائم الحقوقية، لضمان المحاسبة الدولية في مرحلة ما بعد الحرب.

كما خصصت كندا جزءًا حيويًا من مساعداتها لقطاع الطاقة، بما في ذلك ضمانات قروض لتمويل واردات الغاز وإصلاح الشبكة الكهربائية المتضررة؛ بهدف منع حدوث أزمة إنسانية واسعة النطاق خلال الشتاء، خاصة مع استمرار القوات الروسية في استهداف منشآت التدفئة، مما يجعل من الدعم الكندي شريان حياة لملايين المدنيين الأوكرانيين في ظل ظروف مناخية وميدانية قاسية.
واختتم هذا المحور بالتركيز على إعادة الدمج المجتمعي، حيث شملت المساعدات الكندية تمويل برامج لحماية الأطفال والشباب المتضررين من النزاع، وتطوير خدمات الرعاية الأسرية للنازحين العائدين. وتعكس هذه الخطوات رغبة أوتاوا في تقديم نموذج لـ"السلام الشامل" الذي لا يتوقف عند وقف إطلاق النار، بل يمتد لترميم النسيج الاجتماعي الأوكراني، مما يعزز من الموقف الأخلاقي والقانوني لكييف في المحافل الدولية وأمام الإدارة الأمريكية الجديدة.
بناءً على التطورات الحالية (ديسمبر 2025) ومسودة السلام المسربة، إليكِ الخاتمة التي تركز على الجانب التحليلي لمخاوف كييف:
خطة الـ 20 بندًا
تتمثل أكبر مخاوف كييف من خطة ترامب في البنود المتعلقة بالمناطق الاقتصادية الخاصة؛ حيث تخشى أوكرانيا أن يكون مصطلح "المنزوعة السلاح" في شرق البلاد مجرد غطاء قانوني لشرعنة الاحتلال الروسي بحكم الأمر الواقع، أو تحويل سيادة أوكرانيا على أراضيها إلى سيادة منقوصة تخضع لإدارة دولية معقدة قد لا تضمن خروج القوات الروسية بشكل نهائي.
كما تبرز قضية الضمانات الأمنية كنقطة قلق جوهرية؛ فبينما تقترح الخطة نموذجًا يحاكي "المادة الخامسة" من ميثاق الناتو، يتخوف الجانب الأوكراني من أن تكون هذه الضمانات مشروطة بحياد دائم يُدرج في الدستور، مما يعني إغلاق باب الناتو للأبد مقابل وعود أمنية قد تتبخر بتغير الإدارات في واشنطن.

بالإضافة إلى ذلك، تثير الفقرة المتعلقة بإجراء انتخابات سريعة (خلال 100 يوم من الاتفاق) قلقًا من عدم القدرة على تنظيم تصويت عادل في ظل وجود ملايين النازحين وبنية تحتية محطمة، مما قد يفتح الباب لتدخلات سياسية خارجية تُزعزع استقرار الدولة من الداخل.
ختامًا:
يبقى لقاء زيلينسكي المرتقب مع ترامب في فلوريدا هو الاختبار الحقيقي؛ حيث يسعى الرئيس الأوكراني، بظهير كندي وأوروبي، إلى تعديل ميزان القوى داخل هذه البنود الـ 20. فالهدف الأوكراني اليوم ليس مجرد "وقف إطلاق النار"، بل ضمان ألا تتحول خطة السلام إلى "فخ استراتيجي" يمنح موسكو فرصة لإعادة التموضع والانتظار لجولة غزو جديدة، وهو ما جعل من محطة كندا ضرورة قصوى لتثبيت اللاءات الأوكرانية قبل الدخول في مغامرة التفاوض الكبرى.



